Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

‎عقارب "الساعة النووية" تتسارع... ماذا لو دقت؟

كارثة محتملة تعيدنا إلى التاريخ عبر تجارب مريرة كلفت البشرية كثيراً

مواد شديدة الانفجار من آخر قنبلة نووية من طراز B53 أثناء التخلص منها في مصنع بانتكس في أماريلو، تكساس، 25 أكتوبر 2011 (أ ف ب)

ملخص

مع تصاعد التحذيرات من انزلاق المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى سباق تسلح نووي جديد، يعود شبح الكوارث النووية ليخيم على المشهد العالمي، أي ضربة متهورة قد تفتح الباب أمام كارثة عابرة للأجيال... في زمن تتهاوى فيه معاهدات الردع، هل نتعلم من دروس الماضي؟

بينما يقف العالم اليوم على حافة مواجهة نووية محتملة بين إسرائيل وإيران، تعود إلى الواجهة تحذيرات كبار القادة العسكريين الأميركيين الذين كثيراً ما شددوا على أن أي هجوم عسكري ضد منشآت إيران النووية قد يطلق سباق تسلح نووي خطر في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام كارثة عابرة للأجيال، فالرهان على "الضربة الوقائية" ليس جديداً.

عام 2012 حذر وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس من أن شن هجوم عسكري على إيران "سيجعل من إيران نووية حتماً، كل ما في الأمر أنهم سيدفنون برنامجهم أعمق ويجعلونه أكثر سرية"، وأضاف "نعم، يمكننا إلحاق أضرار بالمنشآت النووية، لكن ماذا بعد؟ النتائج قد تكون كارثية، وستطاردنا لأجيال في تلك المنطقة من العالم".

تحذير غيتس لم يكن معزولاً، عبر عقود، ظل الإجماع شبه الكامل في الأوساط العسكرية والاستخباراتية الأميركية هو أن الذهاب إلى حرب مع إيران سيكون خطوة مدمرة، ليس فقط بسبب أخطار الحرب التقليدية، بل لأن الأخطار النووية تتجاوز إيران نفسها.

بحسب مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق مايكل هايدن، فإن توجيه ضربة عسكرية إلى المنشآت النووية الإيرانية "سيجعل منع إيران من التحول إلى دولة نووية في المستقبل أكثر صعوبة".

التصعيد النووي... تداعيات اقتصادية وسياسية وعسكرية

بدوره تساءل قائد القيادة المركزية السابق، الجنرال أنتوني زيني "ماذا بعد إسقاط تلك القنابل على المنشآت المحصنة؟"، الإجابة المرعبة تكمن في التداعيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية العالمية التي قد تنجم عن التصعيد النووي.

في أسوأ السيناريوهات، قد تدفع الضربات إلى تسريع مساعي طهران إلى إنتاج قنبلة نووية في غضون أسابيع، وربما استخدام أجهزة بدائية كتلك التي دمرت هيروشيما قبل 80 عاماً، كما قد تغلق إيران مضيق "هرمز"، وتوقف خُمس إمدادات النفط العالمية، وتضرب القوات الأميركية في المنطقة، أو تشن هجمات إرهابية على مصالح أميركية في أنحاء العالم.

الأخطر أن في هذه المواجهة ثلاث قوى كبرى، منها اثنتان (الولايات المتحدة وإسرائيل) نوويتان. ماذا لو أطلقت إيران صواريخها على تل أبيب وقتلت المئات؟ هل سترد إسرائيل بصواريخها النووية؟ وماذا لو أغرقت طهران واحدة من حاملات الطائرات الأميركية الثلاث المتوجهة إلى المنطقة؟ هل سيتجاوز الرئيس الأميركي حينها "الخط النووي الأحمر؟".

مخاوف من مضاعفة أخطار الانتشار النووي

لقد أمضى العالم 80 عاماً من دون استخدام سلاح نووي في معركة فعلية. هذه الحرب قد تنهي تلك الحقبة، وحتى لو نجحت الضربات في تدمير أجهزة الطرد المركزي ومخزون اليورانيوم الإيراني، فإن أخطار الانتشار النووي ستتضاعف: دول كثيرة في أوروبا وآسيا قد ترى أن السبيل الوحيد لضمان بقائها هو امتلاك قنبلتها النووية الخاصة، مما يهدد بانهيار معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية التي صمدت نصف قرن.

أما اليوم، ومع تفكك النظام العالمي للرقابة النووية، واقتراب انتهاء آخر معاهدة دولية تحد من التسلح النووي (معاهدة "نيو ستارت")، ومع وجود ثلاثة قادة مضطربين وغير شعبيين على طرفي الأزمة، يبدو العالم كأنه ينزلق نحو هاوية "فوضى نووية" تشبه ما حدث في خمسينيات القرن الماضي. العالم اليوم يخوض لعبة نووية محفوفة بالأخطار والنتيجة قد تكون وخيمة على الجميع.

من هنا، يصبح من الضروري استرجاع دروس كوارث المفاعلات النووية الكبرى، من تشيرنوبيل إلى فوكوشيما. فما شهده العالم في تلك الحوادث المروعة كاف لتذكيرنا أن أي انزلاق نووي، سواء في زمن السلم أو في أتون حرب مشتعلة، قد يحكم على البشرية بجروح يصعب التئامها.

"فوكوشيما"... عودة شبح تشيرنوبيل

في الـ11 من مارس (آذار) 2011، ضرب اليابان زلزال عنيف بلغت قوته تسع درجات على مقياس ريختر، أعقبته موجات تسونامي عاتية. النتيجة كانت انهياراً جزئياً في محطة "فوكوشيما دايتشي" للطاقة النووية بعد يومين من الكارثة، في حادثة وصفت بأنها الأسوأ منذ كارثة تشيرنوبيل عام 1986، وعلى رغم محاولات احتواء التداعيات، فلا تزال آثار الحادثة البيئية والصحية قائمة حتى اليوم، وتكلفة تفكيك المفاعل وتطهير الموقع قد تمتد عقوداً مقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن فوكوشيما لم تكن إلا حلقة في سلسلة طويلة من الكوارث النووية، ففي أبريل (نيسان) 1986، دوى انفجار هائل في أحد مفاعلات تشيرنوبيل في أوكرانيا، مما أدى إلى انبعاث سحابة إشعاعية قدرت بنحو 400 ضعف قوة قنبلة هيروشيما. هذه الغيمة السامة اجتاحت أوروبا الشرقية والشمالية، تاركة وراءها آلاف الإصابات بسرطان الغدة الدرقية والأمراض المرتبطة بالإشعاع، في حين تشير بعض التقديرات إلى تعرض أكثر من مليون شخص لمستويات خطرة من التلوث.

خطأ بشري ياباني وصدمة أميركية

لا يقل خطأ توكايمورا في اليابان عام 1999 بشاعة، حين أقدم عمال مصنع يورانيوم على استخدام كمية من المادة المشعة تزيد سبعة أضعاف الحد المسموح به، مما أدى إلى تفاعل نووي خطر أسفر عن وفاة اثنين من العمال وإصابة العشرات.

أما الولايات المتحدة، فقد شهدت عام 1979 كارثة "ثري مايل آيلاند" في ولاية بنسلفانيا، حيث أدى فشل منظومة التبريد إلى انهيار جزئي في المفاعل، مما أحدث صدمة في الرأي العام الأميركي وأوقف مشاريع بناء محطات نووية جديدة أعواماً.

في البرازيل، وقعت حادثة لا تقل غرابة عام 1987 بمدينة غويانيا، حين عثر عمال خردة على وحدة إشعاعية قديمة، وفتحوها ونقلوها، مما أدى إلى تعرض 245 شخصاً للإشعاع ووفاة أربعة منهم، في واحدة من أسوأ حالات التلوث الإشعاعي غير المتعمد في التاريخ.

شجاعة قاتلة وكارثة منسية

أما السوفيات فكان لهم نصيبهم من الكوارث، ففي عام 1961 واجهت الغواصة النووية "كي-19" تسرباً إشعاعياً قاتلاً في المحيط الأطلسي. وببطولة مأسوية، اضطر الطاقم إلى التسلل إلى المفاعل لإصلاح التسرب يدوياً، مما أسفر عن وفاة ثمانية منهم خلال أسابيع، ووفاة آخرين في الأعوام اللاحقة.

في محطة "ماياك" قرب كيشتيم عام 1957 أدى انفجار وحدة تخزين إلى تلوث بيئي هائل امتد على مساحة 500 كيلومتر مربع، وسط تعتيم سوفياتي دام حتى 1990.

في بريطانيا لم يكن الوضع أفضل بكثير، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 1957، أدى حريق في مفاعل "ويندسكيل" إلى تسرب كميات كبيرة من الإشعاع، مما نتج منه مئات الإصابات بالسرطان في محيط الموقع.

الانفجار الوحيد المميت في أميركا

في الولايات المتحدة أيضاً، وقعت حادثة فريدة من نوعها بمفاعل SL-1 في أيداهو (1961)، حيث أدى انفجار بسبب خطأ في التعامل مع قضيب تحكم إلى مقتل ثلاثة عمال، في الواقعة الوحيدة المميتة في تاريخ المفاعلات النووية الأميركية.

ولم تسلم القاذفات الجوية من أخطار الذرة، ففي يناير (كانون الثاني) 1968، تحطمت قاذفة B-52 أميركية كانت تحمل أربع قنابل هيدروجينية قرب قاعدة "ثول" في غرينلاند، مما أدى إلى تلوث إشعاعي واسع النطاق وسرع إنهاء برنامج الطلعات النووية المستمرة في تلك الحقبة.

في تشيكوسلوفاكيا، تسبب خطأ بشري في مفاعل "بوهونيتسه" عام 1977 بتسرب إشعاعي خطر، بقي طي الكتمان حتى إغلاق المحطة.

أما صحراء نيفادا الأميركية فقد شهدت عام 1970 حادثة "يوكا فلات"، حيث أدى اختبار نووي تحت الأرض إلى تلوث إشعاعي طاول ولايات عدة ووصل إلى المحيط الأطلسي.

دروس لم تستوعب بعد؟

تؤكد هذه الوقائع جميعها أن الرهان على الطاقة النووية، على رغم إمكاناتها في توليد الكهرباء وتقليل الانبعاثات الكربونية، يبقى محفوفاً بالأخطار، فالكارثة قد تنفجر بسبب خطأ بشري بسيط أو تقصير في الصيانة أو حتى كوارث طبيعية غير متوقعة. والأخطر أن تداعياتها لا تتوقف عند حدود الدولة التي تقع فيها، بل تمتد إلى الإقليم وربما إلى العالم.

اليوم، مع عودة الجدل الدولي حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وتصاعد التوتر في منطقة الشرق الأوسط، لا بد من استحضار دروس "تشيرنوبيل" و"فوكوشيما"، وتذكر أن عالم الذرة لا يغفر الأخطاء، فالرهان على "النووي الآمن" يبقى، في النهاية، مجازفة تتطلب شفافية قصوى، وإجراءات أمان صارمة، وضميراً سياسياً لا يضع الأوطان على شفير الكارثة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير