Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجليات الحب تحت مجهر العلماء في معرض شامل

أعمال تستكشف تطوره لدى الانسان والحيوان منذ العصور حتى الذكاء الاصطناعي

مشهد من المعرض الفرنسي (خدمة المعرض)

من العشق ورغباته إلى الرابط العائلي، مروراً بالصداقة والعلاقات الاجتماعية أو الغيرية، والمشاعر التي يمكن أن نختبرها مع كائنات حية أخرى أو حتى أشياء، يمسّ الحب معظمنا ويتّخذ أشكالاً مختلفة، مما يفسّر صعوبة تعريفه أو محاصرته. ولاستكشاف أراضيه التي تشهد تحولاً مستمراً، ومحاولة الإجابة على السؤال الجوهري الآتي: ما هو الحب؟ ينظّم "متحف ملتقيات" في مدينة ليون الفرنسية معرضاً مثيراً تحت عنوان "نخب حبّنا"، يمنح فيه الكلام لثمانية علماء من ميادين متعددة (علم الاجتماع، أنثروبولوجيا، فلسفة، الطب النفسي والكيمياء)، وضعوا الحب في صلب تساؤلاتهم، وفي مقابل وجهات نظرهم العلمية مع تلك الاجتماعية أو الفنية المتوافرة داخل مختلف الثقافات البشرية، وحتى لدى بعض الكائنات الحية الأخرى.

سينوغرافيا المعرض مصمَّمة على شكل نزهة تبدأ في صالة مركزية، ثم تقودنا إلى داخل صالات مغلقة تشكّل محطات موضوعية تنتظرنا فيها أفلام وتجهيزات تفاعلية. في الصالة الأولى التي تستحضر بألوانها الرقيقة عالم الطفولة، نعرف أنّ، خلال العامين الأولين من حياة الطفل تتأسس داخله آليات الارتباط بمن يحيط به، وأن هذه الروابط لا تلبث أن تتعزز تدريجاً من طريق مختلف أوجه العناية التي يحظى بها، فتساهم في تنمية حبه لذاته، وعلاقاته بالآخرين، وروابط الثقة، وأيضاً قدرته على مواجهة الصعوبات والمثابرة على حلّها. ولأن البالغين الذين يرعون الطفل ليسوا بالضرورة الوالدين البيولوجيين، بل يمكن أن يكونوا الوالدين بالتبنّي، الجدّين، العائلة الكبيرة أو الطائفة الاجتماعية، تتجلى قدرة الحب على تجاوز ما يسمّى "النسب البيولوجي".

في الصالة الثانية، ندرك أن شعورنا بحبّ الآخرين لنا يساهم، خلال جميع مراحل حياتنا، في تشييد احترامنا لأنفسنا، وهو الضروري لتطورنا وسعادتنا، وفي بناء غيريتنا وقدرتنا على فهم مشاعر الآخر ومشاركته إياها. تعاطُف يساعد من يتلقاه، أثناء وقوعه في محنة خطيرة، على إعادة ترميم ذاته والنهوض. وحول هذه النقطة، تسلط هذه الصالة الضوء على أشخاص من أماكن وأزمنة مختلفة كرّسوا حياتهم لمساعدة الآخرين، غالباً في الظل ومن دون مقابل، معرّضين أحياناً حياتهم للخطر، لا من باب المصلحة أو المتعة، بل من باب الحب.

التوتر النفسي

الصالة الثالثة تلفت انتباهنا إلى أن الحب يتقاسم مع التوتر النفسي عوارض كثيرة: تسرع نبضات القلب، تعرّق اليدين، تثير الشعور بغليان في المعدة... وبالتالي، كم أن الجسد يشكّل ركيزة لتجلياته، بدءاً بالدماغ. وفعلاً، تشكّل مشاعر الحب ورغباته مؤثّرات معقّدة تشعل مناطق مختلفة من الدماغ ترتبط في وظائفها بالذاكرة، وتمثُل الذات، واللغة وحتى التفكير المجرّد. ولكن على رغم العدد المتزايد من الدراسات العلمية حول الآليات البيولوجية، الدماغية والسيكولوجية المعنية بهذه المشاعر، لا يزال لغز الحب كاملاً.

في الصالة الرابعة، تتنقل الحكايات بنا من قارة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، كاشفةً لنا طُرُقاً مختلفة للحب، وبالنتيجة تفرّده الثقافي، ضمن شموليته. ففي واحدة من هذه الحكايات، تتنكّر شابة في زي رجل للدراسة، فتلتقي بطالب وتصبح صديقته، قبل أن تقع سراً في غرامه. وحين تكشف له هويتها الحقيقية، يقع هذا الشاب في غرامها. لكن بما أن قيود مجتمعهما تحرّم علاقتهما، يفضّلان الموت على الانفصال، فيقدمان على الانتحار ويولدان من جديد على شكل زوج من الفراشات. وفي حكاية أخرى قديمة من ثقافة هنود "سيوكس"، يسأل عاشقان كاهن قبيلتهما عن وسيلة لإدامة حبّهما، فيطلب هذا الأخير منهما ربط نسر بصقر. وحين يفعلان ذلك، يستنتجان أن عجز الطائرين عن التحليق بسبب هذا الرباط لا يلبث أن يدفعهما إلى التصارع حتى الهلاك، فيفهمان أن ديمومة أي قصة حب مرهونة ببقاء كلّ من طرفيها حرّاً.

تحضر أيضاً في هذه الصالة أسطورة الخنثى التي نقرأها في كتاب "المأدبة" لأفلاطون، ومفادها أن الإنسان كان في البدء مزدوج الجنس، ولمّا تعاظم سلطانه أراد أن ينافس الآلهة، فعاقبه الإله زيوس بشطره إلى نصفين، نصف ذكري ونصف أنثوي. مذاك، يحنّ كل نصف إلى نصفه المفقود. أسطورة تغذّي تصوّراً رومنطيقياً وقدرياً للحب، وتحمل في طياتها فكرة عدم اكتمالنا بذاتنا.

الصالة الخامسة تسلط الضوء على حقيقة انتفاء الكائن الإروسي الشامل، وخصوصية العلامات والأشكال والتصرفات التي يمكن أن تثير مشاعر الحب والرغبة في كل منا. وهو ما يفسّر لماذا يمكن للشخص أو الطرف الواحد أن يكون مشحوناً بالجاذبية لبعض منا، وخالياً منها لبعضٍ آخر. حقيقة تكشف أيضاً ارتباط مشاعرنا ورغباتنا بالتشييدات الاجتماعية والصور النمطية التي تحيط بنا، وانبثاقها من خيال يختلف باختلاف الحقب التاريخية والثقافات والبلدان. وفي هذا السياق، نعرف أن التفاعل بين شخصين يلتقيان ويسعيان إلى إغواء بعضهما بعضاً، مقنَّن للغاية، وقوانينه تتغيّر بدورها وفقاً للثقافات والحقب، وتخضع بانتظام للمساءلة.

في الصالة السادسة، يتبيّن لنا مدى تأثير الممارسات الرقمية اليوم على العلاقات العاطفية، بكشفها أن نحو 30% من الفرنسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و69 عاماً، تسجّلوا في أحد مواقع المواعدة الإلكترونية، عام 2021، وأن هذه الوسيلة، من دون أن تشكّل ثورة، تغيّر جزئياً بعض جوانب هذه العلاقات، بمنحها أهمية كبيرة لتبادل الرسائل والصور الشخصية المعدّلة، وبتوفيرها فرصة لقاءات سرّية تحدث عبر الحاسوب، بعيداً من الأنظار.

في الصالة الثامنة، يقول علماء نفسانيون لنا إن ما يحدد سيكولوجياً الشعور بالحب لدى البشر، لم يتم إثباته لدى الكائنات الأخرى، باستثناء الثدييات العليا. ولذلك، من الأدقّ استخدام عبارة "تعلّق" أو "ارتباط عاطفي"، حين يتعلق الأمر بهذه الكائنات، وتجنّب نسب مشاعر إليها، بناءً على تشابه سلوكها أحياناُ مع سلوكنا، علماً أن بعض أوجه هذا التشابه يثير الدهشة والإعجاب. فلدى معظم أجناسها، على الذكر إغواء الأنثى للاقتران بها وإدامة نسله، بينما تختار هي الاقتران بمن يتحلى أكثر من غيره بصفات مرغوبة: جمال وبره أو ريشه، مدى تعقيد نشيده أو رقصه، تفوّقه البدني... ولدى بعض الأجناس، يذهب الذكر إلى حد تقديم "هدايا زواج" للأنثى، كعنصر زينة للعش أو طعام. وبما أننا نتقاسم مع بعض هذه الكائنات أماكن عيشنا، تتفاعل هذه الأخيرة معنا أيضاً، ضمن علاقة "شبه اجتماعية"، موفّرة لنا مكسباً عاطفياً، الأمر الذي يخلّف معها رابطاً قوياً إلى حد تصبح فيه أحياناً جزءاً من عائلتنا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الصالة التاسعة تتوقف عند الصداقة التي تجمع البشر، ومثل الحب، تتجلى عبر شعور بالتفاهم المتبادل ونوع من العلاقة الحميمة التي تعبِّر عنها كلمات، وشوشات، نظرات، لحظات صمت، ابتسامات، نوبات ضحك، وأحياناً هبات ورسائل، تعكس قوة هذا الرابط الذي يتطلب أيضاً إظهار محبتنا للآخر، إثباتها وعيشها.

وتختم المعرض صالة مخصّصة لتلك الكائنات الافتراضية التي ظهرت عام 1996 تحت تسمية "تاماغوتشي"، وغايتها تطوير شعور الارتباط والمسؤولية لدى الأطفال ، من طريق اعتنائهم بها. تحضر أيضاً شخصيتا "شياو إيس" و"ريبليكا" الافتراضيتان اللتان ظهرتا منذ سنوات قليلة، وتتمتعان بقدرات لغوية وسلوكية تقود إلى تعلّق محاوريهما بهما، لكونهما تمنحنان وهم الاهتمام المتبادل، وتحاكيان رابط الصداقة بقوة. ولقياس مدى تغلغل مثل هذه الشخصيات، القائمة على الذكاء الاصطناعي، داخل حياتنا اليومية، وقوة الرابط الذي يمكن أن ينشأ معها، نعرف داخل هذه الصالة أن عدد الأشخاص الذين يتفاعلون يومياً مع "شياو إيس" تجاوز الـ 600 مليون، وأن رجلاً في اليابان ذهب إلى حد الزواج رمزياً من مغنية افتراضية عام 2018! شخصيات تتسبب بعزلة اجتماعية أو، بالعكس، تسهّل التفاعلات بين مستخدميها، عبر اضطلاعها بدور الوسيط، كما هو الحال مع الروبوت العلاجي "بارو"، أو الروبوت التربوي "ليكا".

يبقى أن نشير إلى أن الحب، الذي يخضع منذ فترة طويلة للدراسة على يد الفلاسفة وعلماء الأحياء وعلماء النفس وعلماء الاجتماع، بات يحظى اليوم باهتمام نهجٍ دراسي جديد ومتعدد الاختصاصات، يُعرف بـ "العلوم العاطفية"، ويُعنى بدراسة المشاعر وتأثيرها على السلوك البشري. نهجٌ علمي مهم لفهم الأفراد والمجتمعات، نأمل من مقاربته ظاهرة الحب، في مختلف أبعادها، أن يبدد بعضاً من الغموض الذي ما زال يكتنفها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة