ملخص
بالنسبة إلى السواد الأعظم من الفلسطينيين، تعني سيطرة إسرائيل على عشرات المواقع الأثرية والتاريخية قرب مدنهم وقراهم، فصلهم لا محالة عن تراثهم الثقافي المحسوس ومصادرة جهدهم الذي بذلوه عبر الأعوام لضمان استمرارية هذه المواقع في الوجود.
بالتزامن مع وجود هلال زرق (11 سنة) في رحلة سياحة شيقة مع مخيمه الصيفي إلى محطة قطار المسعودية للتعرف إلى تاريخها العريق والتقاط بعض الصور التذكارية، اقتحم الجيش الإسرائيلي المكان وأجبر من فيه من فلسطينيين وأجانب على مغادرته فوراً، بزعم أن موقع "محطة برقة المسعودية" شمال الضفة الغربية التي تعد واحدة من أهم محطات خط سكة حديد الحجاز الذي أقيم في نهاية الفترة العثمانية، أصبحت بالكامل منطقة عسكرية مغلقة يمنع الدخول إليها، على رغم أن نصف مساحة المكان الذي يقع في حيّز يزيد على 26 ألف متر مربع يقع في مناطق "ب" التابعة للسلطة الفلسطينية، والنصف الآخر يخضع للسيطرة الأمنية والإدارية عبر تصنيفه في مناطق "ج".
وفي الـ10 من أغسطس (أب) الجاري، أصدرت الإدارة المدنية الإسرائيلية كراسة أوامر عسكرية موقعة من قبل رئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، تصنف 63 موقعاً في الضفة "كمواقع تاريخية وأثرية إسرائيلية"، من بينها 59 موقعاً تقع في محافظة نابلس شمال الضفة وحدها، وثلاثة مواقع في محافظة رام الله وموقع واحد في محافظة سلفيت وسط الضفة الغربية. ويرى حقوقيون وخبراء في القانون الدولي أن اعتبار أو تصنيف هذه المواقع الأثرية والتاريخية الفلسطينية على أنها إسرائيلية يمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي، ولا سيما "اتفاقية لاهاي" لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، و"اتفاقيات جنيف" التي تحظر على قوة الاحتلال تغيير الطابع التاريخي والثقافي للأراضي المحتلة أو استغلاله لأغراض سياسية وعسكرية.
وأقرت الهيئة العامة للكنيست في يوليو (تموز) عام 2024، بغالبية أصوات الائتلاف الحاكم ونواب من المعارضة وبدعم من الحكومة، مشروع قانون يقضي بسريان صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية على الآثار في جميع مناطق الضفة الغربية. وادعى عضو الكنيست من حزب "الليكود" الإسرائيلي عميت هاليفي الذي بادر إلى طرح التعديلات التشريعية حينها، أن "المناطق المستهدفة غنية بالآثار اليهودية أو آثار الشعب اليهودي"، وهي "تتعرض للتخريب والسرقة والتدمير على يد فلسطينيين". وجاء في نص اقتراح القانون الإسرائيلي كما نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن "لا جدال في أن هذه المناطق غارقة في التاريخ اليهودي، ولا توجد بحسب الادعاءات الإسرائيلية للمكتشفات والمواقع الأثرية أية علاقة تاريخية أو غيرها بالسلطة الفلسطينية". ووفقاً لوزارة السياحة والآثار الفلسطينية، فإن عدد المواقع الأثرية الرئيسة في الضفة الغربية وقطاع غزة مجتمعة هو 944 موقعاً، أما المعالم الأثرية فعددها يناهز الـ 10 آلاف معلم أثري. كما أن هناك ما يزيد على 350 نواة لمدينة وقرية تاريخية تضم فيها ما يزيد على 60 ألف مبنى تاريخي.
عشرات المواقع
وفيما اعتبر إسرائيليون ومنظمات استيطانية قرار الإدارة المدنية أخيراً إنجازاً "يحمي التراث اليهودي من العبث الفلسطيني"، أيقن الفلسطينيون أكثر أن السيطرة على موقع محطة قطار المسعودية تحديداً شمال الضفة خطوة خطرة تمهد من دون أدنى شك لبسط السيطرة الإسرائيلية قريباً على موقع "سبسطية" الأثري، خصوصاً أن السلطات الإسرائيلية بدأت فعلياً بتنفيذ مخطط استيطاني لضم موقع "سبسطية" الأثري وتهويده، عبر مشروع لإنشاء حديقة تحمل اسم "السامرة"، في خطوة يرى الفلسطينيون أنها تهدف إلى بسط السيطرة الكاملة على أهم وأضخم المواقع التاريخية بالضفة الغربية، والذي يضم المقبرة الرومانية وضريح النبي يحيى ومسجده وكاتدرائية يوحنا المعمدان وقصر الكايد وساحة البازيليكا والقصر الملكي والبرج الهيلينستي ومعبد أغسطس والمسرح وشارع الأعمدة والملعب. وبحسب وزارة السياحة الفلسطينية، تعود جذور الموقع الأثري للعصر البرونزي (نحو 3200 قبل الميلاد)، ويضم آثاراً تعود للحضارات الكنعانية والرومانية والبيزنطية والفينيقية والإسلامية. وإضافة إلى منطقتي سبسطية والمسعودية شمال الضفة، أدرجت مواقع أثرية عدة أخرى ضمن قرار الضم الأخير الذي أعلنته الإدارة المدنية مثل "خربة السرطاسة" و"خان اللبن" و"خربة صور" و"تل الراس" و"عراق الزاغ" و"خربة كمونية" وخربة "برناط" أو ما يعرف إسرائيلياً بمذبح المذبح النبي "يوشع بن نون" في أراضي بلدة عصيرة الشمالية القريبة من نابلس، والتي كان وزير الاستيطان السابق أوري أرئيل وعد المستوطنين بتسهيل الوصول إليها لتأدية طقوسهم التلمودية فيها. وتبلغ مساحة الأراضي المحيطة بموقع "برناط" الأثري 37 ألف متر مربع، يمنع أصحابها من الوصول إليها إلا في موسم قطف الزيتون ومن خلال التنسيق الأمني ولمدة لا تكفي لجني محاصيلهم الزراعية.
ضم تدريجي
السلطة الفلسطينية من جانبها طالبت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) بـ"تحمل مسؤولياتها في حماية المواقع الأثرية الفلسطينية من أخطار التهويد والضم"، مشددة ًعلى أن إعلان تصنيف 63 موقعاً في الضفة الغربية "كمواقع تاريخية وأثرية إسرائيلية"، يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واتفاقات جنيف والاتفاقات الموقعة، ضمن مخطط استعماري للسيطرة على 2400 موقع بقوة الاحتلال في عموم الضفة الغربية، بما يعمق الضم التدريجي للضفة وتغيير معالمها وهويتها وفرض معالم جديدة على واقعها الجغرافي والسكاني. وأكد بيان وزارة الخارجية الفلسطينية أن "غالبية المواقع الأثرية المعلنة تقع في قلب المدن والبلدات الفلسطينية، وأن تلك المخططات الإسرائيلية المتلاحقة تهدف إلى تحطيم فرصة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأرض وتهويد تلك المواقع وطمس هويتها". وبحسب ورقة بحثية حديثة لمعهد الأبحاث التطبيقية في القدس (أريج)، فإن استهداف السلطات الإسرائيلية للمواقع الأثرية الفلسطينية في الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات إدارية أو قانونية شكلية، بل هو جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى مصادرة التراث الفلسطيني وإعادة تشكيل الهوية التراثية الفلسطينية بما يخدم الرواية الإسرائيلية، خصوصاً أن غالبية المواقع المستهدفة تقع قرب بؤر استيطانية ومستوطنات إسرائيلية أو مواقع استيطانية. وأكد المعهد أن إسرائيل تستخدم المراسيم العسكرية لتبرير السيطرة عليها وتقنين مصادرتها. وبيّنت الأرقام الفلسطينية أن السلطات الإسرائيلية تصنف ما يزيد على 2400 موقع أثري فلسطيني في الضفة على أنها "مواقع أثرية إسرائيلية"، وتعلن أنها مناطق تجب حمايتها وصيانتها بذريعة الحفاظ على التراث، فيما تقوم لاحقاً بتحويلها لاستخدام المستوطنات والبؤر الاستيطانية والمواقع العسكرية والمواقع السياحية والترفيهية التي تقتصر الاستفادة منها على السياح والمستوطنين الإسرائيليين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تلاعب بالقانون
عقب سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية عام 1967، أنيطت صلاحيات الآثار بالحاكم العسكري الإسرائيلي، وجرى الإبقاء على قانون الآثار الأردني رقم "51" لعام 1966 في الضفة الغربية وأنظمة الآثار القديمة الفلسطينية لعام 1929 في غزة، إلى أن أسست إدارة الآثار الإسرائيلية التي يترأسها ضابط الآثار الذي يتبع الحاكم العسكري الإسرائيلي والإدارة المدنية الذي أدخل بدوره عدداً من التعديلات على القانون الأردني بموجب سلسلة أوامر عسكرية إسرائيلية، كتحويل صلاحيات مدير الآثار في القانون الأردني إلى الحاكم العسكري الإسرائيلي، وأيضاً تعطيل العمل ببعض بنود القانون الأردني السائد، وعام 1986 وبموجب الأمرين العسكريين رقم "1166" و"1167" أدخلت السلطات الإسرائيلية تعديلات واسعة على قانون الآثار الأردني، طاولت قضايا الترخيص والاتجار بالآثار الفلسطينية، كما منحت ضابط الآثار الإسرائيلي سلطات قانونية شبه مطلقة في الأراضي الفلسطينية أحكم من خلالها قبضته على الموارد الأثرية الفلسطينية وسيطر عليها ووظفها ضمن المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية. ونتيجة تحريض ممنهج وتوصيات رؤساء مجالس المستوطنات والمنظمات الدينية المتطرفة، مارس "منتدى مجلس مستوطنة شيلو" (Shiloh forum) وحركة "رغفيم" (Regavim) الاستيطانية بالتعاون مع "مركز المحافظة على التراث الإسرائيلي" حملات تحريض مكثفة ضد الفلسطينيين وكتابة توصيات تعتبر بمثابة الأرضية التأسيسية لقوانين الآثار والأوامر العسكرية التي تساعد الحكومة الإسرائيلية في ضم عشرات المواقع التراثية والتاريخية. ويدعي باحثون من تلك المؤسسات الاستيطانية أنهم قاموا في الفترة الممتدة من أغسطس (آب) 2019 حتى مارس (آذار) 2020 بمراجعة شاملة لجميع مجالات النشاط الفلسطيني عبر الصور الجوية والتوثيق الميداني وعبر الدوريات والطائرات من دون طيار، وتوصلوا إلى أن 289 موقعاً من أصل 365 موقعاً شملها المسح والعمل الميداني الإسرائيلي، تعاني أضراراً جسيمة (متوسطة وشديدة)، 24 موقعاً منها تقع ضمن المنطقة "أ" و67 موقعاً في المنطقة "ب" و198 موقعاً في المنطقة "ج".
تهميش السلطة
ووفقاً لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، يأتي القرار الأخير بضم عشرات المواقع الأثرية في ظل خطوات اتخذها المجلس الوزاري السياسي الأمني الإسرائيلي المصغر (الكابينت)، كإجراءات عقابية ضد السلطة الفلسطينية والاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية، وتجريدها من صلاحياتها حول الآثار الموجودة بأراضيها بمناطق "ب"، بالتالي منعهم من إنفاذ القانون في تلك المواقع ومنع أي ترميم أو بناء فيها، بل هدمها. وأكدت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية على ذلك، حين قالت خلال مناسبات عدة إنها تواجه "قيوداً إسرائيلية صارمة" تمنعها من القيام بأبسط أعمال الصيانة أو الترميم في المواقع الأثرية الواقعة ضمن المناطق المصنفة "ب" و"ج" ومن بينها "سبسطية"، حيث "أوقف الجيش الإسرائيلي أخيراً، موظفي الوزارة لساعات خلال تنفيذ أعمال تنقيب إنقاذي، وصادروا أدواتهم وسرقوا تابوتاً حجرياً من الموقع". وفي حالات أخرى، جرت عرقلة عمليات تنظيف الأعشاب أو تثبيت لوحات تعريفية بالمعالم الأثرية، بل أزيلت اللافتات التي تحمل أسماء المواقع. واعتبر مدير عام المتاحف والتنقيبات في وزارة السياحة الفلسطينية جهاد ياسين أن "القرار الأخير يندرج تحت سلسلة إجراءات ممنهجة للسيطرة على التراث الفلسطيني في الضفة الغربية"، رافضاً الاتهامات الإسرائيلية للفلسطينيين بالإهمال والعبث وتخريب الآثار. وأشار إلى أن نحو 60 في المئة من المواقع الأثرية الفلسطينية تصنف ضمن مناطق "ج" التي تسيطر عليها إسرائيل وتمنع الفلسطينيين الاقتراب منها للصيانة أو الترميم. وبحسب ياسين "فإن الاستيلاء على المواقع الأثرية في الضفة عبر الأوامر العسكرية بحجة حمايتها لا تهدف إلا للسيطرة عليها وضمها". من جانبه أكد مدير عام التوثيق والنشر في هيئة شؤون مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود أن الأوامر العسكرية لا تقتصر على الموقع الأثري وحسب، بل "تمتد إلى تقييد استخدام الأرض من قبل الفلسطينيين سواء للبناء أو الزراعة أو إقامة أي تغيير فيها باعتبارها مواقع أثرية إسرائيلية"، محذراً من أن أهدافاً استيطانية "تطمح لهدم تلك المواقع وإقامة المستوطنات على أنقاضها وقربها".
هوية ثقافية
وذكر تقرير مؤسستَي "عميق شبيه" و"يش دين" الحقوقيتين الإسرائيليتين أن أعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية في تسليم المواقع الأثرية إلى مجالس المستوطنات، يتم تحت ذريعة الحفريات الأثرية والمحافظة على المواقع وتطويرها. وبحسب ما رصده التقرير من معلومات مؤكدة وموثقة، فإن إسرائيل ضمت عدداً كبيراً من المواقع الأثرية إلى المستوطنات، كخربة سيلون "تل شيلو" وسوسيا وخربة المزرعة "تل عمونة" وغيرها. ويرى باحثون أن حظر دخول الفلسطينيين إلى هذه المواقع بعد مصادرة الأراضي المحيطة بها يعني فصل الفلسطينيين في الضفة الغربية عن الاتصال المباشر بالمواقع التاريخية والتراثية التي تشكل جزءاً من هويتهم الثقافية. وإضافة إلى ذلك، وثقت مؤسسة "نساء ضد الاحتلال ومن أجل حقوق الإنسان" كيف تعمل إسرائيل وجمعيات استيطانية من أجل الاستحواذ على40 مقاماً من المقامات الدينية لفصل الفلسطينيين عن تراثهم الثقافي الديني. وبحسب المؤسسة "تضم إسرائيل المقام والأرض المحيطة به أولاً إما بأمر عسكري وتحويل المنطقة إلى منطقة عسكرية مغلقة لاحقاً، أو عبر سلطة حماية الطبيعة لينطبق عليها قانون حماية الطبيعة وليس قانون الأديان".
وبالنسبة إلى السواد الأعظم من الفلسطينيين، فإن سيطرة إسرائيل على عشرات المواقع الأثرية والتاريخية قرب مدنهم وقراهم تعني فصلهم لا محالة عن تراثهم الثقافي المحسوس ومصادرة جهدهم الذي بذلوه عبر الأعوام لضمان استمرارية هذه المواقع في الوجود. واعتبر مؤرخون أن تطبيق قانون الآثار الإسرائيلي على هذا العدد الهائل من المواقع الأثرية والطبيعية في الضفة الغربية يشكل إحدى الأدوات الأساسية التي ترتكز عليها إسرائيل لبسط السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وانتزاع حق الفلسطينيين في أراضيهم الزراعية المحيطة بتلك المواقع، إذ إن منع أهالي الضفة من الوصول إلى هذه المواقع الأثرية والتاريخية التي كانوا يزورونها باستمرار، سيؤدي إلى هجرها ونسيانها عبر الأجيال.