Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صلاح الدين بوجاه توقف عند خواء السؤال الأيديولوجي

أحد رواد الرواية التونسية الجديدة لم تنتبه الصحافة العربية لرحيله

الروائي التونسي صلاح الدين بوجاه (صفحة الكاتب على فيسبوك)

رحل الروائي التونسي الرائد صلاح الدين بوجاه تاركاً وراءه أعمالاً سردية كثيرة لم يولها النقد التونسي العناية التي تستحق. والقليل الذي كتب عنها اكتفى بالإشادة والاحتفاء ولم يلمّ بأهمّ الأسئلة التي تنطوي عليها. ولم يلفت رحيله حتى الصحافة العربية التي كان مفترضاً بها أن تتوقف عند اسمه وتجربته.

ولعل أول ما يلفت الانتباه في أعمال الراحل، جمعها بين أكثر الأساليب عراقة في تراثنا العربي وأحدث النظم السردية في التجربة الغربية، ووصلها بين زمنين متباعدين، وثقافتين مختلفتين، ورؤيتين متباينتين إلى العالم والأشياء. فكل أعمال صلاح قائمة على هذه المفارقة وفيها تلتقي أساليب ولغات وشخصيات تحيا، على رغم اختلافها وتعددها، في كنف السرد.

لهذا يمكن اعتبار إبداعه بمثابة مختبر كبير ظل، طوال حياته، يحاور، داخله، مختلف أنواع الكتابة، وشتى صنوف السرد، باحثاً من خلالها عما يقول تجربته، ويقول اللحظة التاريخية التي يعيشها بكل ما تنطوي عليه من تناقضات.

إيقاع الجسد

جنحت أعمال صلاح الدين بوجاه إلى قرع أبواب الحجرات الموصدة، أعني حجرات الرغبة والحواس والجوارح التي أمعنت المؤسسة قي غلقها ترفّعاً أو تعفّفاً أو بحثاً عن سلامة موهومة حتى بات العكوف على الجسد واستنطاق أساطيره واستيهاماته إيقاعاً متواتراً في رواياته.

حاول بوجاه الدنوّ من هذه المنطقة المسترابة، ومضى يرفع الحجب عن عالم ظل في الثقافة العربية الحديثة ملفّعاً بالغموض، يتوقّاه الجميع فلا يجرؤون على إفشاء أسراره تهيّباً.

على هذه الهيئة صوّرت رواياته الجسد في مختلف أحواله: الجسد الرازح تحت أعباء تاريخه، الجسد المحتفي برغائبه، الجسد المطوق بأساطيره، الجسد الخائف من فتنته، الجسد اللاعق جراح هزيمته... على أنّ الجسد يتبدّى، في معظم هذه الروايات غير معزول عن تاريخه، وتاريخ الجسد هو تاريخ الثقافة، بل ربّما كان الجسد اللوح الأول الذي وشمت عليه الثقافة قيمها ومجمل رموزها، فهو من هذه الناحية مستودع أسرارها وذاكرتها الذاهبة بعيداً في الزمن.

في هذا السياق الأنطولوجي تندرج رؤية صلاح الدين بوجاه إلى الجسد التي أعلنت عنها أعماله السرديّة.

إحياء تقليد المتن والهامش

في رواية "مدونة الاعترافات والأسرار" (1985) يفاجئ بوجاه قارئه بالنص ينشطر على ذاته، فيتحوّل إلى متن وحاشية. فإذا الرواية روايتان تتقاطعان حيناً وتتجاوران حيناً آخر، لكنهما، في كل الأحوال تتساندان وتتكاملان. وهذا النص يعد، أول نص عربي حديث يستعيد معمار الكتابة العربية القديمة/ المتن والحاشية/ استعادة كاملة، موظفاً إمكاناته التخييلية الواسعة القائمة على الترافد والتنافذ بحيث يصبح النص انفتاحاً على نص ثان يجدلان معاً خيوط نص واحد.

وإذ يسترفد بوجاه من التراث هذا الشكل التوبوغرافي القديم، إنما يوظفه لأداء تعدّد زوايا النظر بحيث تتبدّى الحقيقة الروائية كثيرة على وحدتها، وهو بذلك يجاري تياراً كاملاً في الرواية الغربية المعاصرة يقوم على تعد الأصوات وتداخلها في النص الواحد.

وقد عمد بوجاه إلى كتابة هذا النص بخط اليد إمعاناً في استحضار المخطوط العربي القديم عسى أن يفتح للقارئ مختبره الكتابي الذي تتداخل فيه أكثر الأساليب عراقة بأكثر فنيات السرد حداثة، فتتجاوب في فضائه أصداء نصوص تأسيسية كبرى، لعل أهمها صدى رواية "المسخ" لكافكا. فالبطل يتحوّل هنا إلى حشرة بينما يتحول في نص بوجاه إلى كائن أثيري لا تدركه العين ولا تطوله اليد. لقد علمنا كافكا أن العجائبي ليس عنصراً دخيلاً على الإنسان وإنما هو جزء منه، خيط في نسيج وجوده. أي إن العجائبي وجه من وجوه الواقعي الذي تحاشاه الروائيون أخذاً بمبدأ عدم التناقض الذي أرسته الفلسفة الأرسطية فعدلت عن الحقيقة فيما كانت تدعي كشفها.

ولا شك في أن العجائبي في رواية بوجاه ليس أمراً مضافاً إلى الأدب وإنما هو المخرج الذي لا ينال بغيره، أي إن العجائبي ليس مجرّد أسلوب في الكتابة وإنما مو رؤية تتحكم في النص توجّه أحداثه وتنحت شخوصه.

في هذا السياق نفهم ارتداد الكاتب إلى فضاء أسطوري موصول بالواقع بأكثر من واشجة، هو فضاء الكرامات حيث تنعقد الخيوط بين السماء والأرض، بين المرئي والمتخيّل، بين الشاهد والغائب. فبطل الرواية يقدم من حيث لا يكون قدوم، ويذهب إلى حيث لا يكون ذهاب، ملامحه غامضة، غائمة. لكأنه يلبس طاقية الإخفاء كما يعلن عن ذلك الراوي، يحل في الطبيعة ليسمي عناصرها ومفرداتها... وكأنه يسعى إلى عقد صلات مع الأشياء يحدس أنها تناوئه وتستعصي عليه. هذا الرجل تخلى عن كل المسلمات التي تخلع على الوجود معنى وعلى الحياة دلالة ومضى أعزل إلا من بعض الكلمات تمنحه عزاء لا يكون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإنه لأمر ذو دلالة أن ينقسم النقاد في قراءة هذه الرواية تحليلاً وتأويلاً، فبعضهم ذهب إلى أنها أوثق صلة بالرسائل العربية القديمة، وبعضهم أعادها إلى منابت الرواية الجديدة الغربية وبخاصة الرواية الفرنسية.

والرأي عندنا أن هذه الرواية وهي تستند إلى الإرث السردي القديم لغة وأداء، استدعت مناخات السوريالية ومناخاتها العجائبية صوراً ورموزاً وأدوات تخييل. تؤكد ذلك لذة الانتهاك التي تخترق النص، كل النص، انتهاك الأعراف اللغوية وانتهاك الأعراف الاجتماعية وانتهاك الأعراف القصصية المألوفة.

 "النخاس" والبحث عن لغة المتوسط

أما في رواية "النخاس" (1994) التي احتفى بها النقاد احتفاء كبيرا فهي ذات صلة بالأدب الملحمي. فهي سعت إلى سرد قصة التاريخ في البحر المتوسط، التاريخ الذي صنعه الأفّاقون والجوالون وتجار الرقيق والحرير والنخّاسون والقراصنة وكتّاب الحوليات والتجّار وسابكو الذهب والفضة والشعراء والفقهاء ورجال الجند وغيرهم.

قامت هذه الرواية على اختزال ملحمة هذا التاريخ المديد في سفينة حملت أخلاطاً من شعوب شتى، التقت على سطحها وفي حجراتها لتتجاور وتتصارع وتتجادل وتختلف وتأتلف. وكأن المتوسط هنا أضحى سريراً كونياً يلتقي في حضنه حضارتان اثنتان ما فتئتا تأتلفان لتختلفا من جديد... لكأننا إزاء عناق كوني عاصف تهاوت فيه الحدود بين القارات والثقافات واللغات والتواريخ.

ولعل الصورة الأثيرة عند الكاتب والتي تستهل بها الرواية هي صورة مصارعة الثيران، إذ تتبدى معادلاً موضوعياً لمثلث الموت والرغبة والمفارقة. فهذه المصارعة في جوهرها لعبة، لعبة نزقة، تنطوي على قوانين جلية واضحة، لكنها اللعبة المفتوحة على نقيضها، أعني الموت والهلاك. هذه اللعبة تومئ إلى صراع الحضارات ولعبة الكتابة بل ربما كانت المعادل الموضوعي للعبة الوجود، على وجه الإطلاق.

وقد فاجأ صلاح الدين بوجاه مرة أخرى قارئه بإقحام لغات شتى في روايته التي تبدو للوهلة الأولى متشبثة بصفاء اللغة العربية وبنية الجملة العريقة: اللغة الفرنسية، اللغة الإيطالية، اللغة المحكية واللهجات النصية الداخلية التي تبتدعها الرواية ابتداعاً. وكأن صلاح الدين بوجاه يريد أن يظفر بلغة البحر المتوسط التي تهتف بها حناجر كثيرة تؤول إلى حضارات عدة حتى تصبح الرواية مهرجاناً من الأساليب والأجناس التي احتضنها المتوسط على امتداد قرون متعاقبة.

المدينة والرواية

في عام 1997 أصدر الكاتب روايته الرابعة "راضية والسيرك" وفيها انعطف على المدينة العربية يسبر أغوارها ويحفر طبقاتها باحثاً فيها عما لا يتحرّى بالعيون، فالمدينة، مثل الإنسان ظاهر وباطن، وجه وقفاً، أسارير وسريرة. والكاتب ههنا يتنكب عن الظاهر والوجه والأسارير، كي يمضي بعيداً يستجلي الغامض والمعمّى. فالمدينة، في هذه الرواية تحتضن مدينة أخرى أبعد غوراً وأشدّ عتمة. في هذا الفضاء السديمي تتحرك شخوص مسترابة استأنست بالليل، وعمدت إلى انتهاك المحرّم: جريمة، خطيئة ولعبة خطرة تتمثل الفوضى التي تستشري في أعماق المدينة من دون أن تدركها العين.

أما معيار الرواية فهو معمار المدينة ذاته، ببيوتها العتيقة، فقد قسم الكاتب عمله إلى زقاق وسقيفة أولى، وسقيفة ثانية، ووسط دار ومجلس، ومقاصير. وعلى هذه الهيئة يولد الأثر مندغماً بشكله، فيتحوّل معمار العمل الفنّي إلى مضمون يقول الدلالة ويعلن عنها.

وعوداً على بدء نقول إن خيطاً واحداً ينتظم كل هذه الأعمال، خيط الرغبة والموت والمفارقة يجمع بينها جمع تآلف وانسجام. صلاح الدين بوجاه، مثله مثل الكثير من الكتاب العرب المعاصرين، وقف على خواء السؤال الأيديولوجي فمضى يثير أسئلة أخفى وألطف، ويتملى العالم بعينين جديدتين. لقد ولى عهد البطل الإيجابي الطافح بالمعاني الاجتماعية، وولى عهد النص يحكمه منطق الأحداث الخطية، ومضى زمن القص من حيث هو جنس خالص، وولى عهد المكان الواحد يحتضن الأحداث في تسلسلها المعهود، وحل زمن القصة تهزأ بالبطولات وتتنكّب عن كل تسلسل منطقي يحكم وقائعها، وبات الجنس الأدبي أجناساً والمكان أمكنة والزمان فوضى.

في هذا الفضاء السردي العربي الجديد تندرج أعمال صلاح الدين بوجاه تنبئ بميلاد نصّ روائي عربي مختلف يحاور أشكالاً وأساليب كثيرة يحاول من خلالها أن يقول تجربته ويفصح عن أسئلته.

المزيد من ثقافة