ملخص
تواجه هيئة الإذاعة البريطانية واحدة من أكبر أزماتها بعد استقالة مديرها العام تيم ديفي ورئيسة الأخبار ديبورا تورنيس، إثر جدل حول وثائقي عن ترمب جرى تحريره بشكل مضلل. تزامنت الأزمة مع اتهامات لـ"بي بي سي عربي" بالتحيز ضد إسرائيل، بعد تقارير لمنظمة "كاميرا" كشفت عن أكثر من 200 تصحيح خلال عامين، وتزايدت المطالب بإجراء مراجعة مستقلة للممارسات التحريرية، فيما يثير الجدل نقاشاً واسعاً حول تمويل الهيئة ودعوات إلى خصخصتها.
تواجه هيئة الإذاعة البريطانية أزمة تهدد مصداقيتها، تتداخل فيها التوجهات والأحداث بشكل يطرح تحديات وأسئلة جدلية، ليس داخل مؤسسة "بي بي سي" وحسب، بل على صناع الإعلام والباحثين. فمن أسئلة تتعلق بأخلاقيات التحرير إلى تعريف ما هو متحيز في مناخ يسوده الانقسام السياسي، يبدو أن الأزمة تتصاعد وتثير مزيداً من الدعوات نحو الخصخصة بديلاً عن التمويل العام.
بدأت الأزمة عندما نشرت صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية، الأسبوع الماضي، تفاصيل مذكرة داخلية مسربة تشير إلى أن وثائقياً بعنوان "ترمب: فرصة ثانية؟"، عُرض قبل أسبوع من الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، حُرر بطريقة تُفهم بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حرض صراحة على الهجوم على مبنى الكابيتول في السادس من يناير (تشرين الثاني) 2021، إذ دُمجت لقطات من تصريحات الرئيس الأميركي تفصل بينها نحو 50 دقيقة، وبترتيب يوحى بتحريضه على العنف.
المذكرة المسربة من إعداد مايكل بريسكوت، الصحافي السابق الذي كان حتى يونيو (حزيران) الماضي، يعمل مستشاراً مستقلاً للجنة معايير التحرير في هيئة الإذاعة البريطانية. وانتهى الأمر إلى استقالة المدير العام لشبكة "بي بي سي" تيم ديفي، ورئيسة قسم الأخبار ديبورا تورنيس، إذ أقر ديفي بالخطأ وتحمّل المسؤولية.
حرب غزة و"بي بي سي عربي"
فيديو ترمب ليس وحده الذي أثار الانتقادات ضد هيئة الإذاعة البريطانية، فطرفا حرب غزة تجاذبا اتهامات ضد "بي بي سي"، إذ اتُهمت من قبل الطرفين بالتحيز لمصلحة الطرف الآخر.
ففي نوفمبر عام 2024، وقع أكثر من 230 من العاملين في الإعلام، بينهم 101 من العاملين في "بي بي سي"، رسالة موجهة إلى المدير العام للشبكة والرئيسة التنفيذية، يتهمون فيها الشبكة بتقديم تغطية تتضمن "تحيزاً لإسرائيل" ويدعونها إلى "تجديد التزامها بالإنصاف والدقة والحياد" في تغطيتها لحرب غزة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن نقد بريسكوت تضمن ادعاءات بأن "بي بي سي عربي" منحت مساحة لصحافي نشر تعليقات معادية للسامية. وفي وقت سابق من العام الحالي، تعرضت الهيئة لانتقادات لفشلها في قطع البث المباشر خلال مهرجان غلاستونبري الموسيقي، عندما قاد الفنان بوب فيلان الحضور في هتافات ضد الجيش الإسرائيلي.
وقررت هيئة "أوفكوم"، المنظم الإعلامي البريطاني، هذا العام أن "بي بي سي" ارتكبت "خرقاً جسيماً" لقواعد البث، لفشلها في الإفصاح عن أن الراوي في وثائقي عن غزة كان ابن مسؤول في "حماس". كذلك شهدت الهيئة جدلاً حول سلوك عدد من النجوم التلفزيونيين الذين يعملون في المؤسسة.
ونشرت صحيفة "صنداى تليغراف" تقريراً يفيد بأن "بي بي سي عربي" اضطرت إلى إجراء 215 تصحيحاً وتوضيحاً خلال العامين الماضيين، بمعدل خبرين أسبوعياً، لأخبار تبيّن أنها كانت منحازة أو غير دقيقة أو مضللة. جاء ذلك بعد أسبوع من تسريبات نشرتها الصحيفة حول تغطية أحادية الجانب في "بي بي سي"، وردت في ملف من 8 آلاف كلمة أعدّه أحد المبلغين عن المخالفات، اتهم فيه "بي بي سي عربي" بمحاولة "التقليل من معاناة الإسرائيليين" في الحرب على غزة من أجل "تصوير إسرائيل كالمعتدية".
تقرير "التليغراف" استند إلى تقرير لمنظمة "كاميرا" المعنية بالرصد الإعلامي ومراقبة المحتوي المتحيز. وتعلقت إحدى الشكاوى بتقرير لـ "بي بي سي عربي" نُشر في يناير (كانون الثاني) هذا العام حول معاملة الرهائن على يد "كتائب القسام"، وُصفت فيه وحدة "حماس" بأنها "تحرس" الرهائن و"مسؤولة عن تأمينهم"، بدلاً من القول إنها تحتجزهم كأسرى. وضم التقرير المصور لقطات لرهينتين إسرائيليتين "تشكران" آسريهما على "حسن المعاملة " أثناء "الاحتجاز". وبعد شكوى من "كاميرا" بأن الفيديو تجاهل الواقع المروع للتعذيب والإعدام الذي تعرّض له الرهائن، أُجبرت "بي بي سي عربي" على تعديل التقرير بإزالة الفقرة التي أشارت إلى "حسن المعاملة"، وأضافت إشارة مختصرة إلى إساءات "حماس".
لكن "بي بي سي" دافعت في بيانها عن الفيديو، معتبرة أنه "دقيق بما فيه الكفاية" و"يحوي السياق الواجب". وقوبل ذلك باستئناف من "كاميرا" إلى وحدة الشكاوى التنفيذية، بدعوى أن الفيديو المعدّل لم يذكر أن عناصر من الوحدة قتلوا رهائن مثل أوفير تسرفاتي، بل قدمت القناة هذه المعلومة على أنها "ما قالته إسرائيل".
وعلقت بارونيس ديتش، الحاكمة السابقة في مجلس إدارة "بي بي سي"، قائلة إن وحدة الشكاوى التنفيذية التابعة للمؤسسة فشلت في أداء واجبها كجهة رقابة داخلية على المعايير التحريرية. وأضافت أنه "في الوقت الذي تلقي فيه "بي بي سي عربي" الإدانة المتكررة من سياسيين من مختلف الأحزاب بسبب انتهاكاتها المتكررة للإرشادات وانحيازها الفاضح ضد إسرائيل، تعتبرها وحدة الشكاوى التنفيذية بلا أي خطأ". واتهمت ديتش، وفق التصريحات التي نشرتها "الديلي تليغراف"، وحدة الشكاوى التنفيذية في الهيئة بأنها "تغضّ الطرف عن التحيز داخل بي بي سي عربي"، داعية إلى تأسيس "آلية شكاوى مستقلة لأن "بي بي سي" لا يمكن الوثوق بها في مراقبة نفسها".
وكتبت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك، إلى تيم ديفي في فبراير (شباط) الماضي لتقديم شكوى بشأن تغطية "بي بي سي عربي"، واصفة إياها بأنها "منبر للإرهابيين" تروّج لـ"معاداة مروعة للسامية" لملايين المشاهدين، إذ يواجه القسم العربي اتهامات بمنح منصة لصحافيين أدلوا بتصريحات معادية بشدة لليهود.
"بي بي سي" ترد
ورداً على طلب "اندبندنت عربية" بالتعليق على كيفية ضمان "بي بي سي" الدقة والحياد في تغطيتها باللغة العربية، بخاصة في ضوء الادعاءات بالتحيز، وإجراء مراجعة خارجية أو مستقلة لممارساتها التحريرية في قناة "بي بي سي عربي"، قال متحدث باسم الهيئة البريطانية إن "بي بي سي نيوز عربي تسعى إلى أعلى معايير الصحافة في جميع خدماتها، وعندما تقع أخطاء أو تكون هناك حاجة لتوضيحات، نتخذ الإجراءات اللازمة لضمان الوضوح والدقة لجمهورنا".
وستجري هيئة الإذاعة البريطانية مراجعة مستقلة لمحتوى "بي بي سي" بشأن الشرق الأوسط، والتي ستُجرى على شكل مراجعة موضوعية. ووفق إعلان سابق، يتم الإفصاح لاحقاً عن الإطار المرجعي للمراجعة. وسابقاً دافعت هيئة الإذاعة البريطانية عن قناتها العربية، مشيرة إلى أنه منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، نشر موقع "بي بي سي نيوز عربي" أكثر من 11 ألف مقال، وخلال الفترة نفسها قدمت "كاميرا" 159 شكوى بشأن محتوى الموقع.
تمويل الهيئة
أزمة "بي بي سي" تعيد النقاش بشأن آلية تمويل الهيئة البريطانية التي تعتمد على رسوم الترخيص من المواطنين البريطانيين، إذ تطالب بعض الأصوات بخصخصة شاملة لهيئة الإذاعة البريطانية. وقال زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" نايجل فاراج إن استقالة مسؤولي "بي بي سي" "يجب أن تكون بداية تغيير شامل"، ووصفها بأنها "منحازة سياسياً". وأضاف أن الحكومة بحاجة إلى تعيين شخص يمتلك سجلاً في إدارة الشركات والثقافة المؤسسية، محذراً "هذه الفرصة الأخيرة لهيئة بي بي سي. إذا لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح، سيكون هناك أعداد هائلة من الناس يرفضون دفع رسوم الترخيص". وفي تعليق آخر أشار إلى أنه لا يمكن لرسوم الترخيص أن تستمر بوضعها الحالي.
وفي 2016، دعا معهد أبحاث اقتصادي محافظ ومؤثر إلى خصخصة شاملة لـ "بي بي سي"، وقال معهد الشؤون الاقتصادية إن هيئة البث الوطنية في بريطانيا "لم تعد صالحة لأداء مهامها". واستند التحليل إلى محتوي "بي بي سي" باعتباره يشير أن المؤسسة منحازة ضد الشركات الكبرى والاقتصاد الحر والنشطاء الذين يسعون إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وخلص إلى أنه إذا جرت خصخصة "بي بي سي"، فإن الجمهور سيصبح "أكثر شكاً بشكل مناسب" تجاه الانحياز المحتمل.
ويمثل الميثاق الملكي الأساس الدستوري الحالي لهيئة الإذاعة البريطانية وإطار التمويل، المتفق عليه عام 2017، وسيظل سارياً حتى نهاية عام 2027. ومن المقرر أن تطلق الحكومة البريطانية مراجعة الشهر الجاري لمناقشة مستقبل تمويل الهيئة.
من جانب آخر، هدد ترمب باتخاذ إجراءات قانونية ضد "بي بي سي"، وقال محامو الرئيس الأميركي إن "بي بي سي" يجب أن تسحب برنامجها الوثائقي بحلول يوم الجمعة، وإلا فستواجه دعوى قضائية بمبلغ "لا يقل عن مليار دولار". وأكدت "بي بي سي" أنها تلقت الرسالة، وسترد في الوقت المناسب.