ملخص
ترسخت قناعة لدى التونسيين بأن "الباستا" أصلها إيطاليا لكن عديداً من الباحثين استكشفوا العكس تاريخياً.
عندما تفوح رائحة الباستا، التي تعرف محلياً بـ"المقرونة" (المعكرونة)، من المطبخ التونسي لا يخطر ببال أحد أن يتساءل عن جذور هذه الأكلة ذلك أن الأمر محسوم منذ القدم.
فعلى مر العقود ترسخت قناعة لدى التونسيين مفادها أن الباستا أصلها إيطالي، لكن عديداً من الباحثين من خلال نبشهم في التاريخ استكشفوا العكس.
وتاريخياً، تجذرت رواية تقول إن الباستا وصلت إلى إيطاليا بعد رحلة ماركو بولو وهو رحالة صيني إلى إيطاليا حيث انتشرت هناك ثم وصلت إلى تونس إثر الغزوات التي تعرضت لها البلاد.
أغالبة القيروان
تحتل تونس المرتبة الثانية عالمياً في استهلاك "المقرونة" بواقع 16 كيلوغراماً سنوياً للفرد، وذلك خلف إيطاليا التي بلغ نصيب الفرد الواحد فيها من المقرونة 25 كيلوغراماً سنوياً.
وبالعودة لدفاتر التاريخ فإن أول مصنع للمقرونة في تونس دشنه الإيطالي قوندولفو، ثم شهدت البلاد إنشاء مصانع أخرى تباعاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول الباحث في تاريخ الطعام، علي فخري، إن "باختصار كان أغالبة التونسيين (نسبة دولة بني الغالب التي تمركزت في مدينة القيروان وسط البلاد) هم من أدخلوا الباستا إلى إيطاليا".
وأضاف فخري في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن "قبل إدخال العرب القمح القاسي كانت المطابخ الأوروبية تعتمد على القمح العادي، وهو نوع من الحنطة القديمة التي كانت تزرع على نطاق واسع في أوروبا قبل العصور الوسطى، ولكن جودة الغلوتين فيها لم تكن مناسبة لصنع المعكرونة، وكان يستخدم لصنع الخبز ومنتجات أخرى".
وأوضح أن "إدخال القمح القاسي أحدث تحولاً في صنع المعكرونة، فالغلوتين القوي للقمح القاسي سمح لعجين المعكرونة بالحفاظ على صورته أثناء الطهي، مما أدى إلى الحصول على قوام ثابت ومرونة في المعكرونة التقليدية، وأثرت التقنيات العربية البدوية للتجفيف والحفظ على صنع هذه الأكلة، إذ سمح التجفيف بتخزينها لفترات طويلة وسهل ذلك نقلها وتبادلها مع مناطق أوروبية أخرى".
وأفاد بأن "المعكرونة استفادت من هذه التقنيات، فأصبحت طعاماً مناسباً للتجارة والتخزين، وأول طبق استعمل المعكرونة التي نعرفها اليوم هو طبق شامي عربي يسمى (الإطرية) واستخدم الطبق تقنيات خلط القمح القاسي المطحون بالمياه ثم تجفيفها ليعاد طبخها لاحقاً".
ومضى في سرده "استخدم الصقليون طبق الإطرية الذي كان يحوي العنب المجفف (الزبيب) والقرفة ليطوروا وصفاتهم الخاصة ويمكن أيضاً النظر في طبق الدويدة التونسي على أنه من أوائل الأطباق التي استخدمت تقنية المعكرونة".
واعتبر فخري أن "تقنيات الزراعة والطهو العربية التي دخلت إلى صقلية وجنوب إيطاليا أثرت في تطوير صناعة المعكرونة في المنطقة، كما أن زراعة القمح القاسي وتطبيقاته الطهوية أسهمت في تشكيل ما نعرفه اليوم من المعكرونة لذلك كانت تونس بوابة انتشار المعكرونة في العالم".
وأوضح أن "انتشار المعكرونة وشهرتها تعود إذاً إلى مجموعة من العوامل التي جمعت بين القمح القاسي ذي الغلوتين القوي وتقنيات العجن وتجفيف المعكرونة البدوية العربية التي ضمنت استدامتها وقابليتها للتخزين وطبق الإطرية الشامي العربي وغزو الأغالبة التونسيين آنذاك لصقلية، كما تعتبر التبادلات الثقافية والتجارية بين العرب وأوروبا أثناء العصور الوسطى الدافع الرئيس وراء انتشار المعكرونة على مستوى القارة الأوروبية".
مسألة معقدة
وفخري ليس أول باحث يحيي الجدل في شأن أصل المعكرونة، فقد سبقه إلى ذلك الباحث المغربي محمد أوباهلي الذي كانت له مذكرة دكتوراه خاصة بأصل المعكرونة.
وذكر أوباهلي بأن المغرب العربي، الذي تونس جزء منه، كان له حصة الأسد في نشر المعكرونة في أوروبا خلال القرون الوسطى.
أما أستاذة اللغة الفرنسية المولعة بالطبخ في تونس، هالة المسلاتي، فترى أن "مسألة إثبات نسب كل أكلة هي مسألة بكل تأكيد معقدة ذلك أن كل بلد يزعم أنه وراء انتشار أكلة محددة".
وأردفت المسلاتي وهي عضو أيضاً في مجمع بيت الحكمة التونسي في تصريح خاص أنه "يصعب تأكيد أصل المأكولات لأن المسألة غامضة، لكن عموماً عديد من البحوث أكدت أن المعكرونة ولدت في المتوسط في العصور الوسطى حين أصبح الإنسان يعجن".
وبينت أن "المعكرونة ظهرت في ظل الدولة العباسية في ولاية القيروان التونسية وكانت تسمى الإطرية ومن غير الواضح متى اكتشف الإيطاليون المعكرونة تحديداً لذلك تبقى أطروحة ظهور المعكرونة في تونس أولاً قوية جداً".
ومن جانبه، كان الطباخ التونسي وفيق بالعيد قال في وقت سابق إن "المعكرونة صنعها التونسيون منذ عهد النوميديين من العجينة ووضعوها في الحساء شأنها شأن مأكولات أخرى مثل (النواصر) وهي أكلة محلية خالصة".
استبعاد تونس
في المقابل، يجادل كثر بأن المعكرونة ليست تونسية أو في الأقل من الصعب إثبات أصلها لا سيما في ظل ندرة البحوث التي تطرقت إلى المسألة.
وقال أستاذ التاريخ في جامعة منوبة التونسية، بشير يزيدي، "حسب علمي المعكرونة من أصل صيني، وصلت إلى إيطاليا بعد رحلة ماركو بولو من البندقية إلى الصين".
وختم يزيدي حديثه بقوله "لم يكن من الممكن أن تكون المعكرونة موجودة قبل استقرار الجاليات الأوروبية والإيطالية تحديداً في بلدنا تونس، إذ لم نكن نعرف القمح اللين والفارينة".