ملخص
تبحث القمة الخليجية السادسة والأربعون في البحرين تعزيز مسار التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، من الاتحاد الجمركي ومنصات التجارة الموحدة إلى الطاقة النظيفة والربط الكهربائي وتفعيل الصناعة المشتركة. ويؤكد خبراء أن الاقتصاد الخليجي الذي تجاوز 2.5 تريليون دولار يقف عند محطة مفصلية تتطلب توحيد الأطر التنظيمية وتوسيع التحالفات الصناعية، في وقت تواجه المنطقة تحديات ناتجة من التوجهات الفردية والظروف الإقليمية.
تكتسب القمة الخليجية السادسة والأربعون، التي تستضيفها مملكة البحرين الأربعاء المقبل، أهمية اقتصادية استثنائية في لحظة يشهد فيها العالم تحولات متسارعة تعيد تشكيل مسارات التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد. وتبرز القمة كمنصة حاسمة لدفع مسار التكامل بين دول مجلس التعاون، وتفعيل مبادرات أعمق في مجالات السوق المشتركة والاتحاد الجمركي والقطاع اللوجستي، بما يعزز قدرة الاقتصاد الخليجي على المنافسة وترسيخ مكانته في الاقتصاد العالمي.
اقتصاد يتجاوز 2.5 تريليون دولار
أكد المحاضر والباحث في الشؤون الاقتصادية والمصرفية الإقليمية عارف خليفة أن اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي بلغ في الربع الأول من عام 2025 نحو 2.5 تريليون دولار، ما يجعله يشكل ما بين 20 و25 في المئة من إجمالي الناتج في العالم العربي، ونحو 2 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي.
وأوضح أن هذا الثقل الاقتصادي الكبير يعكس بوضوح مكانة الخليج كقوة مؤثرة في المشهدين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن تجاوز هذه الأرقام وتحقيق قفزات أكبر يظل مرهوناً بتعزيز العمل الخليجي المشترك وتوحيد الجهود الاقتصادية وتعميق مسارات التكامل بين الدول الأعضاء.
ويرى أن المرحلة الحالية تستدعي رؤية اقتصادية خليجية أكثر توحيداً من أي وقت مضى، بخاصة مع وصول حجم اقتصاد دول مجلس التعاون إلى مستويات غير مسبوقة، وأن التعاون الاقتصادي لم يعد خياراً بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة النمو وتعزيز قدرة دول الخليج على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
أوضح عارف خليفة أن نحو 50 في المئة من إجمالي الاقتصاد الخليجي يأتي من السعودية، وهي نسبة تعكس بوضوح ثقل الرياض ودورها المحوري في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي لدول مجلس التعاون وتعزيز قدرتها التنافسية عالمياً.
اتحاد جمركي خليجي ومنصة تجارة موحدة
ذكر عارف خليفة أنه لا بد أن تمتلك دول الخليج اتحاداً جمركياً متكاملاً أسوة بالاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب إنشاء منصة موحدة لتيسير التجارة الداخلية بين دول مجلس التعاون تشمل الصادرات والواردات. وأوضح أن هذه المنصة يجب أن تكون رقمية بالكامل، وباستخدام أحدث التقنيات، مشيراً إلى أن دول الخليج قادرة على تنفيذ ذلك بكفاءة عالية.
ودعا إلى وضع قواعد موحدة تتسم بالمرونة، وتشمل شهادة المنشأ، والتراخيص المالية، وتبادل التراخيص المهنية، مع التركيز على منصة واحدة لجذب الاستثمار الأجنبي بشكل أكثر فاعلية.
وأكد عارف أهمية أن تمتلك دول المجلس منظومة مشتريات حكومية مشتركة في قطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية، لما لذلك من أثر مباشر على خفض التكاليف، وزيادة الكفاءة، وتعزيز العمل الخليجي المتكامل.
وأشار عارف إلى أن دول مجلس التعاون متقدمة جداً في مجال الحوكمة، إلا أن الحاجة باتت ملحّة لإنشاء حكومة بيانات اقتصادية موحدة عبر منصة مشتركة، تُسهم في تحسين مؤشرات الاستثمار، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد في المنطقة.
وتناول عارف العقبات التي تعترض مسار التكامل الاقتصادي الخليجي، نتيجة الاختلاف في الأطر التنظيمية بين الدول، وهو ما يحد من سرعة الاندماج. وطالب بإنشاء مجلس مواءمة تنظيمي خليجي يمتلك كامل الصلاحيات لتوحيد الأطر التجارية والاقتصادية، على أن يعمل وفق جدول واضح وبمتابعة مباشرة من القادة لضمان تحقيق التكامل الفعلي والانتقال إلى مرحلة أعمق من الاندماج.
وأكد المتحدث عن أهمية الاستفادة من مركز التحكيم الخليجي القائم، مشيراً إلى أن توسيع دوره يتطلب تقارباً أعمق في القوانين بين دول المجلس، بما يسهّل تسوية النزاعات التجارية ويعزز الثقة في بيئة الأعمال الخليجية.
وبين أن البنية التحتية الرقمية في دول الخليج متقدمة، لكنها غير متكافئة بين جميع الدول، ما يجعل الحاجة ملحّة لإنشاء صندوق للترابط الرقمي يعمل على سد هذه الفجوة، ودعم مشاريع الربط الموحد، بما يعزز التكامل الاقتصادي والتقني داخل المجلس.
الطاقة النظيفة والربط الكهربائي
شدّد عارف خليفة على أهمية التوسع في قطاع الطاقة النظيفة، خصوصاً الهيدروجين الأخضر، داعياً إلى وضع خريطة طريق خليجية موحّدة تشمل توحيد مواصفات الإنتاج والنقل والاعتمادات الكربونية لضمان تنافسية هذا القطاع الحيوي. وأشار إلى إمكانية إنشاء سوق مزادات إقليمية طويلة الأجل لمنتجات مثل الألومنيوم والهيدروجين، إلى جانب تشكيل تحالفات للتصنيع المحلي في مجالات الطاقة المتجددة كالرياح والطاقة الشمسية، بما يعزز أمن الطاقة ويعمّق القيمة الاقتصادية داخل دول الخليج.
وفي ما يتعلق بالربط الكهربائي الخليجي، أكد عارف أن التوسع الجاري في الربط مع العراق واليمن يمثل خطوة بالغة الأهمية لتعزيز استقرار المنظومة الكهربائية في المنطقة. وبيّن أن الربط الإقليمي يسهم في خفض الانبعاثات وضبط الأسعار، ويدعم مسار التكامل الاقتصادي داخل المجلس وخارجه، خصوصاً مع تنامي التوجّه نحو الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من القطار الموحد إلى المخزون الاستراتيجي
شدد عارف على ضرورة إنشاء قطار خليجي تجاري قبل السياحي، معتبراً أن التكامل اللوجستي بات ضرورة استراتيجية لربط الموانئ والمناطق الصناعية عبر منصة جمركية موحدة، الأمر الذي سيخفض التكاليف والوقت بشكل ملحوظ. وأشار إلى أن نجاح التأشيرة السياحية الموحدة يجب أن يقود إلى مشاريع اقتصادية أعمق، خصوصاً في الصناعات التحويلية مثل البتروكيماويات، مؤكداً أن دول الخليج تمتلك شركات متقدمة في صناعة الأدوية وتصديرها، ما يعكس تطور القطاع الصناعي الخليجي.
ودعا عارف إلى اعتماد معايير جودة موحدة لتعزيز تنافسية المنتجات الخليجية، إلى جانب إنشاء منصة موحّدة للمخزون الاستراتيجي مخصّصة للمواد الخام لامتصاص صدمات الأسواق العالمية وضمان استقرار الإمدادات. كذلك طالب بتفعيل حوافز مترابطة بين دول المجلس عبر نظام نقاط امتياز يشجع الشركات على بناء سلاسل إمداد مشتركة، بما يعزز مرونة الاقتصادات الخليجية أمام التقلبات العالمية.
وفي ما يتعلق بالبيئة الاستثمارية، اقترح عارف إنشاء منطقة مالية خليجية موحدة تُعنى بتنظيم التحويلات ورؤوس الأموال وفق آليات شفافة، مع تبادل فوري للمعلومات بين الجهات المالية في دول المجلس، مؤكداً أن بعض الدول بدأت بالفعل تطبيق الربط الفوري للتحويلات، وهو ما يمهّد لبناء منظومة مالية أكثر تكاملاً.
كذلك أشار إلى أهمية تطوير اقتصاد رقمي خليجي موحد، يتضمن نطاقاً سيبرانياً مشتركاً ومجلس عمليات موحداً لتنسيق الجهود، إلى جانب تدقيق البرمجيات والاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتصنيع الرقائق، بما يعزز قدرة المنطقة على المنافسة عالمياً.
انجازات ثلاثة عقود
أوضح المحلل الاقتصادي وأستاذ المحاسبة بجامعة الطائف الدكتور سالم باعجاجة أن دول مجلس التعاون الخليجي حققت خلال العقود الثلاثة الماضية إنجازات اقتصادية أرست دعائم قوية للتكامل بين دولها. وبيّن أن الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي اعتمدها قادة دول المجلس في قمتهم الثانية في الرياض شكلت الإطار التنظيمي الأهم لتطبيق مبادئ التكامل الاقتصادي بين دول وشعوب المنطقة.
وأشار باعجاجة إلى أن مسيرة العمل الاقتصادي المشترك شهدت نقلة نوعية مع مطلع الألفية الجديدة، من خلال استحداث مضامين وأهداف تواكب التحولات الاقتصادية العالمية، لافتاً إلى أن دول الخليج تعمل على استكمال هذا التكامل، خصوصاً في ما يتعلق بالسوق الخليجية المشتركة.
اتفاقيات فردية تهدد الانسجام الاقتصادي
وأضاف باعجاجة أن من أبرز العقبات التي تواجه تنفيذ الربط الاقتصادي داخل المجلس هو التوجه الفردي لبعض الدول في توقيع اتفاقيات مع القوى الكبرى، وهو ما ينعكس على ثقافة العمل الخليجي المشترك. وأضاف أن التحديات الإقليمية والديموغرافية لا تزال تؤثر في تحقيق المواطنة الخليجية التي قام عليها المجلس منذ تأسيسه.
وأكد أن دول مجلس التعاون تشارك بفاعلية في الجهود الرامية إلى تقليل الاعتماد على الهيدروكربونات، والبحث عن حلول بديلة في الطاقة النظيفة، مشيراً إلى أن الربط الكهربائي الخليجي وتعزيز الأمن الطاقي يمثلان ركيزة مهمة في هذا التحول.
وتوقع باعجاجة أن تشهد المرحلة المقبلة إطلاق مشاريع صناعية خليجية مشتركة تعزز سلاسل الإمداد داخل المنطقة، وتحقق قيمة مضافة لاقتصادات دول المجلس، بما يدعم مسار التكامل الاقتصادي ويمنحه عمقاً أكبر.