Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة نصوص شكسبير العجيبة من الخشبة إلى المطبعة

بعد سنوات من التشتت والضياع استقر 35 نصاً بين دفات الكتب كجزء من تراث عريق

لوحة مستوحاة من مسرحية شكسبير "هاملت" (غيتي)

ملخص

تمكن الممثلان الشكسبيريان السابقان جون هيمنغز وهنري كوديل من الاحتفاظ بالعدد الأكبر من النصوص الشكسبيرية بخط يده، كما مكنتهما علاقتهما بزملائهما السابقين من تجميع 35 نصاً تبين لهما بعد تمحيص أنها تشكل المتن المسرحي الشكسبيري، الذي يعرفانه معرفة يقينية

في البداية لا بد من التأكيد على أن ما لا يقل عن ثلاثة قرون من البحث والتنقيب لم تسفر عن تأكيد أي من الشكوك التي ساورت الباحثين، وبخاصة منهم أهل المسرح والأدب، في صدد مسألتين أساسيتين تتعلقان معاً بشكسبير، أولهما أن هذا الأخير لم يوجد أبداً إلا بصفته ممثلاً، وإن وجد فإن ليس بالإمكان أن يكون هو مؤلف كل تلك المسرحيات العظيمة التي أضافت كثيراً إلى الوجود والتراث الإنسانيين، وثانيهما أن ثمة مسرحيات أخرى لصاحب "هاملت" و"روميو وجولييت" و"ماكبث" لا تزال ضائعة، وسيتم العثور عليها يوماً.

ونعرف طبعاً أن كلاً من هاتين الفرضيتين قد شغل مئات الباحثين على مدى الأزمنة التي مرت منذ رحيل شاعر الإنجليز الأعظم، وكان آخرها قد تجلى، ولو جزئياً، في عد من أفلام سينمائية راحت تبدع في ابتكار فرضيات وما يدور من حول الفرضيات.

في اختصار، حتى اليوم وربما لأزمنة طويلة مقبلة، قد يكون علينا أن نكتفي من شكسبير بما نعرف، وهو كثير بل هائل على أية حال، لننتقل بصورة مكثفة إلى داخل النصوص الشكسبيرية التي نعرفها لنستخلص مزيداً مما اقترحه أواسط القرن الـ20، واحداً من أعظم الباحثين في المتن الشكسبيري، البولندي يان كوت في كتابه الذي قد يبدو أن أقوى ما فيه عنوانه "شكسبير معاصرنا".

وربما يكون أروع ما في الأمر أن الكاتب المسرحي الأعظم في تاريخ البشرية قد لا نكون في حاجة كي ندرسه ونجله، إلى مشاهدة أعماله تلعب على الخشبة أو على الشاشات أو حتى في لوحات الفنانين التشكيليين، أو القطع الموسيقية لأعظم الملحنين.

يكفينا أن نقرأها مطبوعة بين دفات الكتب، حيث توجد بوفرة متاحة في عشرات الترجمات ومصحوبة بألوف التفسيرات.

سنوات ما بعد الرحيل

وهنا قد يكون من الضروري طرح سؤال لا بد منه وهو بالتحديد: متى وكيف انتقل المتن الشكسبيري من الخشبة إلى المطبعة؟ كيف ومتى صارت مسرحيات الكاتب الكبير تراجع في بطون الكتب؟

والحقيقة أننا قبل الوصول إلى إجابات موثقة وتاريخية حول هذه الأسئلة التي قد تبدو لنا بدهية وسهلة الإجابة، سيكون من الضروري التذكير بأن النصوص المسرحية في الزمن الإليزابيثي الذي كان أيضاً زمناً شكسبيريا بامتياز وزمن نهضة مسرحية لندنية كبيرة - سبقها وتلاها فترات من جمود للحراك المسرحي نتجت عن استشراء الأوبئة كالطاعون الذي غزا العاصمة الإنجليزية غزواً جمد الناس في بيوتهم، كما عن الرقابات السياسية المتفاقمة -، النصوص المسرحية ما كان يتم الاحتفاظ بها، وبخاصة لأن الفرق والممثلين والعروض نفسها كانت هي صاحبة الأهمية القصوى، فيما كانت النصوص تعتبر مجرد ذرائع لتقديم العروض واستعراض المؤدين مهاراتهم أو حتى عبقرياتهم، بل حتى تعدم أو تخفى، كي لا تستخدم كأدلة ضد مؤلفيها إن تبدلت مزاجات الرقابة وما إلى ذلك.

ولئن كان ذلك "الحيف" قد طاول مئات النصوص التي اختفت وبقيت ذكراها دونها شاهدة على كونها قد "مرت يوماً من هنا"، فإن ذلك المصير كان من شأنه أن يطاول المتن الشكسبيري لولا أن ممثلين سابقين كانا يعملان مع شكسبير نفسه كعضوين في فرقته هما جون هيمنغز وهنري كوديل كانا هناك بدورهما وعاشا سنوات طويلة بعد رحيل معلمهما العظيم في عام 1616، فما الذي فعله هذان؟

واستقر العدد على 35 مسرحية

بكل بساطة تمكن الممثلان السابقان اللذان جعلتهما الصدفة يحتفظان متكاملين بالعدد الأكبر من النصوص الشكسبيرية بخط يده، كما مكنتهما علاقتهما بزملائهما السابقين من تجميع 35 نصاً تبين لهما بعد تمحيص أنها تشكل المتن المسرحي الشكسبيري، الذي يعرفانه معرفة يقينية.

وهكذا جمعاً النصوص في عمل استغرق منهما سنوات عديدة وتمكنا في عام 1623 من إقناع مجموعة من أربعة أصحاب المكتبات والمطابع بإصدار ذلك المتن مجموعا للمرة الأولى في مجلد ضخم وكبير الحجم من ناحية مقاس صفحاته.

كما جرى في ذلك العام، السابع على رحيل "أكبر كاتب مسرحي عرفته البشرية"، أول تطويب لشكسبير كمؤلف لمتن مسرحي خارج إطار التقديم المسرحي الطبيعي لأعماله. وبالتالي ولد المتن الشكسبيري على الورق بعد نحو ثلث قرن من ولاداته المتدرجة على الخشبات في مسرح "الغلوب" كما في غيره، وضمن إطار نشاطات فرقة اللورد تشامبرلين وغيرها.

بكلمات أخرى، ولدت الشكسبيرية الأدبية بعد ذلك، مئات المرات وفي عشرات اللغات وغالبا بترجمات سيقوم بها كبار الكبار في الحيوات الأدبية للبلدان التي انتقل إلى لغاتها المتن الشكسبيري.

وحسبنا هنا أن نذكر كيف أن فيكتور هوغو سيكون من بين مترجمي نصوص شكسبير إلى الفرنسية، كما سيكون خليل مطران، من مترجميه الرئيسيين إلى لغة الضاد يحذو حذوه في ذلك أيضاً جبرا إبراهيم جبرا. ما يعطينا فكرة مميزة عن مستوى الإهتمام المميز بالنصوص الشكسبيرية، حتى بعيداً من حضورها على الخشبة، بيد أن هذا لن يكون كل شيء.

تصنيفات لافتة

فالواقع أن هيمينغز وكوديل لم يكتفيا حين توليا الإشراف على إصدار الطبعة الأولى للنصوص الشكسبيرية، بتجميعها ونشرها بعد تنقيحها، بل إنهما أديا خدمة هائلة للمتن الشكبيري إذ كانا في السياق نفسه المسؤولين الأولين عن تصنيف لا يزال معمولاً به في كل المطبوعات التي تطاول المتن الشكبيري بل حتى في مجمل الدراسات البحثية والنقدية والجامعية في هذا السياق.

فهما كانا أول من تولى توزيع المسرحيات الـ 35 إلى مسرحيات موزعة على ثلاث فئات أولها "هزلية" - حتى وإن كنا نعرف اليوم أن هزليتها أو هزلية بعضها لن تكون مطلقة -. فالممثلان السابقان يذكرا تحت هذا التصنيف 14 مسرحية بكونها كوميدية/ وغالباً بالمعنى الأرسطي غير الدقيق للكلمة: "العاصفة" و"السيدان من فيرونا"، "سيدات وندسور المرحات"، "العين بالعين"، "كوميديا الأخطاء"، "كثير من الجعجعة بلا طائل"، "خاب سعي العشاق"، "حلم ليلة صيف"، "تاجر البندقية"، "كما يعجبك"، "ترويض الشرسة"، "إنما الأمور بخواتيمها"، "ليلة الملوك" وأخيراً "حكاية الشتاء".

والحقيقة أن تصنيفا حديثاً كان في مقدوره أن يتحدث هنا عن نوع من "اختلاط الأصناف" تتوزع إليه هذه الكوميديات بدلاً في حصرها تحت عنوان واحد، وذلك بالطبع على عكس ما يطاول المسرحيات المنتمية إلى التصنيف الثاني المعنون "مسرحيات التاريخ البريطاني" فهنا لا يغيب عن الانتباه أن المسرحيات الـ10 التي ترد حت هذا المسمى، تنتمي حقاً وعملياً إلى فرع يستحق هذا الوسم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تاريخ جريء

فالحقيقة أن المسرحيات الـ10 هذه تتحدث حقاً وغالباً بجرأة تبدو لنا اليوم مدهشة، عن فصول بالغة القوة من تاريخ، صحيح أن ما يبرره كونه يعود إلى ماض يبتعد عشرات السنين عن الزمن الذي عاش شكسبير وكتب خلاله، لكن ثمة من بين فصوله ما كان يمكن أن يمس حتى عهد الملكة اليزابيث الذي عاش المسرحي الكبير في ظلاله.

لقد أسال هذا الواقع الغريب حبراً كثيراً وطرح أسئلة أكثر، لكن انتظار الإجابات لم ينته. وربما في انتظاره سنكتفي بذكر المسرحيات التاريخية البريطانية كما أوردها مصنفا الكتاب الشكسبيري الأول: "الملك جان"، و"ريتشارد الثاني"، ثم "هنري الرابع" (في مسرحيتين متتاليتين) ومن بعده "هنري الخامس" فـ"هنري السادس" في ثلاث مسرحيات، قبل أن يحل دور "ريتشارد الثالث" في مسرحية يعتبرها كثر من روائع شكسبير على الإطلاق، لتتلوها "هنري الثامن" في أحداث ربما تكون الأقرب تاريخياً إلى الزمن الشكسبيري.

ويتبقي لدينا 11 مسرحية هي التي ينظر إلى معظمها بوصفها أعظم المسرحيات الشكسبيرية إطلاقاً، كما إلى بعضها بوصفها أعظم ما عرفه الفن المسرحي في الأزمان كافة. وتصنف كتراجيديات على أية حال. وحسبنا هنا أن نذكر عناوينها تباعاً حتى ندرك صحة هذه النظرة. فما لدينا هنا، تباعاً، ليس أقل من "كورليانوس" و"تيتوس اندرينيكوس" و"روميو وجولييت" و"يوليوس قيصر" و"ماكبث" وبالطبع متبوعة بـ"هاملت" فـ"الملك لير" و"أوتيلو" (المعروفة عربياً بـ"عطيل" إن لم يكن بـ"عطا الله" !!) و"أنطونيو وكليوباترا" وأخيراً "سمبالين".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة