Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترمب بين نتنياهو وبوتين: الحب والحرب من طرف واحد

كلاهما في مركز جهود الرئيس الأميركي لاستمالتهما لإنهاء الصراع في أوكرانيا وغزة بلا جدوى

دونالد ترمب (أ ب)

ملخص

 لا يتوقف ترمب عن استمالة بوتين ونتنياهو لكنهما يواصلان رفض تقديم تنازلات ملموسة في شأن أوكرانيا وغزة، وفي قاموس الروابط العاطفية ترقى هذه العلاقة إلى أن تكون مسمومة، وربما تتغير موازينها عندما ينفد صبر ترمب، مدركاً أهمية رد الحيلة بالحيلة.

القواسم المشتركة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كثيرة، فكلاهما يشنان حرباً ويريدانها أن تطول لغايات مختلفة، وكلاهما يحظيان بمكانة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ دافع عنهما ووقف معهما في خضم هجوم الإعلام الدولي على الرجلين بسبب استمرار حربي أوكرانيا وغزة، وكثيراً ما قادت العلاقة إلى ما لا يشتهيه سيد البيت الأبيض.

تمر علاقة الرجال الثلاثة بمد وجزر لكن ترمب لا يتوقف عن استمالتهما، على رغم أن أياً منهما لم يقدم له تنازلات ملموسة، عدا وعود فارغة وابتسامات وطعنات. في قاموس الروابط العاطفية ترقى هذه العلاقة إلى أن تكون مسمومة، وربما تتغير موازينها عندما ينفد صبر الرئيس الأميركي، مدركاً أن تحقيق تعهداته بإيقاف الحربين في أوروبا والشرق الأوسط يتوقف على رد الحيلة بالحيلة ولعب الشطرنج بخبث أكبر.

الود الغامض لبوتين

كثيراً ما استغرب الأميركيون الود الذي يكنّه ترمب للرئيس بوتين الذي لم تزعزعه ضربات الحرب الأوكرانية، إذ لم يبخل ترمب يوماً بالكلمات في وصف عبقرية بوتين وحنكته، وفي أحايين أقر بقدرته على التلاعب بأسلافه مثل باراك أوباما وجو بايدن، لكنه هذه المرة يواجه اتهامات من معارضيه بأنه ضحية لألاعيب الرئيس بوتين الذي تدرج في السلم المهني للاستخبارات الروسية.

في ألاسكا حظي بوتين باستقبال فاخر، قابله ترمب بالتصفيق الحار وفرشت له السجادة الحمراء، ومر المؤتمر الصحافي بابتسامات ومجاملات من ترمب، قابلها بوتين بدعوته إلى زيارة موسكو متحدثاً باللغة الإنجليزية في لحظة نادرة. لم يحضر بوتين مأدبة الغداء التي أعدها الأميركيون لكنه خرج راضياً بعد اجتماع اعتبره المحللون انتصاراً للرئيس الروسي الذي جنب بلاده مزيداً من العقوبات، في حين لم يخرج ترمب بتعهد ملموس لإنهاء الحرب الأوكرانية، ولم توافق روسيا على مقترح عقد قمة بين بوتين والرئيس الأوكراني.

وما عزز الخيبة الأميركية تجاه بوتين أنه بعد أيام قليلة من القمة شنت روسيا أكبر هجوم جوي منذ يوليو (تموز) الماضي بالتزامن مع لقاء ترمب الرئيس الأوكراني وقادة أوروبيين، وأقر بعدها الرئيس الأميركي أن نظيره الروسي ربما لا يريد اتفاقاً، وتوالت منذ ذلك الحين التصعيدات الروسية في مقابل لغة تفهم أميركية وضغوط على الجانب الأوكراني لتقديم مزيد من التنازلات.

ومنذ تولي ترمب منصبه زادت الهجمات الروسية على أوكرانيا بأكثر من الضعف مقارنة بعددها عام 2024 خلال ولاية بايدن، وعلى رغم ذلك ترك ترمب الباب مفتوحاً ولم يتوقف عن استمالة بوتين.

الاستسلام لمطالب نتنياهو

تذكّر هذه العلاقة بعلاقة ترمب مع نتنياهو الذي يطيل أمد الحرب في غزة منذ عامين، فيما يعتبره مواطنوه محاولة لتجنب المحاكمة وانهيار حكومته. تباهى ترمب بأنه لو كان رئيساً لما اندلعت الحرب، لكن تسعة أشهر مرت على عودته للرئاسة ولم يستطع استغلال نفوذ بلاده المترسخ في مفاصل إسرائيل الاستخبارية والعسكرية لتحقيق وعده الانتخابي بإنهاء الحرب وإعادة الرهائن.

ما حدث هو العكس، إذ بدا نتنياهو وكأنه صاحب النفوذ على أميركا، وأدت ثقته بقوة تحالفاته داخل إدارة ترمب إلى شن حرب على إيران لـ 12 يوماً، وتوسيع رقعة الصراع في الشرق الأوسط على النقيض من أولويات السياسة الخارجية الأميركية.

كذلك زاد خطاب ترمب المتقلب وخطة "ريفييرا غزة" من جرأة الوزراء الإسرائيليين الأكثر تطرفاً والذين دفعوا أجندتهم لإعادة احتلال غزة بالكامل، كما يقول السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال شابيرو، ولم يتورع نتنياهو عن تهديد أمن جيرانه بالتلويح بالمشروع التوسعي المعروف بـ "إسرائيل الكبرى".

وفي مارس (آذار) الماضي لم تعترض إدارة ترمب على قرار إسرائيل بقطع المساعدات الغذائية الدولية عن غزة، مما أدى في عهده إلى إعلان الأمم المتحدة تفشي المجاعة رسمياً في القطاع الفلسطيني، وهي نكسة إضافية لرغبة ترمب الجدية في الحصول على "جائزة نوبل للسلام".

وكما خرج بوتين منتصراً من قمة ألاسكا وغادر سالماً من أية عقوبات ثانوية، أخذ نتنياهو هو الآخر حصته من أميركا على حساب رئيسها بعدما تمكن أخيراً من جر ترمب إلى مواجهة مباشرة مع إيران بعد أعوام من تحفظه ورفض أسلافه أيضاً هذه الخطوة.

ترمب الأول لم يكن يريد صراعاً عسكرياً مع إيران على رغم حملة العقوبات المشددة، ودخل في خصومة شهيرة مع مستشاره للأمن القومي جون بولتون بسبب دعمه ضرب إيران، والعام الماضي استبعد ترمب عراب حملة الضغط الأقصى براين هوك من فريقه الانتقالي بعدما تحدث للإعلام عن احتمال أن يعود الرئيس الجمهوري لنهج متشدد تجاه طهران، وبعد فوزه بالرئاسة لمّح ترمب إلى رغبته في تخفيف العقوبات وفتح صفحة جديدة مع إيران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالفعل فتح ترمب قناة تواصل مع إيران ودخل معها في خمس جولات من المفاوضات بقيادة صديقه ومبعوثه للمهمات الصعبة ستيف ويتكوف، لكن المفاوضات انهارت بسبب الحرب التي شنها نتنياهو ضد إيران في الـ 13 من يونيو الماضي، قبل يومين من الجولة السادسة من المحادثات.

وقرر ترمب ضرب المنشآت النووية الإيرانية بعد ضغوط وإشارات من إسرائيل بأنها لن تكون قادرة على استهداف بعض المنشآت الإيرانية المحصنة مثل "نطنز" من دون ضربة أميركية باستخدام القنابل الخارقة للتحصينات، وأن الفرصة مواتية وقد لا تتكرر لاستغلال الضعف الإيراني.

أدت الضربات الأميركية إلى هجوم صاروخي إيراني ضد قاعدة العديد العسكرية في قطر، وهو ما احتوته قطر بالتصدي لجميع الصواريخ بنجاح، لكنها هذا الشهر وجدت نفسها في موقف صعب بسبب تلاعب نتنياهو بالإدارة الأميركية بعد الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف المقار السكنية لوفد حركة "حماس" في أحد أحياء الدوحة.

لم تبلغ إسرائيل الجيش الأميركي بالهجوم على قطر إلا قبل دقائق، مما أثار غضب الرئيس الأميركي الذي سارع إلى الاتصال على نتنياهو ليعرب عن استيائه العميق لتجاهله وعدم إبلاغه بالضربة التي وصفها بـ "غير الحكيمة"، في حين برر نتنياهو الأمر بأنه كان محصوراً بنافذة زمنية ضيقة.

 وكتب ترمب أن "القصف الأحادي الجانب على قطر، الدولة ذات السيادة والحليف الوثيق للولايات المتحدة، التي تعمل بجد وشجاعة وتخاطر معنا للتوسط في السلام، لا يخدم أهداف إسرائيل أو الولايات المتحدة".

تقويض ثقة الخليج بواشنطن

شكل الهجوم على قطر ضربة لجهود إدارة ترمب في تعزيز العلاقات مع دول الخليج وفي مقدمها السعودية والإمارات، فبعد أشهر من زيارة ترمب للدول الثلاث حيث تلقى تعهدات باستثمارات تريليونية، أشار مراقبون إلى أن دول الخليج قد تلجأ إلى المناورة بالورقة الاقتصادية للمطالبة بمواقف وضمانات أميركية أمنية ملزمة لردع الممارسات الإسرائيلية.

وتراجعت ثقة الخليج بالولايات المتحدة منذ أعوام تحت إدارات جمهورية وديمقراطية، في ضوء سياسة التحول الإستراتيجي نحو آسيا لمكافحة التهديد الصيني، مما أدى إلى امتعاض واعتقاد خليجي بأن واشنطن لا تنظر بجدية إلى مخاوفه الأمنية من التهديد الإيراني الصاروخي والنووي، وتعمقت هذه المخاوف بعد فشل واشنطن في منع إسرائيل من مهاجمة دولة خليجية كانت تقوم بدور الوساطة في حرب غزة.

وكانت السعودية والإمارات وقطر قد تعهدت مجتمعة باستثمار نحو 3 تريليونات دولار في الاقتصاد الأميركي عندما زار ترمب المنطقة في أول جولة خارجية له خلال ولايته الثانية، لكن أستاذ التاريخ المساعد في جامعة الكويت بدر السيف يرى أنه "إذا شعرنا بانعدام الأمن، وهو ما يحدث بسبب حليف لأميركا مثل إسرائيل، فإن الأموال يمكن أن تذهب إلى مكان آخر، سواء لتعزيز أمن الخليج بصورة أفضل أو لتحقيق عوائد استثمارية أعلى"، موضحاً أن الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل "مشروطة بوجود بيئة آمنة ومستقرة في الخليج تستفيد هي نفسها من هذه الاستثمارات"، وفق "سي أن أن".

كذلك أصبحت "اتفاقات أبراهام" بين الإمارات والبحرين مع إسرائيل، والتي يعدّها ترمب من أبرز إنجازات إدارته الأولى، أيضاً مهددة مع احتمال أن تلجأ الإمارات إلى خفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية وفق بعض المحللين، وذلك بعدما حذرت من أن الخطط الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية ستكون بمثابة "خط أحمر وخيانة لروح "اتفاقات أبراهام"، وقد ألغت الإمارات مشاركة إسرائيل في معرض دبي للطيران المزمع عقده في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وفق "بلومبيرغ".

وبين نتنياهو وبوتين يجد ترمب نفسه عالقاً في شبكة من مصالحهما الخاصة والقومية لإطالة الحربين، وادعاءاتهما بالاستعداد لوقفها، لكنه ليس بلا خيارات إذا ما أراد وضع حد لعلاقة تتصف بالسمية، ولا تخدم تحقيق وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب حول العالم.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل