Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يعيش النازحون من حرب غزة في مصر؟

يفتقر الآلاف منهم إلى الوثائق اللازمة لتسجيل أطفالهم في المدارس أو إنشاء شركات أو فتح حسابات مصرفية

أسرة فلسطينية خلال مرور من معبر رفح إلى الجانب المصري (أرشيفية - رويترز)

ملخص

دفعت الظروف التي يعانيها كثير من النازحين الفلسطينيين في مصر إلى حد طلب المساعدات المالية على السوشيال ميديا قبل إطلاق شباب مصريين مبادرات لدعمهم ومساعدتهم لتوفير متطلبات حياتهم اليومية

لم يبقَ في صدر الشاب الفلسطيني مصعب مصطفى حسن من الصبر سوى قليل منذ أن غادر غزة وهو على يقين أن العودة إلى القطاع حالياً أشبه بالانتحار، لكنه في الوقت نفسه يصطدم بمعاناة تواجهه في معارك الروتين بمصر.

يقول مصعب مدرس لغة إنجليزية قادم من مدينة بيت لاهيا شمال غزة، "ليس أمامي خيار سوى توفيق أوضاعي لأنني لا أعلم ما الذي ينتظرني غداً". كلمات لا يتوقف عن ترديدها لسرد معاناته هو وأسرته عقب فرارهم من جحيم الحرب في غزة، التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بين الجيش الإسرائيلي وحركة "حماس".

ليس بمقدرة مصعب السفر إلى أي دولة أو الحصول على فرصة عمل وإلحاق أبنائه بمدارس حكومية أو فتح حسابات بنكية في مصر، إذ يشترط لها جميعاً توافر تصريح الإقامة.

معضلة تصريح الإقامة

يقول الشاب الثلاثيني، الذي يقطن حي المعادي جنوبي القاهرة، إنه منذ قدومه إلى مصر في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 2023 رفقة زوجته وأطفاله الثلاثة عقب إجلائهم مع الجنسيات الأجنبية بالقطاع لكون أحد أبنائه يحمل الجنسية الأميركية، حاول استكمال أوراقه الثبوتية، مردفاً "لم يكن بحوزتي أي أوراق أثناء وصولي إلى مصر سوى بطاقة الهوية الفلسطينية فحسب لذلك لجأت للسفارة الفلسطينية لدى القاهرة لاستخراج جواز سفر واستكمال باقي الأوراق لكي أتمكن من الحصول على إذن البقاء لمدة 45 يوماً أو ما يعرف بـ(ختم المثلث) أسوة بباقي الفلسطينيين المقيمين في مصر".

حاول مصعب إلحاق أبنائه بمدارس حكومية، ولكن لم يتمكن من ذلك بسبب تزامن وصوله مصر في منتصف العام الدراسي وعدم توافر تصريح إقامة معه، وهو ما اضطره إلى إلحاقهم بمدارس دولية بكلفة باهظة بلغت قيمتها 180 ألف جنيه (3797 دولاراً) نظير تعليم اثنين من الأبناء. وأضاف، "حاولت استغلال دراسة الأبناء بمدارس دولية لاستخراج تصريح إقامة موقت نظير (الإشراف على الأبناء) لكن الجهات المتخصصة رفضت الموافقة على هذا الطلب".

يعود الشاب الثلاثيني ليؤكد أن معضلة عدم توافر تصريح الإقامة اضطرته إلى إلغاء رحلات لبلدان عدة، قائلاً "أخشى حال عودتي من السفر من أي دولة أن يتم ترحيلي إلى غزة مجدداً، وهو أمر مستحيل في ظل استمرار الدمار والقصف الحالي". وأشار إلى أنه ينفق على أسرته من أمواله ومدخراته الشخصية، قائلاً "لا أعتمد على أموال من أي جهة أو مؤسسة وأنفق من جيبي الشخصي وما ادخرته طوال السنوات الماضية".

تتشابه معاناة "مصعب" مع أكثر من 100 ألف من سكان غزة عبروا الحدود إلى مصر، إذ يفتقرون إلى الوثائق اللازمة لتسجيل أطفالهم في المدارس أو إنشاء شركات أو فتح حسابات مصرفية أو السفر أو الحصول على تأمين صحي، على رغم أن بعضهم وجد وسائل لكسب الرزق.

 

 

ووفقاً لتصريحات السفير الفلسطيني لدى القاهرة دياب اللوح، نقلتها عنه وكالة "رويترز"، تسعى السفارة الفلسطينية لدى مصر إلى استصدار تصاريح إقامة موقتة لعشرات الآلاف الذين وصلوا من غزة خلال الحرب بين إسرائيل وحركة "حماس". وقال "إن تلك التصاريح ستخفف وطأة الظروف حتى انتهاء الصراع"، موضحاً أن تصاريح الإقامة لن تكون إلا لأغراض قانونية وإنسانية.

وعلى رغم معاناة "مصعب" وأقرانه، أولت الحكومة المصرية اهتماماً بالغاً بالنازحين الفلسطينيين الوافدين من قطاع غزة، إذ فتحت المستشفيات المصرية أبوابها لاستقبال أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين منذ اندلاع الحرب في غزة، كما قدمت وزارة الصحة 10 آلاف و628 جلسة دعم نفسي لـ927 وافداً من الفلسطينيين للتخفيف من معاناتهم، وكذلك وجه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بسرعة توفير منح دراسية كاملة لطلاب فلسطين، وتحمل نفقات السكن داخل مدينة البعوث الإسلامية، إضافة إلى صرف مبلغ مالي شهرياً.

ومنذ اندلاع الحرب في غزة بين إسرائيل وحماس قبل أكثر من سبعة أشهر، حاولت مصر، وفق تصريحات مسؤوليها، "احتواء الصراع ومنع مزيد من التصعيد"، كما لعبت دوراً في المفاوضات المتعلقة بالإفراج عن المحتجزين لدى "حماس" ووقف إطلاق النار.

جهود ذاتية

حال طبيبة الأسنان راوية سعيد النخالة، من منطقة حي الرمال بمدينة غزة، لا يختلف كثيراً عن "مصعب"، إذ تقول "حضرت إلى مصر برفقة والدي ووالدتي بعد اندلاع الحرب في غزة بـ5 أشهر"، مضيفة أنها تمارس عملها طبيبة أسنان في مصر بجهود ذاتية وبمساعدة المقربين منها. وأشارت إلى أن السفارة الفلسطينية لدى القاهرة تقدم مساعدات عينية ومادية للنازحين الفلسطينيين، ولكن لا تكفي سوى لمدة أسبوع فحسب، وهو أمر صعب للغاية في ظل النفقات اليومية على الطعام والشراب والإيجارات.

تؤكد "راوية" أن قضية الإقامة وأوراق الهوية الثبوتية تعد من أكثر المشكلات التي تؤرق جميع النازحين الفلسطينيين في مصر، إذ إن هناك كثيراً من النازحين يعانون كثيراً من العقبات بسبب عدم وجود تصاريح للإقامة وكذلك افتقارهم إلى الأوراق الثبوتية بعد فرارهم من جحيم الحرب في غزة.

وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، حسم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الإشاعات التي ترددت حول وجود نية لاستقبال الفلسطينيين القادمين والفارين من قطاع غزة جراء الاعتداءات المتواصلة على القطاع، فقال إن مصر "لا ولن تتأخر عن مساعدة الفلسطينيين، لكن خروجهم من بلادهم يعني تصفية القضية التي هي قضية العرب جميعاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح السيسي أن "الوضع مختلف مع الفلسطينيين الذين يجب أن يبقوا في بلادهم ومواصلة الصمود حفاظاً على قضيتهم وأرضهم ويتحتم على مصر ألا تتركهم".

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أعلن في أواخر أبريل (نيسان) الماضي أن مصر تستضيف أكثر من 9 ملايين شخص من دول الإقليم وأفريقيا بسبب ظروف عدم الاستقرار في هذه البلدان، مشيراً إلى أن الكلفة المباشرة لاستقبال هذا العدد أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً وهي قيمة تتحملها القاهرة على رغم الأزمة الاقتصادية التي تواجهها. وتابع أن "ما بين 1.3 و1.4 مليون نازح فلسطيني منتشرين وموزعين على الحدود بين مصر ومعبر رفح".

ختم المثلث

"لا نملك أي صفة قانونية بعد 45 يوماً من وصولنا إلى مصر"، بتلك الكلمات عبر الكاتب والشاعر الفلسطيني ناصر عطا الله (56 سنة) من خان يونس جنوب قطاع غزة، عن معاناته مع الواقع الجديد، مشيراً إلى أن جميع الغزيين الموجودين في مصر حالياً لا يملكون تصاريح إقامة موقتة باستثناء إذن بالبقاء 45 يوماً أو ما يعرف بـ"ختم المثلث"، وبمجرد تجاوز تلك المدة لا يحق التمتع بأي هوية قانونية أو السفر خارج البلاد أو فتح حسابات بنكية أو إلحاق الأبناء بمدارس حكومية.

يقول عطا الله الذي يقيم في منطقة عين شمس شرق القاهرة، إنه وصل إلى مصر قبل اندلاع الحرب في غزة بنحو أسبوع، حين كان يحضر مؤتمراً بدمشق وفضل الاستقرار في العاصمة المصرية حتى هدوء الأوضاع. وذكر "حاولت بعد وصولي مصر إنقاذ أسرتي المكونة من 8 أفراد من جحيم الحرب في غزة، ولكن بسبب الكلفة المالية الباهظة التي بلغت 40 ألف دولار لم أتمكن من إخراجهم من غزة من أجل لم الشمل".

ويؤكد في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن الحصول على الإقامة في ظل استمرار الحرب في القطاع أصبح مطلباً ضرورياً لكل الغزيين الموجودين في مصر، مضيفاً أنه طالب نقيب الصحافيين المصريين خالد البلشي بالتدخل لتسهيل ذلك الأمر ووعد بإيصال تلك المطالب للجهات المعنية.

ونوه بأنه لا يملك أي أوراق هوية ثبوتية وهناك تفهم من المسؤولين المصريين لأوضاع النازحين الفلسطينيين في ظل تدهور الأوضاع التي تشهدها غزة.

وكان محافظ شمال سيناء محمد عبدالفضيل شوشة أعلن في فبراير (شباط) الماضي أن نحو 10 آلاف شخص عبروا معبر رفح من غزة إلى الجانب المصري منذ بدء الحرب، موضحاً أن المعبر شهد عبور 1500 من المصابين والمرضى الفلسطينيين من سكان غزة، للعلاج في المستشفيات المصرية وبعض الدول الصديقة، يرافقهم نحو 2000 شخص من أقاربهم، إضافة إلى نحو 2400 من الأجانب والفلسطينيين مزدوجي الجنسية ونحو 4 آلاف مصري من العالقين بالقطاع".

المشهد نفسه يتكرر مع النازح الفلسطيني ناهض أبو عجوة (58 سنة)، فيقول "قتلت زوجتي وابني خلال غارة إسرائيلية على منزلي في مدينة خان يونس، فيما أصيب اثنان آخران من أبنائي في الغارة نفسها واضطررت إلى مرافقتهم لمصر منذ أسبوعين لعلاجهم في مستشفى الإسماعيلية العام". يضيف "ناهض"، الذي يقطن حالياً في محافظة الجيزة، أنه لم يكن بحوزته سوى الهوية الفلسطينية وأوراق الدخول حينما وصل إلى مصر، كما جاء من دون أموال نظراً إلى تعطله عن العمل بعد توقف جميع الوظائف منذ اندلاع الحرب.

وأردف "كنت أتمنى أن أقيم في المستشفى كمرافق للأبناء لتوفير نفقات المعيشة اليومية ولكن المسؤولين في مصر رفضوا ذلك، فاضطررت إلى اللجوء لأحد الأشخاص لتأجير غرفة في أحد العقارات السكنية نظير إيجار شهري 3 آلاف جنيه (63.76 دولار)، ووجدت دعماً كبيراً ومساندة من المصريين لي في تلك المحنة".

عالقون في غزة

وتروي النازحة الفلسطينية سناء محمد (اسم مستعار) من مدينة دير البلح بوسط غزة، معاناتها الحالية، مشيرة إلى أنها جاءت إلى مصر رفقة زوجها و4 أبناء. ونبهت إلى أن هناك اثنين آخرين من الأبناء لا يزالان عالقين في غزة وسط الدمار والقصف، مؤكدة أنها حاولت بشتى الطرق إخراجهما، ولكن لم تتمكن من ذلك، و"لم يعد بإمكاني شيء سوى الدعاء لهما بالنجاة من ويلات الحرب".

وتشير "سناء"، التي تقيم في منطقة مدينة نصر شرق القاهرة، إلى أنها تعمل حالياً في تجهيز مأكولات فلسطينية وتوزيعها على أبناء الجالية الفلسطينية المقيمين في مصر للمساعدة في نفقات المنزل، كما تقيم في شقة سكنية برفقة 9 أفراد آخرين نظير إيجار شهري يبلغ نحو 16 ألف جنيه (341.68 دولار).

وأوضحت أنها تعاني مثل غيرها من النازحين مشكلة عدم الحصول على الإقامة، قائلة "من دون الإقامة لا أستطيع فتح محفظة إلكترونية لتسلم الأموال من الزبائن الذين يحصلون على الطعام مني، فضلاً عن صعوبات شراء شريحة هاتف جديدة لإجراء الاتصالات الهاتفية"، مطالبة بضرورة توفير إقامة موقتة لتيسير متطلبات حياتهم اليومية.

مبادرات لدعم النازحين

ودفعت الظروف التي يعانيها عديد من النازحين الفلسطينيين، والتي وصلت إلى حد طلب المساعدات المالية على "السوشيال ميديا" بعض الشباب المصريين لعمل مبادرات لدعمهم ومساعدتهم لتوفير متطلبات حياتهم اليومية.

في هذا الصدد تقول شيماء محمد (28 سنة)، إنها أطلقت منذ شهر مبادرة "ديارنا" للتخفيف عن النازحين الفلسطينيين الذين وصلوا مصر بعد اندلاع الحرب في غزة، موضحة أنها تهوى العمل التطوعي منذ الصغر وشاركت في كثير من الفعاليات التطوعية من قبل. وأشارت إلى أن المبادرة تشمل أطباء متطوعين في مختلف التخصصات وفي كل أنحاء المحافظات لتقديم الخدمة الطبية والدعم النفسي للنازحين إلى جانب أنشطة ترفيهية لدمج الأسر الفلسطينية والمصرية، وتجهيز معارض خيرية لبيع الملابس والمنتجات وأدوات الطعام لمساعدة النازحين.

تضيف شيماء أن المبادرة تستهدف أيضاً مساعدة النازح الفلسطيني في إيجاد شقق بأسعار مناسبة في ظل الإيجارات ذات الكلفة الباهظة، علاوة على توفير أدوية طبية ومساعدات مادية وفرص عمل مناسبة، منوهة بأن المبادرة خيرية وتعمل بالجهود الذاتية دون مساعدة من أي جهة أو مؤسسة.

الحل الأمثل

وفي شأن الإقامة، اقترح السفير الفلسطيني السابق لدى القاهرة بركات الفرا استصدار تصاريح إقامة موقتة للنازحين الفلسطينيين باعتبارها الحل الأمثل لتسهيل أمورهم من أجل إلحاق أبنائهم بالمدارس والالتحاق بفرص عمل وإجراء تحويلات بنكية علاوة على تسهيل عملية السفر للخارج.

 

 

وأشار إلى أن قرار استصدار تصاريح إقامة موقتة للنازحين الفلسطينيين أمر متروك للحكومة المصرية وهي صاحبة الحق الوحيد في تنفيذه من عدمه، مردفاً "كل دولة حرة في قوانينها وأنظمتها".

في المقابل يقول مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة إن مطالبات بعض النازحين الفلسطينيين للحكومة المصرية باستصدار تصاريح إقامة موقتة أمر غير منطقي ويهدف لتصفية القضية الفلسطينية وليس تسويتها، مشيراً إلى أن فكرة النزوح للغزيين سواء داخل القطاع أو خارجه تعد نوعاً من الإجراء القسري وفقاً للقانون الدولي، وهو أمر ليس في صالح الدولة الفلسطينية ويؤثر سلباً في القضية ويتعارض مع القانون الدولي.

ويؤكد حليمة ضرورة أن يكون هناك تحفظ شديد على تلك المقترحات والمطالبات، منوهاً إلى ضرورة أن يكون هناك حذر شديد في التعاطي مع تلك المطالبات كونها لا تتسق مع القانون الدولي. وقال إن الحكومة المصرية تراعي الظروف الإنسانية للنازحين الفلسطينيين، بخاصة أن كثير منهم فروا من الحرب من دون أوراق ثبوتية.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حذر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 من أنه "حال حدوث أي سيناريو يستهدف نزوح الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية سيكون هناك رد حاسم وفقاً للقانون الدولي"، مضيفاً "مصر موقفها حاسم من احترام معاهدة السلام والالتزام بنصوصها، ولكن نتطلع من الجانب الإسرائيلي الالتزام أيضاً، بخاصة في ما يتعلق بالتهجير لقطاع غزة".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات