Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قضية إبستين تفضح اختلالات عميقة في النظام البريطاني

جيفري إبستين كان يمتلك قدرة كبيرة على تمييز الانتهازيين واستغلالهم إلى أقصى حد ممكن، وبهذا كشف عن ضعف في قمة المجتمع البريطاني، لا يمكن إلا للسذج أن يتوقعوا تغييره

اللورد بيتر ماندلسون يلقي كلمة في مقر إقامة السفير البريطاني في واشنطن العاصمة، بتاريخ 26 فبراير 2025 (تغطية صحفية مشتركة/رويترز)

ملخص

يعد كاتب النص أن علاقة إبستين بكل من الأمير السابق أندرو واللورد بيتر ماندلسون كشفت هشاشة المؤسسات الدستورية البريطانية، وأظهرت تناقضاتها واعتمادها على الامتيازات والولاءات الشخصية، إذ تقف السلطة عاجزة عن إصلاح نظام ينهار تحت وطأة الفساد والعبث السياسي.

لم يتطلب الأمر كثيراً. فمن جهة هناك متحرش بالأطفال يتمتع بكاريزما، وهو بارع في التلاعب بالأشخاص. ومن جهة أخرى، هناك ركيزتان من أركان الدولة البريطانية أنهكهما الزمن. وفي حين أن الملكية و"مجلس اللوردات" ما زالا قائمين، إلا أن كلاً منهما تلقى ضربة قوية الأسبوع الماضي.

من القبر، سلط جيفري إبستين من حيث لا يدري ضوءاً لا يرحم على البنى المتخيلة التي تتربع على قمة نظامنا الدستوري. أمير بلا وزن، وأحد النبلاء الذي تحوم حوله الشبهات، كلاهما وقعاً في سحر إبستين المخادع، وانحدرا بفعل سحره إلى الانحراف.

والآن لا نعرف كيف نتعامل معهما.

أندرو هو مصدر الإحراج الأكبر، لأنه يسخر من مبدأ الوراثة الذي كان يتم بموجبه اختيار المتربعين على العرش منذ البداية... هل انطلق ذلك مع الملك إيثيلستان عام 927؟ قد يكون أندرو الآن مجرد السيد ماونتباتن - وندسور، لكنه لا يزال رسمياً "دوق يورك" والشخص الثامن في ترتيب ولاية العرش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا، بدت مذكرة الإحاطة الصادرة عن "مكتبة مجلس العموم البريطاني" حول كيفية مخاطبة السيد ماونتباتن - وندسور، وكأنها مقتبسة من أعمال "غيلبرت وسوليفان" Gilbert and Sullivan [ثنائي أوبرات هزلية في أواخر القرن الـ19 كانت تسخر من المؤسسات البريطانية]. فأندرو (لا يزال) "دوق يورك" بموجب الامتياز الملكي - أي الصلاحيات التي يتمتع بها الملك عبر براءات الوصاية أو الأوامر الملكية. ويمكنه أن يطلق على نفسه لقب "دوق"، وهو لقب يحفظ لأحد أفراد العائلة المالكة في المستقبل، إلا أنه شاء ألا يفعل ذلك. لكنه لا يسمح له بلقب "صاحب السمو الملكي" His Royal Highness أو "أمير". والأمر نفسه ينطبق على هاري النجل الأصغر للملك تشارلز.

غير أن إخراج أندرو من خط الخلافة أمر أكثر صعوبة بسبب بعض الترهات القانونية التي تعود إلى عام 1931، والتي تتطلب موافقة كل دولة من دول الكومنولث الأخرى. من يدري كيف ستصوت توفالو [التي يبلغ عدد سكانها 10643 نسمة]؟ في أعمال شكسبير، يُنفى النبلاء المراوغون إلى ممالك أجنبية. أما اليوم، فنحن نُرسلهم إلى مقاطعة نورفولك شرق إنجلترا.

لا شك في أن شقيق الملك - وهذا أمر نتفق جميعاً عليه - شخص سيئ. من المفترض أن نحترم أحد الأخوين ونحتقر الآخر. ويليام يبدو لطيفاً بما فيه الكفاية، لكن احتمالات أن يكون هناك ملك "جيد"، تشبه إلى حد كبير احتمالات رمي عملة معدنية [لا تتعدى الحظوظ فيها الـ50 في المئة]. مع ذلك، يظل النظام الوراثي هو كل ما لدينا.

في ما يتعلق ببيتر ماندلسون (السياسي البارز في حزب "العمال")، يبدو أنه قرر مغادرة "مجلس اللوردات"، لكنه يصر على الاحتفاظ بحقه في لقب "لورد". أما رئيس الوزراء كير ستارمر فهو في حيرة من أمره، وكلف بعضاً من أبرع العقول القانونية في دوائر وايتهول إيجاد طريقة لإعادة ماندلسون إلى مرتبة مواطن عادي.

خلال الوقت نفسه، كانت هناك مؤامرات سرية تدور أثناء وقت متأخر من الليل، استهدفت إخراج بيتر ماندلسون من "مجلس الملك الخاص" Privy Council - وهو هيئة قديمة من العصور الوسطى، يفترض نظرياً أن يقدم أعضاؤها المشورة للملك (الذي، كما تذكرون، هو أيضاً رئيس دولة توفالو). ولا يمكن أن يفعل ذلك سوى الملك، لكن يبدو أن كير ستارمر تحدث معه بهدوء.

بمعنى آخر، هذان الرجلان - أحدهما قليل الذكاء بعض الشيء وقذر ومتغطرس، والآخر مفتون بسحر المال بصورة ملتوية - لفتا الانتباه بصورة مزعجة إلى نظامنا الدستوري الذي يُتصرف به وفق الظروف.

هذا يعطي مثلاً واضحاً على مدى الفوضى والتناقض: فخلال الوقت نفسه الذي يصرخ فيه أعضاء "مجلس اللوردات" مستنكرين تواطؤ عضو آخر مع متحرش معروف بالقاصرات، يمدون في المقابل سجادة حمراء للبارون دويل خبير الاتصالات السابق ذي الموهبة المتواضعة، الذي كان يناصر متحرشاً بالأطفال في حملته الانتخابية.

نعم، قرأتم ذلك بصورة صحيحة. فماثيو دويل الذي يقال إنه تلميذ للرجل الذي لا يزال علينا أن نطلق عليه لقب لورد ماندلسون، قُبل في "مجلس اللوردات" البريطاني خلال الـ12 من يناير (كانون الثاني) الماضي، وكان يرتدي زياً من الحرير وعباءة من فرو حيوان القاقم، على رغم دعمه لشون مورتون الاسكتلندي الذي كان عضواً في مجلس محلي، والذي اتُّهم (ودِين لاحقاً) بحيازة وتوزيع صور غير لائقة لأطفال.

الآن يقول اللورد دويل: "أندم على دعمي له". بالطبع هو نادم. إن كلماته صدى بائس للاعتذارات نفسها التي قدمها ماندلسون وغيتس وبرانسون وماونتباتن - وندسور، وسارة فيرغسون وآخرون في ما يتعلق بإبستين. مع ذلك، لا بأس، فدويل - الذي قضى تسعة أشهر فقط رئيساً لقسم الاتصالات داخل مقر رئاسة الوزراء في "داونينغ ستريت" مع ستارمر - أصبح بإمكانه الآن الحصول على 371 جنيهاً استرلينياً (505 دولارات) يومياً طوال حياته، لمجرد حضوره. وأظهر معلمه ماندلسون مدى صعوبة التخلص منه.

حتى في توفالو، لا يتسامحون مع هذا النوع من الهراء.

من ناحية، هذه قصة عن اثنين من المحتالين الذين استغلوا النظام، وكُشف عنهما بصورة مذهلة. كثيراً ما كان هناك أفراد سيئون ضمن العائلة المالكة، ونحن نعلم منذ أجيال أن "مجلس اللوردات" يجب إما إلغاؤه أو إصلاحه بصورة جذرية.

لكن المحتالين هم الآن يعيشون لحظتهم، والسؤال الذي يجب طرحه دائماً هو: ماذا سيفعل نايجل فاراج (زعيم حزب "ريفورم")؟ فاحتمال وصول فاراج إلى "داونينغ ستريت" يزداد مع مرور الوقت. ماذا سيفعل نايجل إذا ما أصبح رئيساً لوزراء بريطانيا؟ لا بد من تصديق أنه سيملأ "مجلس اللوردات" بأصدقائه والمقربين منه.

لم لا؟ فقد عين رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون 245 عضواً في "مجلس اللوردات" خلال فترة ولايته، أما بوريس جونسون فعين 87، وقامت تيريزا ماي بتعيين 43، فيما عين ريشي سوناك 51، وأخيراً ليز تراس عينت 29، على رغم أنها كانت رئيسة للوزراء لمدة 49 يوماً فحسب. في المقابل، فإن كير ستارمر - الذي وصف "مجلس اللوردات" المتضخم بأنه "لا يمكن الدفاع عنه" - قام بنفسه بتعيين 96 عضواً جديداً فيه.

خلال أغسطس (آب) الماضي، طلب فاراج من ستارمر معالجة "الفجوة الديمقراطية" المتمثلة في عدم وجود أي عضو في "مجلس اللوردات" من حزب "ريفورم". لكن ستارمر رفض ذلك. ونقلت شبكة "بي بي سي" عن مصادر مطلعة على عملية التعيين أنه "لا توجد قواعد محددة، والقرار في نهاية المطاف يعود إلى رئيس الوزراء الذي يكون في السلطة".

وبما أنه "لا توجد قواعد محددة"، ماذا كان ليفعل نايجل فاراج؟ هل يقدم على تعيين عشرات الأعضاء الجدد لموازنة أرقام المجلس الأعلى؟ عشرات؟ أم مئات؟ وإذا ما انتخب بغالبية ساحقة، أليس من حقه أن يحصل على تمثيل مشابه لما لدى حزب "المحافظين" (نحو 280 عضواً)، أو لدى حزبي "العمال" و"الديمقراطيين الأحرار" (209 و75 على التوالي)؟

من، بصراحة، يحق له أن يشتكي؟

يبدو أن جيفري إبستين كان يمتلك قدرة فائقة على تمييز الانتهازيين من أصحاب الألقاب والامتيازات في قمة المجتمع البريطاني، واستغلالهم إلى أقصى حد ممكن.

بالطبع، تتضمن الملفات التي تخرج الآن إلى الرأي العام كثيراً من المآسي الشخصية، وهي بحق محور الاهتمام. لكن إبستين كشف لنا من حيث لا يدري عن حقيقتنا المزرية كما هي في "روريتانيا" [مملكة خيالية مليئة بالاحتفالات والمؤامرات تناولتها إحدى روايات الكاتب أنتوني هوب]. ولا يمكن إلا للسذج أن يتصوروا أن الأمور ستتغير.

© The Independent

المزيد من تحلیل