Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أمراض الحروب تحاصر أهالي غزة والوضع "شنيع"

القطاع تحول إلى حاوية ضخمة تتطاير منها أمارات الكارثة الصحية ومقدماتها المؤكدة

أطفال فلسطينيون نازحون يتجمعون لتناول الإفطار بمخيم للاجئين في رفح بجنوب قطاع غزة (أ ف ب)

هذا الصحن البلاستيكي الكبير المحمل بعشرات الزجاجات البلاستيكية الفارغة تنتظر مصدراً ما يملؤها بماء للشرب والاستحمام وتجهيز وجبة بسيطة للصغار رمز من رموز التصدي والتحدي في غزة، لكنه أيضاً مقدمة شبه مؤكدة لتوليفة من التهاب الكبد والدماغ والمعدة والأمعاء والأميبا والإسهال والكوليرا والقائمة طويلة.

وهذه الملابس المعلقة فوق بعضها بعضاً على أسوار المدرسة التابعة لـ"أونروا" حيث تحتمي آلاف الأسر، مثال حي على مأساة تهجير آلاف المدنيين قسراً، لكنها أيضاً أرض خصبة للالتهابات الجلدية والفطريات والجدري والتيفوس.

قمامة وحرب ضروس

وتلال القمامة المتصاعدة في أركان الشوارع حيث جهود جمعها بعربات تجرها الحمير بعد نفاد الوقود تبدو أقل الأضرار الناجمة عن حرب ضروس، لكن كونها أقل ضرراً لا يعني أنها لا تسبب حزمة من الأمراض المتمثلة في السل والالتهاب الرئوي والإسهال والكزاز والسعال الديكي المرتبطة كلاسيكياً بتراكم القمامة.

أما تراكم الجثامين فوق الأرض وتحت الأنقاض وفي برادات المثلجات والمرطبات بعدما امتلأت ثلاجات المستشفيات أو توقفت عن العمل بعد نفاد الوقود، فرسالة مفتوحة إلى ضمير العالم المكتفي بالاستنكار والتنديد، أو التفاوض حول الهدن الموقتة والعدد المثالي للقتلى المدنيين، لكنه أيضاً كارثة بيئية وصحية تدق أبواب غزة بكل قوة.

وتظل آلاف الجثامين تحت أنقاض مئات المباني التي جرى قصفها ودكها وحالت الظروف وشح الإمكانات دون انتشالها، وإضافة إلى الضرر النفسي البالغ لأهل المفقودين تحت الركام، فإن ترك هذه الجثامين أسابيع وربما أشهراً من دون دفن سليم، أو حتى غير سليم، يهدد بكارثة إضافية.

غزة تحولت مع دخول حرب القطاع شهرها الثاني إلى حاوية ضخمة لا "تنذر" أو "تهدد" أو "تلوح" بأخطار صحية، بل تتطاير منها أمارات الكارثة ومقدماتها المؤكدة.

المؤكد حتى اللحظة أن نقص الوقود، وفي أحوال كثيرة نفاده، أدى إلى إغلاق محطات تحلية المياه، مما ضاعف أخطار انتشار العدوى البكتيرية مثل الإسهال، في ظل اعتماد كثيرين على شرب المياه الملوثة، بحسب منظمة الصحة العالمية.

كذلك أسفر نقص الوقود عن تعطيل جميع أعمال جمع النفايات الصلبة، مما خلق البيئة المواتية للانتشار السريع وواسع النطاق للحشرات والقوارض، وجميعها ناقل سريع ومؤكد للأمراض، ناهيك عن أنها وسيط لقائمة طويلة من الأمراض.

بوادر أمراض الحرب

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإنه منذ منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تم الإبلاغ عن نحو 34 ألف حالة إسهال أكثر من نصفها بين الأطفال أقل من خمس سنوات، علماً أن متوسط الإصابة في غير أحوال الحرب لم يكن يتجاوز ألفي إصابة شهرياً للأطفال.

وتم الإبلاغ عن نحو 9 آلاف إصابة بأمراض جلدية مثل الجرب وتلك الناجمة عن حشرات الرأس وأكثر من ألف إصابة بجدري الماء ونحو 13 ألف إصابة طفح جلدي وحوالى 55 ألف إصابة بعدوى في الجهاز التنفسي.

هذه الإصابات وغيرها تعني أن التحذير من تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية في غزة مع تصاعد الحرب وعدم التزام أدنى القواعد المعمول بها أو المنصوص عليها في القوانين الدولية المتعلقة بالصراعات والحروب والخاصة بسلامة المدنيين، انتقل من مرحلة التوقع إلى الحدوث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما يحدث في الحروب من كوارث صحية تضرب المدنيين أمر معروف ومدون عبر مئات الأعوام، فيتقدم العلم وتتقدم الحروب ويتقدم كذلك البحث العلمي الخاص بتدوين أمراض الحروب، إذ تشير دراسة عنوانها "الرفيقان المميتان: الحروب والأمراض المعدية" المنشور في دورية "لانسيت" العلمية للباحثين ماير كونلي وديفيد هايمان إلى أن الصراع يعزز العوامل التي تؤدي إلى زيادة نسب الإصابة بالأمراض المعدية، لا سيما في حالات حدوث نزوح جماعي للسكان والاكتظاظ في أماكن ضيقة وشح أو غياب المياه النظيفة وانهيار أنظمة الصرف الصحي وسوء التغذية، إضافة إلى المتوقع في حالات الصراع وهو انهيار أنظمة الصحة حين يتم تدمير البنى التحتية للمرافق الصحية من مستشفيات وغيرها، وبذلك انهيار الصحة العامة برمتها.

وتوضح الدراسة أن انتقال أعداد كبيرة من السكان فجأة تحت وطأة الحرب للاحتماء بأماكن موقتة عادة تكون محدودة المساحة مقارنة بالأعداد النازحة، من شأنه أن يضاعف معدلات الوفيات الخام (التي لا تأخذ في الاعتبار الفروق الناجمة عن النوع والعمر) 60 مرة مقارنة بالمعدلات في الأحوال العادية.

لا مفر من التكدس

وإذا كانت الحروب المعتادة تؤدي إلى تفرق المدنيين الذين نزحوا من بيوتهم، ولجوئهم إلى ملاذات آمنة أو شبه آمنة في مناطق متفرقة ومتباعدة، سواء في داخل حدود وطنهم أو خارجها، فإن حروباً أخرى تجبر المدنيين على التكدس في مناطق محدودة المساحة، وهذه الأخيرة تنطبق على حرب القطاع.

وبرامج الوقاية والسيطرة على الأمراض "تضعف" في الحروب، وفي حال غزة تتوقف تماماً والأسباب كثيرة، فالقطاع محاصر من قبل إسرائيل منذ أطاحت حركة "حماس" حركة "فتح" وسيطرت عليه عام 2007، وهذا الحصار المفروض على قطاع لا يزيد طوله على 40 كيلومتراً وعرضه على 9.5 كيلومتر على مدى 17 عاماً، أثر سلباً في غذاء وسكن وعمل وتعليم سكان غزة الذين زاد عددهم من 1.4 مليون فلسطيني في 2007 ليصل إلى ما يزيد على 2.2 مليون شخص عام 2023.

وظل القطاع الصحي طوال هذه الأعوام يعاني التدهور ونقص الإمكانات، وبحسب تقارير عدة صادرة عن منظمة العفو الدولية على مدى سنوات الحصار، عانى القطاع الصحي في غزة نقص المعدات والمواد الطبية، وأدى إغلاق المعابر من قبل إسرائيل إلى اضطرار غالبية المصابين بأمراض لا يمكن علاجها في القطاع إلى تقديم طلبات للحصول على تصاريح مغادرة لتلقي العلاج إما في مستشفيات أجنبية، أو في مستشفيات الضفة الغربية.

وتشير التقارير إلى تعمد السلطات الإسرائيلية تأخير أو رفض منح هذه التصاريح، مما أسفر عن زيادة أعداد الوفيات، وكذلك دأب موظفو الحدود الإسرائيليون على إعادة الشاحنات المحملة بالمواد الطبية الذاهبة إلى مستشفيات غزة من حيث أتت، وذلك من دون إعطاء أسباب.

حرب قبلها حصار

كان هذا وضع القطاع الصحي قبل اندلاع حرب القطاع، وهو الوضع الذي كثيراً ما جرى تسليط الضوء عليه كلما اندلع صراع في غزة على مدى الأعوام الماضية، لكن نزاعات غزة جميعها في كفة، والحالي بآثاره الصحية في كفة مختلفة قلباً وقالباً.

القوالب القانونية الأممية الخاصة بالحروب تشير إلى أنه "لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى والعجزة والنساء النفاس، وعلى أطراف النزاع احترامها وحمايتها في جميع الأوقات" ("اتفاقية جنيف" في شأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، 1949).

وكل البنود والنصوص المندرجة تحت بنود القوانين الدولية والإنسانية والخاصة بأوقات الصراع والحروب لا تختلف على حقوق المدنيين، وفي القلب منها المستشفيات المدنية، و"اتفاقية جنيف" الموقع عليها من قبل الطرفين المتصارعين تنص في مادتها رقم 18 على أنه "لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى والعجزة والأمهات هدفاً للهجوم، لكن يجب احترامها وحمايتها في جميع الأوقات من قبل أطراف النزاع".

 

لكن ما يجري في حرب القطاع من استهداف لمستشفيات وما يحيط بها لم يلقِ بآثاره المميتة على المرضى والجرحى في هذه المستشفيات فقط، لكنه وضع آلاف العائلات الفلسطينية التي لجأت إلى ردهات هذه المستشفيات هرباً من بيوتها المعرضة للقصف في موقف أقل ما يمكن أن يوصف به هو بـ"الشنيع".

شناعة شح الإمدادات والمعدات الطبية ونفاد الوقود في غالبية مستشفيات غزة، وما ينجم عن ذلك من ارتفاع أعداد موتى الأطفال الخدج والمرضى والجرحى الموضوعين على أجهزة التنفس الاصطناعي وغيرها، لا تنافسها في الشناعة سوى الأخطار الصحية الناتجة من ذلك لـ"الأصحاء".

"أصحاء" غزة في المستشفيات

"أصحاء" غزة يفقدون طوال اليوم قدرتهم على الاحتفاظ بهذه "الصحة". أصحاء غزة ممن بقوا على قيد الحياة، ولجأوا إلى المستشفيات وباحاتها وردهاتها للإقامة على أرضياتها كانوا قبل استهداف المرافق الصحية بصورة مكثفة ومنظمة يعانون شبح الأمراض الناجمة عن التكدس وسوء التهوئة وشح الغذاء والمياه الصالحة للشرب وإمكانات وأدوات النظافة الشخصية.

كذلك تتصاعد أخطار الإصابة بالأمراض الناجمة عن تلوث الهواء مثل السل الذي ينتقل في المجتمعات المغلقة سيئة التهوئة من خلال الرذاذ المتطاير بفعل السعال والعطس.

المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (أونروا) فيليب لازاريني وصف وضع الظروف الصحية والنظافة الشخصية بـ"المروعة"، وقال إنه في بعض أماكن النزوح "يتقاسم مئات الأشخاص مرحاضاً واحداً".

في المستشفى خيام ونازحون

في محيط وطرقات وردهات مستشفى ناصر في خان يونس قبل تكرار استهداف القصف الإسرائيلي له خلال الأيام الأخيرة، كانت هناك مئات العائلات التي نصبت خياماً أو أقامت حواجز من المفروشات المنزلية بحثاً عن بعض الخصوصية، والخيمة الواحدة الصغيرة كانت تؤوي 40 و50 وربما 60 شخصاً، لكن لا الخيام أو المفروشات حققت الحماية من أمراض التكدس وانعدام المياه النظيفة والصرف الصحي الآمن، وبالطبع لم تقيهم من شرور القصف.

أميرة (44 سنة) قالت لوكالة الصحافة الفرنسية وهي جالسة على الأرض تعد شطائر لصغارها على موقد بدائي "نشعر بحكة في أجسامنا! لم نستحم منذ أسبوع"، مضيفة "الموت رحمة لنا".

 

مرت أسابيع على ما قالته أميرة، ولا يعتقد بأن أوضاعها وصغارها تحسنت أو تغيرت، بل غالب الظن أنها ساءت، لا سيما أن المستشفى تعرض للقصف ما لا يقل عن أربع مرات، والروائح الكريهة لم تعد مصادرها تقتصر على الأكياس السوداء المليئة بالفضلات والقمامة، وكذلك جثث القطط والكلاب على الأرصفة المحيطة بالمستشفى، بل اتسعت رقعتها وزادت محتوياتها.

محتويات إضافية مميتة في محيط مستشفى الشفاء الذي يصفه مراسلون بـ"الكابوس الشنيع"، وهي محتويات لا تنذر بأمراض ربما تحدث، بل بكوارث صحية ستحدث، إضافة إلى التأكيدات المتواترة من قبل الطواقم الصحية العاملة في المستشفى والبيانات المستمرة الصادرة عن وزارة الصحة في غزة وكذلك مسؤولي القطاع الصحي في السلطة الفلسطينية عن توقف قدرة المستشفى على تقديم أي خدمة طبية بسبب انقطاع الكهرباء ومحاصرة المستشفى بصورة كاملة من قبل الدبابات الإسرائيلية.

محيط المستشفى "ساحة حرب"

وزارة الصحة في غزة تقول إن محيط المستشفى "ساحة حرب" و"الظروف التي يعيشها المرضى فيه لا يمكن وصفها".

أما ما يمكن وصفه، فعبّر عنه مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس الذي قال على منصة "إكس" عقب عودة التواصل بين المنظمة والعاملين في مستشفى الشفاء "المستشفى للأسف خرج عن الخدمة".

وعلى هامش خروج مزيد من المستشفيات عن الخدمة، يخرج كذلك عشرات المواليد الخدج عن الحياة بعد توقف عمل الحضانات، ومعهم أعداد متزايدة من المرضى، لا سيما الحالات الحرجة التي تتطلب أجهزة طبية لم تعد تعمل نظراً إلى نفاد الوقود.

وكأن كل هذه المآسي الصحية لا تكفي، فتكدست جثامين من قضوا في القصف والمرضى الذين يتوفون نتيجة توقف قدرة المستشفى على تقديم الرعاية الصحية، في داخل المستشفى وخارجها، ولم تعد المشكلة صعوبة نقل الجثامين إلى المساجد للصلاة عليها قبل دفنها، بل باتت المعضلة دفن الجثامين من الأصل، سواء لأسباب أمنية خوفاً من القصف، أو لأن عائلات بأكملها قضت وليس هناك من يتسلم جثامينها.

تكدس الجثامين

مشاهد تكدس الجثامين لا تقتصر على مستشفى الشفاء فقط، لكنها متكررة في مستشفيات عدة سواء التي خرجت عن الخدمة أو تلك الباقية فيها، وعلى عكس ما يعتقده كثيرون بأن كثرة الجثامين تسبب كارثة صحية مؤكدة، فإن معلومات الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الصحة تخفف من روع وهلع المجتمعات المحلية المتضررة عبر معلومات منشورة تحت عنوان "جثث قتلى الكوارث الطبيعية والنزاعات والأخطار الصحية".

تشير المنظمات الثلاث إلى أنه "حين يلقى كثير من الناس مصرعهم بفعل الكوارث الطبيعية أو النزاعات المسلحة، يولد وجود هذه الجثث قلقاً لدى المجتمعات المحلية المتضررة، وقد تعمد بعض هذه المجتمعات إلى دفن الجثث بسرعة كدفنها في مقابر جماعية مثلاً، ساعية إلى التعامل وإن جزئياً مع هذا القلق، أو لأنها تخشى أحياناً من أن تشكل هذه الجثث تهديداً للصحة".

سوء إدارة الجثث

المنظمات الثلاث تحذر من أن هذا النهج قد يلحق الضرر بالسكان، في إشارة إلى أن سوء إدارة الجثث ربما يسبب اضطرابات نفسية طويلة الأمد لأفراد العائلات، ناهيك عن مشكلات اجتماعية وقانونية. وتؤكد المنظمات أهمية الإدارة السليمة لعمليات الدفن التي تشمل استخدام مقابر فردية موثقة بصورة جيدة ويسهل تعقب مكان وجودها، وتكون في مواقع دفن محددة بعلامات واضحة، ويسمح ذلك بمعرفة الموقع المحدد لكل جثة والمعلومات والمقتنيات الشخصية المرتبطة بكل منها.

وتؤكد المنظمات أن جثث الأشخاص الذين توفوا بعد إصابتهم بجروح في كارثة طبيعية أو نزاع مسلح لا تشكل خطراً صحياً على الأحياء إلا في ما ندر وفي حال جرى اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وتستثنى من ذلك الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية، أو وقوع الكارثة في منطقة تتوطن فيها أمراض معدية.

لكن يبدو أن الوضع في حرب القطاع له خصوصية مؤسفة، إذ إن  التكدس يرافقه خوف من الاستهداف أثناء الدفن، إضافة إلى مجموعة من الأسباب بينها وجود كم كبير من الأشلاء لا تُعلم هوية أصحابها.

مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش قال في تصريحات صحافية إن عشرات الجثث تتراكم من دون إمكان دفنها حتى في مقابر جماعية بسبب الاستهداف الإسرائيلي بالقصف، مشيراً إلى أن كلاباً ضالة دخلت ساحة مستشفى الشفاء ونهشت بعض أجساد الموتى التي تنتظر على أمل الدفن.

وبين الأحياء من ينتظر هدوء الحرب على أمل الاستحمام، أو تناول وجبة ساخنة، أو شرب كوب ماء محمود العواقب، وهناك مقاطع مصورة عدة لمراسلين ومراسلات وصناع محتوى من الشباب في غزة تحمل قدراً من الأحلام التي يعبرون عنها بين جد الحرب وهزل الواقع. فالغالبية حصرت أحلامها في ليلة نوم من دون انتظار القصف أو الموت، أو مياه صالحة للشرب، أو حمام نظيف للاغتسال، أو قضاء الحاجة من دون أن يكون هناك ألف شخص يطرقون الباب، في حال وجود باب.

الوضع مقلق للغاية

وتقول منظمة الصحة العالمية إن الوضع مقلق للغاية، لا سيما في ظل وجود أكثر من مليون ونصف مليون نازح تعيش غالبيتهم في ملاجئ شديدة الازدحام، ولا تتوافر فيها فرص استخدام مرافق النظافة الشخصية والمياه المأمونة، مما يزيد من خطر انتقال الأمراض المعدية".

يشار إلى أن كلاً من "أونروا" ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة تعمل على توسيع نطاق نظام مرن لترصد الأمراض في عدد من هذه الملاجئ والمرافق الصحية، وسجل هذا النظام اتجاهات حالية للمرض تبعث على القلق البالغ.

ففي داخل المرافق الصحية، أدت الأضرار التي لحقت بشبكات المياه والصرف الصحي وتناقص مستلزمات التنظيف إلى استحالة التزام التدابير الأساسية للوقاية من العدوى ومكافحتها، وهذه التطورات تفاقم خطر العدوى الناجمة عن الإصابات الشديدة والجراحة ورعاية المصابين بالجروح والنساء عقب الولادة.

للحوامل والفتيات قصة إضافية

وللولادة والأمهات في غزة قصة طبية أخرى تضاف إلى الأخطار الصحية التي يتعرض لها كل أهل غزة، ألا وهي شح خدمات التوليد التي تتجه نحو التوقف التام.

المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان في منطقة الدول العربية ليلى بكر تقول لـ"اندبندنت عربية" إن القصف المتكرر والمستمر للمرافق الصحية ومستويات النزوح الكبيرة وانهيار إمدادات المياه والوقود والقيود المفروضة على الوصول للغذاء والدواء تؤدي إلى تعطيل الخدمات الصحية للأمهات والأطفال حديثي الولادة بصورة كبيرة جداً.

يشار إلى وجود نحو 50 ألف امرأة حامل في غزة، وفي كل يوم تلد 180 امرأة، ويرجح أن 15 في المئة منهن يعانين مضاعفات الحمل أو الولادة ويحتجن رعاية طبية.

وتقول بكر إنه في ظل الأوضاع المزرية الحالية، فإن هؤلاء النساء غير قادرات على الوصول إلى خدمات التوليد الطارئة التي يحتجن إليها للولادة بأمان ورعاية أطفالهن حديثي الولادة، مضيفة أن بعض النساء "تضطر إلى الولادة في الملاجئ، أو في منازلهن، أو في الشوارع وسط الأنقاض، أو في مرافق الرعاية الصحية المكتظة التي تشهد بدورها تدهوراً سريعاً مع خروج كثير منها عن الخدمة. كل ذلك يفاقم أخطار الإصابة بالعدوى والمضاعفات الطبية".

 

قائمة الأخطار التي تتعرض لها المرأة الحامل أو التي تلد في الظرف الراهن لا تقف عند حدود الإصابة بعدوى، لكن احتمالات الإجهاض أو الولادات المبكرة أو ولادة طفل ميت وغيرها عالية جداً، إضافة إلى أن حاجات المرأة الحامل الغذائية وبينها الحصول على ثلاثة ليترات مياه صالحة للشرب يومياً بمثابة رفاهية مفرطة.

ومن المتوقع أن تزداد وفيات الأمهات بسبب عدم إمكان الحصول على الرعاية الكافية وللأضرار النفسية الناجمة عن الأعمال العدائية عواقب مباشرة، ومميتة في بعض الأحيان، على الصحة الإنجابية، بما في ذلك ارتفاع حالات الإجهاض الناجم عن الإجهاد وحالات الإملاص والولادات المبكرة.

حتى الرضاعة الطبيعية للمواليد الجدد صارت في مرمى الحرب. وتقول بكر إن الأوضاع الصحية والغذائية والنفسية جعلت عدداً من النساء غير قادرات على إرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية، والأدهى من ذلك اضطرار الأطباء إلى إجراء عمليات الولادة القيصرية من دون تخدير!

وتوضح أنه حتى في الحالات التي تحظى امرأة بولادة في مستشفى لم تخرج عن الخدمة بعد، فإنه يتم إخراج الأم ووليدها بعد ساعة أو ساعتين من المستشفى لاستقبال الإصابات الخطرة في صفوف الجرحى جراء استمرار القصف.

وتتحدث عن "عدة الأم الحامل للولادة" و"عدة المولود" اللتين تحويان معدات بسيطة يمكن استخدامها في الولادة وللمولود للتعقيم وقطع الحبل السري وغيرها، ولكن نظراً إلى تعذر الاتصالات والانتقالات، يتعذر توصيلها إلى النساء الحوامل.

كذلك سلّم الصندوق وزارة الصحة في غزة كمية من الأدوية الحيوية المستخدمة لعلاج تسمم الحمل لدى الحوامل.

فتيات غزة وخصوصية مفقودة

الفتيات في غزة أيضاً يحملن عبئاً إضافياً، فتقول بكر إن نزوح هذا العدد المذهل من سكان غزة وتكدس الجميع في مدارس أو ملاجئ أو باحات مستشفيات يضعان الفتيات في مأزق كبير، "فتعاني الفتيات من انعدام الخصوصية وإمكان استخدام حمامات نظيفة، لا سيما في وقت الدورة الشهرية، وبالطبع انعدام فرصة الحصول على فوط صحية أو مسكنات للآلام المرتبطة بهذه الفترة من الشهر. كما يعانين عدم القدرة على الاغتسال، مما يسبب لهن مشكلات صحية وكذلك نفسية، ناهيك عن عدم القدرة على التخلص من الفوط المستعملة، في حال وجدت بطريقة آمنة ولا تسبب لهن إحراجاً. ويصل الأمر ببعض الفتيات إلى اللجوء لأقراص منع الحمل لوقف الدورة، مما يعرضهن لمشكلات صحية أخرى".

يشار إلى أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يرسل إمدادات الصحة الجنسية والإنجابية المنقذة للحياة ومستلزمات النظافة الحيوية للنساء والفتيات إلى غزة، وجرى تسليم ما مجموعه 3000 مجموعة من "مجموعات الكرامة" (مستحضرات صحية للفتيات) إلى الهلال الأحمر المصري تمهيداً لإدخالها وتوزيعها في القطاع، ويجري إعداد مجموعات إضافية.

توقف نظام التعليم

أما الأطفال، فمشكلة أخرى، إذ إن توقف نظام التطعيم الروتيني ونقص الأدوية اللازمة لعلاج الأمراض السارية يفاقمان خطر انتشار الأمراض بسرعة، إضافة إلى محدودية وأحياناً غياب نظام ترصد الأمراض، بما في ذلك قدرات الكشف المبكر عن الأمراض ومواجهتها، وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن ضعف الاتصالات وكثرة قطعها يزيدان من التحديات التي تحول دون القدرة على الكشف المبكر عن الفاشيات المحتملة ومواجهتها.

ويشار إلى أن المصابين بضعف المناعة مثل مرضى السرطان أكثر عرضة لخطر مضاعفات العدوى، ومع عدم كفاية معدات الحماية الشخصية، فإن العاملين في مجال الرعاية الصحية أنفسهم يمكن أن يصابوا بالعدوى وينقلوها لمرضاهم أثناء تقديم الرعاية لهم، إضافة إلى تعطل إدارة النفايات الطبية في المستشفيات بصورة شبه كاملة، مما يزيد من التعرض للمواد الخطرة والعدوى.

عوامل الكوليرا في الأفق

اختصاصي الأمراض الوبائية ورئيس قسم الأمراض الوبائية بوزارة الصحة في غزة غسان وهبة حذر في تصريحات إلى وسائل إعلامية من خطر انتشار الكوليرا، إذ تتوافر كل عوامل تفجره، فالتكدس والتلوث الغذائي وانقطاع مياه الشرب وتلوث الموجود منها وتداخل مياه الصرف الصحي معها، وبالطبع عجز المنظومة الصحية عن مواجهة أو التعامل مع أي تفشي وبائي، سواء الكوليرا أو غيره تجعل الوضع الوبائي على الحافة، ومعها أخطار عودة أمراض كان قد سبق القضاء عليها تماماً.

ويلفت الهلال الأحمر الفلسطيني كذلك إلى الأخطار الإضافية التي يتعرض لها الجرحى في المستشفيات التي لم تخرج عن الخدمة بعد، فنقص الإمكانات وكذلك بديهيات النظافة الشخصية يؤديان حالياً إلى إصابة الجرحى جراء القصف بأمراض أخرى، وتم رصد إصابة بعض الجروح بالديدان.

حين أتمت حرب القطاع يومها الـ36، كانت منظمة الصحة العالمية سجلت 137 هجوماً على مؤسسات الرعاية الصحية في غزة، أسفرت عن وفاة 521 شخصاً وإصابة 686 آخرين، بينهم 16 وفاة و38 إصابة في صفوف العاملين الصحيين أثناء أدائهم لأعمالهم.

المديرون الإقليميون لصندوق الأمم المتحدة للسكان و"يونيسيف" ومنظمة الصحة العالمية طالبوا عبر بيان عاجل مشترك باتخاذ إجراءات دولية حاسمة "الآن" لضمان وقف إنساني فوري لإطلاق النار ووضع حدّ لنزف الخسائر في الأرواح والحفاظ على ما تبقى من نظام الرعاية الصحية في غزة.

أكثر من نصف مستشفيات قطاع غزة أغلق أبوابه، والمستشفيات الباقية التي ما زالت تعمل تعاني ضغطاً مهولاً، ولا تستطيع أن تقدم سوى خدمات طوارئ محدودة للغاية. صحة غزة وأهلها باتوا في مرحلة ما بعد الخطر.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات