ملخص
مع تراجع الضمانات الأميركية وتصدعات "الناتو"، يجد بوتين اللحظة مثالية لاختبار دفاعات أوروبا الهشة، مستفيداً من الانقسام السياسي والاعتماد المفرط على واشنطن، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التصعيد وتلوح في الأفق أخطار حرب قد تمتد إلى قلب القارة.
عندما يقول فلاديمير بوتين إنه "مستعد" للحرب مع أوروبا، فإنه يعني ما يقول.
تثير كثرة النقاشات حول المحادثات بين فريق دونالد ترمب وبوتين انطباعاً بأن الأميركيين إما سيضغطون على أوكرانيا لقبول صفقة ترضي الكرملين، أو أن الحرب ستستمر بلا نهاية، لكن لا ينبغي تجاهل خيار ثالث: خطر توسع رقعة الحرب.
حاولت العقوبات الغربية خنق صادرات النفط الروسية لاحتواء تمويل جهود بوتين الحربية، لكن جهاز الاستخبارات الأوكراني "أس بي يو" شن حملة تخريب ضد الشحن الروسي بعيداً من ساحل أوكرانيا على البحر الأسود. وقد يؤدي استهداف "أسطول الظل" الروسي من ناقلات النفط في بحر البلطيق والبحر الأسود إلى انتقام روسي من دول ساحلية مثل الدنمارك أو رومانيا، اللتين تقدمان أيضاً كثيراً من المساعدات لأوكرانيا.
وضربت الطائرات المسيرة والصواريخ الروسية الجانب الروماني من الحدود الأوكرانية، في محاولة من موسكو لخنق التجارة عبر نهر الدانوب إلى الموانئ الأوكرانية هناك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مع غياب أي اتفاق سلام، وابتعاد أميركا في عهد ترمب من دعم الحلفاء بصورة واضحة، يتصاعد خطر أن ترى روسيا فرصة لترهيب دول مثل رومانيا أو الدنمارك، أو حتى مهاجمتها. فالدنمارك، بطبيعة الحال، تتحكم بالممر الذي يربط بحر البلطيق بالمحيطات العالمية أمام البحرية الروسية وصادراتها النفطية، لكنها تبني أيضاً مصنعاً لإنتاج وقود الصواريخ لصالح صواريخ أوكرانيا، مما يجعلها هدفاً محتملاً للتخريب.
وربما تكون موجة مشاهدة الطائرات المسيرة الأخيرة في شمال أوروبا مجرد هوس حربي تقليدي، لكن للأسف، قد تكون مقدمة لعمليات تخريب روسية فعلية، فالكرملين يقيم ردود فعل أوروبا الغربية.
وهو يعلم أن الردع الأوروبي كان دائماً يعتمد على توقع أن واشنطن ستقف إلى جانب حلفائها على هذا الجانب من المحيط الأطلسي، إذا ما تحركت القوات الروسية غرباً.
ومن دون ضمانات أميركية موثوقة لكل حليف أوروبي في حلف "الناتو"، قد تتحقق رغبة روسيا في اختبار دفاعات دول البلطيق الضعيفة عددياً، أي أستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وجميعها أعضاء في حلف "الناتو".
وقد أثار وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قشعريرة في أوروبا عندما قال "لقد بدأ بوتين الآن في شن غارات على حدود حلف ’الناتو،‘ الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أقوله لكم هو أن الولايات المتحدة لن تتدخل بقواتها أو أي شيء من هذا القبيل، سنبيع الأسلحة للأوروبيين".
وكان تغيب ماركو روبيو عن قمة حلف "الناتو" في بروكسل يوم الأربعاء الماضي، دليلاً آخر على ازدراء واشنطن الرسمية لحلفائها.
أي شخص يعتقد أن البند الخامس الشهير من ميثاق حلف "الناتو" يفرض رداً عسكرياً جماعياً على أي عدوان روسي ضد أحد الأعضاء أن يعيد التفكير في الأمر، فإذا كان الردع النووي الأميركي محصوراً داخل أراضيه، ألا تصبح الترسانة النووية الروسية خياراً فعالاً ضد جيرانها غير النوويين؟
التصدعات عبر الأطلسي تعرض أعضاء "الناتو" الأوروبيين للخطر، لكن جزءاً كبيراً من ضعفهم ناتج من الاعتماد المفرط على الضمانات الأميركية، وكذلك على تزويد الولايات المتحدة لهم بأسلحة جديدة لتعزيز قواتهم المسلحة.
وعلى رغم مرور نحو أربع سنوات من الخطاب الصارم في شأن التهديد الروسي، شهدت دول مثل بريطانيا تقلصاً في قوتها النارية منذ عام 2022، بعدما أرسلت معدات عسكرية إلى أوكرانيا، لكنها فشلت في استبدالها بالسرعة المطلوبة، ناهيك ببناء ترسانات أسلحة. وقد زادت بولندا إنفاقها الدفاعي وعدد قواتها، لكن جيرانها من الدول الشيوعية السابقة، مثل دول البلطيق، هي دول صغيرة جداً بحيث لا يمكنها تجهيز قوة ردع فعالة خاصة بها.
أما دول أخرى، مثل سلوفاكيا والمجر، فلديها حكومات ترى أن كييف، وليس الكرملين، هي المشكلة. وقد يدفع ذلك بوتين إلى اختبار عزم الحلفاء، ومحاولة استغلال الثغرات.
ومع تصاعد الصراع بين أوكرانيا وروسيا إلى ما هو أبعد من خط المواجهة في حربهما، فإن خطر انتشار حرب أوسع نطاقاً في أوروبا هو خطر حقيقي. دعونا لا ننس أبداً أن بوتين أخطأ في تقديره في فبراير (شباط) 2022 عندما اعتقد أن بإمكانه شن عملية سريعة ومحدودة، وأن في وسعه أن يقرر متى يوقفها، فالحروب تسلك مسارها الخاص ولا تلتزم بخطة رئيسة محددة.
© The Independent