ملخص
القيادة الفلسطينية "تبذل جهوداً في اتجاهين، إما تراجع واشنطن عن قرارها والسماح بحضور الرئيس عباس، أو نقل أعمال الجمعية العامة إلى المقر الثاني للأمم المتحدة في جنيف".
دفعت حال القلق الإسرائيلية والأميركية من موجة الاعترافات بدولة فلسطين المقررة الشهر المقبل، إلى اتخاذ واشنطن سلوكاً "دبلوماسياً خشناً" عبر منعها الرئيس الفلسطيني محمود عباس من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في تكرار لمنع الرئيس ياسر عرفات من زيارة نيويورك عام 1988 إثر إعلان وثيقة الاستقلال.
وقبل 37 عاماً جاءت وثيقة إعلان الاستقلال كمحطة مركزية على "طريق إقامة دولة فلسطين وترسيخ السيادة والاستقلال"، فيما تشهد هذه الأيام زخماً دولياً تقوده لوضع خطوات عملية لتجسيد إقامة دولة فلسطين.
وبينما يشدد عباس على أنه يتحرك "ضمن القانون الدولي لاستعادة حقوق شعبه"، وسط دعم دولي يشمل دولاً أوروبية كبيرة، فإن تل أبيب تتهمه بتشجيع الإرهاب في ظل موافقة ضمنية أميركية.
إسرائيل المرحب الوحيد
وجاء رفض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو منح تأشيرات دخول لعباس وأعضاء الوفد الفلسطيني إلى نيويورك، بسبب عدم "امتثال ’منظمة التحرير الفلسطينية‘ والسلطة الفلسطينية لالتزاماتهما وتقويض آفاق السلام، فمن المصلحة الأمنية الأميركية محاسبتهما".
لكن "منظمة التحرير" ردت على ذلك بتأكيد "التزامها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وجميع التزاماتها تجاه السلام، كما ورد في رسالة الرئيس محمود عباس إلى جميع رؤساء العالم بمن فيهم الرئيس دونالد ترمب"، وفق نائب رئيس اللجنة التنفيذية لـ"منظمة التحرير" حسين الشيخ.
وطالب روبيو منظمة التحرير بـ"نبذ الإرهاب وإنهاء التحريض على الإرهاب في التعليم، ومحاولاتها تجاوز المفاوضات من خلال حملات الحرب القانونية الدولية بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، والجهود المبذولة لضمان الاعتراف الأحادي الجانب بدولة فلسطينية افتراضية".
ونددت معظم دول العالم بالخطوة الأميركية باعتبارها مخالفة لاتفاق مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وسط تأكيد فلسطيني أن تلك الخطوة "لن تسهم في إجهاض الاعترافات الدولية بدولة فلسطين".
لكن إسرائيل وحدها تقريباً من رحبت بالخطوة الأميركية، واعتبرها وزير خارجيتها جدعون ساعر "رداً مشروعاً على الحرب القانونية التي يشنها الفلسطينيون على إسرائيل".
ويأتي ذلك في ظل إعلان دول عدة أبرزها فرنسا وبريطانيا وكندا الاعتراف بدولة فلسطين خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، بالتزامن مع عقد قمة دولية في شأن سبل الحفاظ على "حل الدولتين".
ضغوط دبلوماسية
وتبذل دول عدة حملة دبلوماسية للضغط على الإدارة الأميركية للتراجع عن قرارها "الجائر".
ودعت اللجنة الوزارية المكلفة من القمة العربية- الإسلامية الاستثنائية المشتركة في شأن غزة، الإدارة الأميركية إلى التراجع عن قرارها، مؤكدة أهمية "البناء على المواقف الإيجابية للسلطة الوطنية الفلسطينية والتزامها الراسخ خيار السلام الاستراتيجي".
وشددت اللجنة على ضرورة دعم السلطة الوطنية الفلسطينية وعباس "للمضي قدماً في برنامج الحكومة الإصلاحي والالتزامات التي جدد التأكيد عليها أمام قادة الدول دعماً للسلام ومواجهة العنف والتطرف والإرهاب".
وقال عضو اللجنة التنفيذية لـ"منظمة التحرير" الفلسطينية أحمد مجدلاني إن القيادة الفلسطينية "تبذل جهوداً في اتجاهين، إما تراجع واشنطن عن قرارها والسماح بحضور عباس، أو نقل أعمال الجمعية العامة إلى المقر الثاني للأمم المتحدة في جنيف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكانت الأمم المتحدة نقلت اجتماعات جمعيتها العامة في ديسمبر (كانون الأول) عام 1988 بعد منع واشنطن الرئيس ياسر عرفات من دخول نيويورك بعد أيام على إعلانه وثيقة إعلان دولة فلسطين في الـ 15 من نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة نفسها.
وشدد مجدلاني على أن الخطوة الأميركية "لن تكسر الزخم الدولي باتجاه تجسيد دولة فلسطين على الأرض وموجة الاعترافات بها، لكنها ستسرعها".
وأشار إلى أن الخطوة الأميركية تأتي "بعد فقدانها كل أوراقها للضغط على ’منظمة التحرير‘، فلجأت إلى الدبلوماسية الخشنة المتناقضة مع اتفاق المقر".
خطة عمل
وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الـ22 من سبتمبر المقبل، من المقرر أن يعقد اجتماع ثانٍ على مستوى القادة لـ"المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية سلمياً وتنفيذ حل الدولتين".
وخلال الاجتماع الأول للمؤتمر على مستوى وزراء الخارجية في الـ31 من يوليو (تموز) الماضي، تم الاتفاق على "وضع إطار شامل وقابل للتنفيذ للتسوية السلمية لمسألة فلسطين وتنفيذ حل الدولتين".
وجاء ذلك الإطار نتيجة لعمل مجموعات العمل الثماني التي عقدت في إطار المؤتمر وتغطي الأبعاد السياسية والأمنية والإنسانية والاقتصادية والقانونية والاستراتيجية.
ويشكل ذلك وفق "إعلان نيويورك"، "خطة عمل عملية محددة زمنياً لتوجيه المشاركة الدولية والتنفيذ والتنسيق التشغيلي وجهود المتابعة نحو تنفيذ حل الدولتين والاندماج الإقليمي الكامل".
وشدد البيان على ضرورة "حشد المجتمع الدولي على مستوى القادة حول هذه الالتزامات على هامش الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة".
وأشار وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية عمر عوض الله إلى أن مؤتمر نيويورك الماضي وضع أهدافاً عملية عدة بهدف تجسيد إقامة دولة فلسطين، من بينها الاعترافات الدولية بها وحصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وفرض عقوبات على إسرائيل.
وأوضح أن الدول المشاركة في مؤتمر نيويورك ستضع آلية متعددة الأطراف لمتابعة حصول فلسطين على العضوية الكاملة، وانضمامها إلى بعض المؤسسات الدولية التي لم تنضم إليها مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
سبل دعم
ومن بين سبل الدعم وفق عوض الله، "تطوير وتأهيل الأمن الفلسطيني ودعم نشر قوات دولية في أرض دولة فلسطين، إضافة إلى دعم الاقتصاد الفلسطيني وإقامة البنية التحتية والطاقة المتجددة ومشاريع استراتيجية".
وبحسب عوض الله، فإن الخطوة الأميركية ضد الوفد الفلسطيني تأتي بسبب "حال القلق الإسرائيلي من موجة الاعترافات المرتقبة التي تقف وراءها قيادة فلسطينية تعتمد القانون والسياسة الدبلوماسية لمواجهة جرائم إسرائيل".
واعتبر المحلل السياسي جهاد حرب أن تل أبيب "تتخوف حتى من رمزية الاعتراف لأنه هذه المرة يأتي من دول وازنة مثل بريطانيا وفرنسا".
وشبّه حرب تلك الاعترافات بـ"إعلان بلفور الذي تعهدت بموجبه بريطانيا بمساعدة الحركة الصهيونية في إقامة وطن لهم في فلسطين عام 1917".
وأضاف أن واشنطن وتل أبيب تعملان على "قتل أي أمل فلسطيني في إقامة دولة فلسطين تحظى باعتراف الغالبية الساحقة من دول العالم"، مردفاً أن "الأمل يأتي من توالي الاعترافات الدولية".
وقال حرب إن الاعترافات "تفتح الباب أمام اتخاذ خطوات عملية من الدول التي تعترف بفلسطين، لذلك إسرائيل لا تتخوف من رمزية ذلك فقط، لكن من الإجراءات التطبيقية التي سترافق الاعتراف أو تعقبه حتى إن كانت بعد أعوام".
وأوضح أن تلك "الإجراءات تأتي عبر فرض عقوبات على إسرائيل وعزلها دولياً".
ويرى أن الخطوة الأميركية "تعبر عن الشراكة الإسرائيلية -الأميركية في إنكار وجود الشعب الفلسطيني، وتعتمد على أساطير بعيدة من القانون الدولي".
وأشار إلى أنه ليس أمام "منظمة التحرير" سوى "الاستمرار في الصمود والتحرك ضمن المؤسسات والمنابر والدولية، فما تطالب به واشنطن هو الاستسلام التام".