ملخص
تدور أحداث رواية "الوحش" لكارمن مولا، عام 1834، مسلطة الضوء على الأجواء المأساوية والصراعات الطبقية والاجتماعية في مدينة مدريد تحت وطأة انتشار وباء الكوليرا، مازجة بين التشويق البوليسي والدقة التاريخية، في تناول الغموض السياسي والديني، في تلك الحقبة، وقد كشف حصولها عام 2021 على جائزة "بلانيتا" عن أسماء ثلاثة كتاب استخدموا اسم "كارمن بولا" في كتابة هذه الرواية وغيرها من الروايات وهم: خورخي دياث، وأغوسطين مارتينيث، ووأنطونيو ميرثيرو سانتوس.
تبدو رواية "الوحش" (دار عصير الكتب/ ترجمة محمد الفولي، فازت الترجمة بجائزة جابر عصفور 2024-2025)، منذ صفحاتها الأولى محاطة بهالة من الغموض، يتعلق باسم مؤلفها "كارمن مولا" الذي تبين أنه يخفي وراءه ثلاثة مؤلفين هم خورخي دياث وأوجستين مارتينيث وأنطونيو ميرثيرو. بدأوا النشر بهذا الاسم منذ عام 2018 بثلاثية "العروس الغجرية" التي حققت نجاحاً واسعاً بين قراء الرواية البوليسية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، كشف الكتّاب الثلاثة عن هويتهم الحقيقية بعد فوز روايتهم "الوحش" بجائزة بلانيتا الإسبانية المرموقة، ليتفاجأ الوسط الثقافي الإسباني بأنّ كارمن مولا ليست كاتبة واحدة كما ظن الجميع، بل اسم مستعارا لثلاثي تعاون في كتابتها.
تعد هذه التجربة نادرة في تاريخ الكتابة الإبداعية، مع اعتيادنا في الأعمال السردية أن تكون لمؤلف واحد، وفي بعض الحالات ثنائية تكثر عادة في الرواية البوليسية والخيال العلمي والأدب التجاري. وربما أسهم انتماء رواية "الوحش" إلى الأدب البوليسي في تهيئة المناخ لظهور هذه التجربة، إذ يتيح هذا النوع الأدبي توزيع المهام بين الكتاب ضمن بناء محكم يقوم على التشويق ودقة الحبكة. بينما في الأنواع الأدبية الأخرى، يعبر تحقق مثل هذا التعاون أكثر صعوبة، لأن الرواية تتطلب صوتاً سردياً موحّداً ورؤية فنية منسجمة، تجعل الكتابة المشتركة تحدّياً معقداً، إذ يهدد اختلافُ الأساليب والخيال واللغة تماسك النص وانسجامه الجمالي.
مدريد وضواحيها
يظهر في "الوحش" اختلاف الأساليب بين الكتّاب الثلاثة في إيقاع السرد، إذ تميل أجزاء من الرواية إلى تسريع وتيرة الأحداث، بينما ينزع جزء آخر إلى الإبطاء والوصف التفصيلي، والتركيز على الجوانب الداخلية للشخصيات ودوافعها النفسية. يجنح السرد في جانب منه إلى النزعة الميلودرامية وإثارة العاطفة، وفي أخرى إلى كسر أفق التوقع عبر الإطاحة بشخصيات رئيسية تبدو للوهلة الأولى محور العمل، مما يخلق صدمة لدى القارئ ويضاعف عنصر التشويق. ولعل هذا الأسلوب، أي التخلّص المفاجئ من الشخصيات المركزية، كان هو التيمة الرئيسية في سلسلة "لعبة العروش" لجورج مارتن الشهيرة.
تدور أحداث الرواية في مدريد وضواحيها عام 1834، في فترة حرجة من تاريخ إسبانيا، كانت تعصف بها الاضطرابات السياسية والاجتماعية. الحرب الكارلية الأولى (1833–1840) إشتعلت نتيجة الصراع على العرش بين الكارليين والكنسيين من جانب، وأنصار الملكية الدستورية من جانب آخر، حرب دموية أودت بحياة نحو 130 ألف شخص. وفي الوقت نفسه، تفتك الكوليرا بمدينة مدريد المنهكة، وعلى هذا الواقع المأزوم يظهر وحش غامض يختطف الفتيات الصغيرات، ويعثر لاحقاً على جثثهن ممزقة بوحشية، في مشاهد تبثّ الرعب والفزع في أرجاء المدينة.
تتفاقم المأساة مع تصاعد التوتر بين الفقراء ورجال الكنيسة، إثر اتهام المواطنين للكهنة بنشر الوباء، لتندلع أعمال عنف دامية تستهدف الكنائس والأديرة، تنهب فيها الممتلكات وتنتهي بمقتل عدد من الرهبان، بينما يتبادل كل طرف الاتهامات بالمسؤولية عن تفشي المرض: "لسنا نحن معشر الفقراء من نجلب المرض، بل الرهبان الذين يسممون المياه كي ينتصر الكارليون في الحرب"، في سياق يكشف انهيار النظامين الاجتماعي والأخلاقي في المدينة تحت وطأة الوباء والخرافة واليأس.
الأجواء التاريخية
عملت الرواية على رسم الأجواء التاريخية والسياسية والاجتماعية والجغرافية لتلك الحقبة بدقة، وكانت أحد الأسباب التي دفعت لجنة التحكيم إلى منحها جائزة بلانيتا العريقة، "تقديراً لقدرتها على إعادة خلق زمنٍ ماضٍ بصورةٍ مثالية" – كما ذكر مترجم الرواية إلى العربية محمد الفولي في تقديمه لتلك الترجمة.
تعتمد الرواية على حبكة بوليسية مشوقة، متشعبة الأحداث، يدور خطها الرئيسي حول "لوثيا"، الفتاة الفقيرة التي تعيش خارج أسوار مدريد المنكوبة بالكوليرا، تضطر للتسلل إلى المدينة لسرقة بيوت الموتى. يقودها حظها العاثر إلى سرقة خاتم غامض يرتبط بجماعة سرّية خطيرة تبدأ بمطاردتها لاستعادته. تتوالى الكوارث بوفاة والدتها بالوباء، وحرق السلطات أكواخ الفقراء باعتبارها المسؤولة عن نشر الوباء، لتجد نفسها مسؤولة عن أختها الصغيرة "كلارا" التي تختفي في ظروف غامضة. تبدأ رحلتها للبحث عنها فتتقاطع فيها مع شخصياتٍ محورية: الصحافي "دييغو"، والشرطي الأعور، والراهب "براوليو". يسهم كل منهم في كشف جزء عن خيوط الجريمة والمؤامرة.
تبلغ الأحداث ذروتها بنجاح "لوثيا" في إنقاذ أختها وبقية الفتيات المختطفات من قبضة "مشعلو الفحم"، لنكتشف أن الوحش ليس فرداً وإنما جماعة سرية تمارس طقوساً قروسطية تقوم على التضحية بالفتيات.
تباين طبقي
تستثمر الرواية أحد الأساليب المألوفة في الأدب البوليسي، وهو الانقلاب في زاوية الرؤية وكسر أفق توقع القارئ بشأن طبيعة الشخصيات بين الخير والشر، فقلما يبقى أحد على صورته الأولى حتى النهاية. ويتجلّى هذا الأسلوب بوضوح في شخصية الأرستقراطية "آنا كاستيلار"، التي تُصوَّر طوال الرواية امرأةً خيّرةً سخية القلب، تكرّس وقتها لخدمة الفقراء ومداواة المصابين بالكوليرا، وتولي "لوثيا" عنايةً خاصة. غير أنّ المفاجأة تأتي في النهاية، حين يتبيّن أنها العقل المدبّر وراء الجرائم التي أرعبت مدريد، بما أنها تتزعم الجماعة السري، لخدمة الملكة في صراعها ضد الكارليين المعارضين لها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حرص مؤلفو الرواية على إبراز التباين الطبقي الحاد بين سكان مدريد داخل الأسوار وأولئك الذين يعيشون في أطرافها وخارجها، عبر مشاهد واقعية قاسية تعكس الفقر المدقع الذي يعانيه سكان الأحراش والمناطق المهمشة، الذين يمارسون أعمالاً مضنية تسبب لهم الأمراض المزمنة. هؤلاء يُمنعون من دخول المدينة وتحرق بيوتهم باعتبارهم مصدر الوباء، فيضطرون إلى سكن الكهوف الجبلية طلباً للأمان، ويتقاتلون في الوقت نفسه فيما بينهم على الفتات.
وفي المقابل، ترسم الرواية صورةً مغايرة تماماً للطبقة الأرستقراطية التي تنعم بالثراء والترف، قصور فخمة وحدائق غنّاء تزخر بالطيور النادرة والحيوانات الغريبة، وموائد مترفة تفيض بشتى أنواع الطعام، وحفلات صاخبة تقام للهو والمباهاة، في مفارقة طبقية صارخة تعمق من البعد الاجتماعي والسياسي.
اضطهاد النساء
تكشف الرواية عن توجه واضح في إبراز الاضطهاد الذي تعرضت له النساء في تلك الحقبة، سواء من حيث ظروف العمل القاسية، ومنها غسل ملابس سكان المدينة في مياه الأنهار الباردة شتاءً، مقابل أجور زهيدة، بالإضافة إلى التمييز العنصري الذي يلاحقهن. ويظهر السرد تعاطفاً إنسانياً واضحاً مع العاهرات لكونهن ضحايا عالم قاس تحكمه الحاجة والظلم الطبقي. حتى بطلة الرواية، "لوثيا" المراهقة، يجبرها الواقع على العمل في أحد بيوت الدعارة طلباً للمال اللازم للهروب من المدينة والجماعة السرية التي تطاردها.
تدين الرواية ما تطلق عليه الطقوس القروسطية الوحشية التي تقوم على التضحية بالفتيات، استناداً إلى خرافة تزعم أن شرب دم الحيض الأول للفتاة، يشفي من الكوليرا، مما يعكس توظيف الخرافة والدين في السيطرة والقتل. تظهر الرواية كيف استخدمت "آنا كاستيلار" هذه الأسطورة وسيلةً لتنفيذ أهدافها السياسية، إذ جعلت من تلك الطقوس ستاراً لقتل الكارليين الذين تمكنوا من التسلل إلى الجماعة السرية، عبر تسميم الدماء بالزرنيخ، وهو ما نجحت فيه إلى أن جاءت نهايتها على يد لوثيا: "لم تجرحها لوثيا بشظية من زجاج المرايا ولا النوافذ المحطمة. لقد غرزت فيها شظية من القاروة المكسورة، قاروة د كلارا والسم الذي أذابته فيها بنفسها".
تعريب الأماكن
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن ترجمة محمد الفولي لهذه الرواية، فازت، بجائزة جابر عصفور للعام 2023 – 2024، من المركز القومي للترجمة في مصر. ويلاحظ أن الفولي عمد إلى تعريب أسماء الأماكن والشوارع عبر ترجمتها إلى معانيها العربية، مبرراً ذلك بأنه يساعد القارئ على تذكّرها بسهولة، ويسهم في نقله ذهنياً إلى الفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث. فمثلاً ترجم اسم "حانة تراغانينيوس" إلى "حانة ملتهم الأطفال"، في محاولة لخلق جو قريب من روح النص الأصلي ومعناه. مع ذلك، فإن بعض هذه الترجمات كان يحتاج إلى قدرٍ أكبر من الضبط الدلالي، مثل عبارة "مسرح التخييل بالأوهام"، إذ إن كلمة التخييل في العربية تحمل أصلًا معنى الإيهام، ولا تحتاج إلى هذا التوكيد الإضافي، مما جعل الصياغة تبدو أقرب إلى الترجمة الحرفية منها إلى المقابل الأدبي الطبيعي.