Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في الخرطوم: دعوات متزايدة للعودة تصطدم بواقع صعب

رقم كبير من السودانيين يحتاج إلى توفير خدمات مهمة في العاصمة ومن دونها تكون الحياة صعبة جداً

أعضاء الهلال الأحمر يحملون كيساً للجثث في الخرطوم خلال عملية استخراج رفات من موقع دفن طارئ داخل مدرسة (أ ف ب)

 

ملخص

الصرف الصحي مسألة مهمة في وسط الخرطوم وبعض المناطق الحيوية التي تضم المؤسسات السيادية والقطاعين الاقتصادي والتجاري، حيث تعرض هذا المرفق الحيوي إلى الدمار تماماً ويحتاج إلى تمويل كبير لا يقل عن 30 مليون دولار.

أحدثت دعوة الحكومة السودانية عقب عودتها إلى الخرطوم، سكان مدن العاصمة الثلاثة الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري الذين غادروها بسبب الحرب إلى داخل البلاد وخارجها إلى العودة إليها مجدداً، جدلاً كبيراً في مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض، فالمؤيدون يرون أن هناك جهوداً مضنية تبذل لإصلاح ما دمرته الحرب، وأنه لا بد من مساهمة المواطن في عمليات التأهيل وسد الثغرات الأمنية، فيما يعتقد المعارضون أن الوضع لا يزال كارثياً سواء من ناحية نقص الخدمات الأساسية، بخاصة الكهرباء والمياه وتفشي الأمراض والفلتات الأمنية، مما يتطلب التأني في اتخاذ قرار العودة.

وغادرت الحكومة السودانية العاصمة الخرطوم منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) عام 2023 إلى مدينة بورتسودان شرق البلاد كعاصمة موقتة.

خريطة طريق

وقال المتخصص في الشؤون البيئية بشرى حامد أحمد، "في حال العودة الطوعية لسكان الخرطوم يصبح عددهم بين 8 و10 ملايين مواطن، وهذا رقم كبير للغاية يحتاج إلى توفير خدمات مهمة من دونها تكون الحياة صعبة للغاية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية العودة لأنه من دونها لن تعود الروح والحياة إلى العاصمة".

وأضاف، "هناك تجارب كثيرة مماثلة في التاريخ مثل تجربة برلين وخلافها التي حدث فيها دمار وتحطيم خلال الحروب المختلفة، لكن الوضع في الخرطوم صعب جداً ويحتاج إلى مجهود كبير، وفي تقديري أن من المشاكل الكبيرة التي تواجه سكانها ضعف التمويل الاتحادي على رغم أن السلطات المختصة في العاصمة انتهجت مساراً صحيحاً بإعدادها خطة عشرية استراتيجية ممتازة، لكن تنفيذ هذه الخطة مهم للغاية إذا وجدت التمويل المحلي والدولي وهو الحلقة الأضعف للمساعدة في نهضة الخرطوم وتأهيلها من جديد".

 

وأردف أحمد "ولاية الخرطوم حالياً لا تملك موارد لتسيير شؤونها، ناهيك عن قيامها بأعمال إعادة تأهيل، فمثلاً الخدمات الصحية لا تكفي في حال عودة كل المواطنين، كذلك هناك مشكلة في ناحية المدارس بمراحلها المختلفة، فجزء كبير منها تعرض للدمار والنهب، بينما نجد خدمات المياه والكهرباء لحد ما جيدة إذ بذلت الولاية جهوداً جبارة لإعادة تأهيلها".

وأشار إلى أن "الشيء المهم أن غالبية مواطني الخرطوم يعتمدون على العمل الحر والقطاع الخاص بخاصة المصانع، وهو شبه متوقف تماماً الآن، فلا بد من إعادة تأهيل القطاع الصناعي بأسرع وقت ممكن، فضلاً عن إحياء الأنشطة الاقتصادية والخدمية التي تعد مصدر عمل لأعداد كبيرة من المواطنين، فضلاً عن انتعاش الأسواق بشكل عام".

وواصل، "كل ذلك يحتاج إلى استراتيجية تتبناها الحكومة المركزية للنهوض بولاية الخرطوم لحجم الدمار البالغ الذي تعرضت له، وأعتقد أن الرأسمالية وأصحاب المنشآت هم رأس الرمح في عودة الناس، وهذا تحد كبير فلا بد من خطة مرحلة تضمن العودة الطوعية لسكان هذه العاصمة بصورة انسيابية خلال مدة زمنية محددة".

وبيّن أحمد أن "المسألة المهمة هي الصرف الصحي في وسط الخرطوم وفي بعض المناطق الحيوية التي تضم المؤسسات السيادية والقطاعين الاقتصادي والتجاري، حيث تعرض هذا المرفق الحيوي (الصرف الصحي) إلى الدمار تماماً، ويحتاج إلى تمويل كبير لا يقل عن 30 مليون دولار".

ولفت إلى أن "مسألة العودة كشعار من غير أن تكون هناك خريطة طريق واضحة المعالم وتنفيذ صارم لمعالجة كل ما حدث من دمار ونهب لا معنى لها، كما يجب أن تكون العودة مصحوبة بخطة أمنية محكمة، وإخراج كل الحركات المسلحة، ومظاهر السلاح والتسليح من العاصمة على أن تبقى الشرطة فقط، وعلى مواطن الخرطوم أن يفهم أن الوضع ليس كما هو قبل الحرب إنما هو وضع يتطلب بعض المحاذير والتعاون مع الجهات الأمنية المختلفة لاستتباب الأمن، إذ إن الحس الأمني المجتمعي مهم للغاية في هذه المرحلة التي بات واضحاً أن جزءاً كبيراً من الخلل الأمني كان وسطنا".

وطالب المتخصص في الشؤون البيئية بضرورة الاهتمام بالجانب البيئي سواء مسألة النظافة والنفايات أو الصحة العامة، إلى جانب إعادة التشجير لأن العاصمة فقدت أعداداً كبيرة من الأشجار خلال فترة الحرب، إضافة إلى توفير الخدمات اللازمة مع الأخذ في الاعتبار معرفة حجم السكان العائدين للخرطوم لمعرفة مدى الجاهزية أم إن الأمر يحتاج بعض الوقت".

تبييض الصورة

في السياق، أوضحت المتخصصة في الأمراض الوبائية وعضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان أديبة إبراهيم السيد أنه "من المعلوم أن الوضع في البلاد منذ بداية الحرب أصبح كارثياً ومتفاقماً، خصوصاً المدن التي عانت من ويلات الحرب والتدمير للمرافق الحيوية وعلى رأسها مدن العاصمة الثلاثة الخرطوم وأم درمان وبحري، فالبنية التحتية للعاصمة أصابها الدمار الشامل؛ حيث انتشرت النفايات المتراكمة، والجثث المتناثرة في هذه المدن بصورة عشوائية داخل المنازل وفي مداخل الأحياء وشوارعها وأيضاً في آبار الصرف الصحي، والبرك الراكدة، فضلاً عن تلوث المياه اختلاطها بالصرف الصحي، مما أدى إلى بؤر مثالية لتوالد البعوض الناقل للمرض".

ومضت في حديثها، "كذلك أدت الحرب إلى تدمير ونهب البنية التحتية الطبية الحيوية، أبرزها معامل المجمع الطبي بجامعة الخرطوم، ومركز أبحاث المايستوما المرجعي عالمياً، إضافة إلى مختبرات بنك الدم المركزي ومختبر الصحة العامة، بجانب المختبر القومي (استاك) الذي أثيرت حوله أخطار بيولوجية عالية إثر حصاره وسط القتال في وسط الخرطوم، فكل هذه المعامل تحوي كمية كبيرة من المواد الحيوية والكيماوية وغازات الكلور السامة والجراثيم، وتدمير مصانع غاز الكلور السام وأيضاً المصانع والمشافي".

 

ونوهت إلى أن "كل هذه العوامل تشكل بيئة وحاضنة رئيسة للجراثيم التي سببت كثيراً من الأمراض والطفح الجلدي والتهابات العيون التي أدت إلى انتشار عديد من الأمراض التي يصعب حصرها، فضلاً عن إصابات بكثير من الأمراض الوبائية الخطرة، والإصابة بتسمم المواد الكيماوية نتيجة للإفراط في استخدام الأسلحة والدانات والمواد الحيوية من الجراثيم المتناثرة وتعفن الجثث".

وزادت، "بالتالي فإنه قبل حث المواطنين للعودة لمنازلهم كان يجب على الدولة القيام بعملية إصلاح للبيئة وتعقيمها، فضلاً عن إصلاح المرافق الحيوية كالكهرباء والمياه وإزالة الأوساخ وتراكمات الحرب من الأسلحة المتناثرة ودفن الجثث وتعقيم المرافق التي وجدت فيها الجثث وحولها، لكن المؤسف أن المسؤولين يعملون لمصلحة محاولة تجميل الخطيئة بدافع تسكين الضمير أو تبييض الصورة من دون مراعاة إلى أن ذلك ينهك المجتمع".

ولفتت المتخصصة في الأمراض الوبائية إلى أنه من الضروري تبني استجابة حكومية عاجلة ترتكز على الشفافية الكاملة من خلال إخطار المواطنين بمناطق العلاج وطرق الوقاية، والعمل المؤسسي بتكوين لجنة عليا قومية تضم ممثلي وزارتي البيئة والصحة للعمل على تصحيح البيئة وعمل برتوكول موحد للتشخيص والإمداد، إضافة إلى الدعم اللوجيستي المتمثل في تجهيز المعامل المعطلة وتمكين الكوادر الطبية الصامدة والعمل الجاد من أجل تعمير البنية التحتية، بخاصة المرافق الحيوية كالكهرباء والمياه وإزالة الأوساخ وتراكمات الحرب.

نقص الخدمات

من جهته، قال المتخصص في قضايا الإعلام النور عبدالله جادين، "صحيح ناشدت الحكومة السودانية المواطنين النازحين داخل السودان وخارجه العودة للعاصمة كمؤشر لعودة الاستقرار الأمني والمعيشي، ولتأكيد ودعم هذه المناشدة عادت الحكومة أخيراً من مقرها الموقت في بورتسودان إلى الخرطوم، لكن من الواضح ورغم الجهود التي بذلها والي الخرطوم لا يزال هناك نقص واضح في خدمات الكهرباء والمياه والصحة، مع وجود بعض التفلتات الأمنية التي تحاول الجهات الأمنية التقليل منها".

وأكد جادين "لاحظنا قيام أعضاء مجلسي السيادة والوزراء بزيارات تفقدية للمواطنين في أحياء العاصمة المختلفة بعد عودتهم للخرطوم لإعطاء الإحساس بوجود الحكومة، لكن تظل مدينة الخرطوم تعاني عدم عودة السكان إليها، ولا تزال الأعمال والشركات والمؤسسات والمصانع متوقفة بسبب عدم توفر الخدمات الأساسية".

 

واستطرد، "بالفعل هناك جهود بذلت لتوفير الخدمات، لكن الدمار الذي حدث أثناء الحرب كان كبيراً جداً مما جعل إعادة الإعمار تحتاج إلى وقت كبير أقله عام كامل، والمشكلة الكبرى الأخرى هي أن كثيراً من العائدين من ولايات السودان ومن خارجه فقدوا مصادر رزقهم وأثاث منازلهم مما يجعل توفير مصروفات حياتهم فيه مشقة كبيرة، بخاصة في ظل الاستعداد لشهر رمضان الذي يحتاج للإعداد، مما يصعب عليهم الحياة، وحاجتهم إلى إعادة صيانة منازلهم وتوفير معداتهم وأجهزتهم ومتطلباتهم الضرورية للحياة داخل منازلهم".

وبين المتخصص في قضايا الإعلام أن هناك كثراً يطالبون الحكومة بتقديم الدعم المادي والعيني للمواطنين العائدين للتخفيف عما يواجهونه من مصاعب لاستقرارهم حتى يشجع الآخرين على العودة الطوعية.

ضعف موارد

من جانبها، قالت الناشطة الحقوقية والمجتمعية هند الطائف أن "غالبية سكان الخرطوم غادروها مضطرين ومجبرين للنجاة من جحيم الحرب التي لم تكن أحد خياراتهم، بل تفاجأوا بها، ومن لم يغادر منهم لم يسلم من ناحية الانتهاكات والإصابة بالأمراض الفتاكة والمعاناة جراء تعطل خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات والمستشفيات وانعدام الغذاء والدواء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردفت، "على رغم من أن الجيش سيطر على العاصمة قرابة العام، لا تزال الأوضاع الأمنية والمعيشية والخدمية غير مشجعة للعودة والاستقرار من جديد، لكن قد يكون الوضع مناسباً لمن لا تسمح ظروفهم بالبقاء خارج البلاد أو نازحين في مراكز الإيواء بالولايات المختلفة"، مؤكدة أن المحاولات التي بذلت لإعادة تأهيل الخرطوم في المجالات المختلفة تعد متواضعة للغاية ولا ترقى لضمان حياة كريمة بخاصة من ناحية الخدمات الأساسية فهناك كثير من الأحياء لم تصلها الكهرباء والمياه، فضلاً عن ارتفاع أسعار السلع بصورة جنونية.

وواصلت "في تقديري لا توجد حياة في الخرطوم بالمعنى الصريح، فلم تعد حتى الآن المدينة المليئة بالحيوية والأمان، وبالتالي لن يعود إليها إلا المضطرون، فالأمراض بخاصة حمى الضنك منتشرة بشكل كبير وتفتك بأرواح الناس منهم شباب وأطفال".

وأكدت أن "الخرطوم في حاجة ماسة لتكثيف نشاط الإصحاح البيئة، والمؤسف أن الجهود التي تبذل حالياً عبارة عن مبادرات من أشخاص مقتدرين ومنظمات وغرف طوارئ، لكن الحكومة ليس لديها المقدرة على القيام بأعمال تغطي كافة الجوانب الخدمية والأساسية التي دمرتها الحرب لضعف مواردها وتوجيه ما هو متوفر للمجهود الحربي".

ومضت الناشطة الحقوقية والمجتمعية في القول، "إذا لم تتوقف الحرب بشكل نهائي فلن تنصلح الحال، وتكون العودة في ظل هذه الحرب مجرد أمنيات، لأن المشكلة أن المدن الآمنة الآن ومنها الخرطوم تعاني استقبال موجات نزوح من المناطق التي يشتعل فيها القتال".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات