Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رومان رولان عن تولستوي: بطولته في أخلاقه

الراهن أملى على المفكر الفرنسي إنجاز سيرة لكاتب روسيا الكبير تضعه على حدة بين البشر

رومان رولان وليون تولستوي (1828 - 1910): البطولة الفلسفية (اندبندنت عربية)

ملخص

يمكننا أن نقول إضافة إلى ما قلناه عن الجزأين السابقين لثلاثية رومان رولان هذه، "حياة بيتهوفن"، و"حياة مايكل أنجلو"، إن "حياة تولستوي" كما يصورها المفكر الفرنسي ليست مجرد مدخل لفهم الكاتب الروسي، بل هو أيضاً نص يكشف كثيراً عن رومان رولان نفسه: اهتمامه بالإنسان، وإيمانه بقدرة الروح على التجدد، ورغبته في العثور على معنى يتجاوز حدود الأدب نفسه، مما يعني أننا في نهاية المطاف أمام ما يمكن اعتباره "رباعية" وليس مجرد "ثلاثية".

هي ثلاثية تتألف مبدئياً من ثلاثة كتب أصدرها المفكر والكاتب الفرنسي رومان رولان، خلال السنوات الأولى من القرن الـ20 متناولاً فيها على التوالي حياة ثلاثة من كبار مبدعي الإنسانية على مر العصور، بيتهوفن، ومايكل أنجلو (في الكتابين اللذين قدمناهما في حلقتين سابقتين من هذه السلسلة) ثم ليو تولستوي في السطور التالية التي بها نختتم تقديمنا للثلاثية، إنما متسائلين في نهاية المطاف عما إذا لم يكن في وسعنا النظر إلى الثلاثية بوصفها رباعية وإن بشكل موارب، كما سنفترض في الختام.

ولئن كنا في المقالين السابقين قد أشرنا بوضوح إلى أن الأسلوب الذي تناول به رولان "حياة بيتهوفن"، ثم "حياة مايكل أنجلو"، يكشف حقاً عن مجرد خوض في الأحداث التي عاشها صاحبا السيرتين أم إننا إنما كنا أمام شكل فكري وروحي معمق من كتابة السير من المؤكد أن رولان لم يكن أول من بدأ في استخدامه مطبقاً على الموسيقي والنحات الكبيرين مبدأ البحث عن البطولة في القلب وليس في الجسد، كعنصر أساس في صناعة وجدان المبدعين ومن ثم في تشكيل وجدان مستمعي أعمالهما ومشاهديها، فإننا في هذا الكتاب الثالث والأخير، عن "حياة تولستوي" هذه المرة، سنخطو مع رولان ومشروعه خطوة أخرى قد تكون مبررنا المميز للانتقال من التحدث عن "ثلاثية" إلى اعتبار هذه الأخيرة "رباعية".

 

في أعماق الحياة الروسية بشكل أو بآخر إذاً، يمكننا أن ننظر إلى "حياة تولستوي" كما دونها رولان في الجزء الأخير من هذه الثلاثية بوصفه واحداً من أهم الأعمال التي تناولت السيرة الفكرية والروحية لأحد أعظم الأدباء الروس ليصدر الكتاب أشهراً بعد رحيل صاحب "الحرب والسلام" و"أنا كارينينا" أي حين كان ذلك الرحيل جزءاً من الأخبار المتداولة في العالم. ومع ذلك فإن رولان لم يعط الراهن اهتماماً كبيراً، بل اتبع الخط ذاته الذي كان قد اتبعه في كتابته "حياة بيتهوفن" متفوقاً على ما كان فعله بالنسبة إلى "حياة مايكل أنجلو"، فلم يقدم سيرة تقليدية تتعقب حياة تولستوي من الميلاد إلى الوفاة وفق خط زمني وحسب، بل كتب عملاً يقترب من التأمل الفلسفي في مزج بين السرد التحليلي والتقييم الأخلاقي، مبرزاً التوترات الكبرى التي شكلت شخصية تولستوي وأعماله.

وهكذا، منذ الصفحات الأولى للكتاب الجديد، يضع رولان القارئ أمام فرضية مركزية مفادها بأن تولستوي لم يكن مجرد كاتب عظيم، بل كان ضميراً أخلاقياً لعصره، رجلاً عاش صراعاً وجودياً مع ذاته ومع من حوله، محولاً هذا الصراع إلى أدب يطاول التجربة الإنسانية بأسرها. ولذلك فإن رولان لا يتعامل مع روايات مثل "الحرب والسلام" و"أنا كارينينا" بوصفها منجزات أدبية فحسب، بل بوصفها مراحل داخل رحلة تولستوي للبحث عن الحقيقة والمعنى.

النفاد إلى الأعماق في نصه هذا، يظهر رولان قدرة لافتة على النفاد إلى أعماق الشخصية، فهو يرى في تولستوي إنساناً موزعاً بين قوتين: أولاهما تدفعه إلى الحياة والتجربة والجسد والرغبة، والثانية تجره إلى الزهد والنزعة الروحية والرغبة في تطهير الوجود من شهواته. وهذا الانقسام الداخلي، بحسب الكاتب الفرنسي، هو الذي أعطى لتولستوي أدبه، وهو الذي عاد وقاده بعد ذلك إلى أزمته الروحية الشهيرة التي شكلت متن كتابه "الاعترافات"، مغيرة نظرته إلى الدين والسياسة والمجتمع.

ويتوقف رولان مطولاً عند علاقة تولستوي بالفلاح الروسي، العلاقة التي يرى فيها البذرة الأولى لتحول الكاتب إلى مفكر اجتماعي. فقد "رأى تولستوي في حياة الفلاح البسيط، نموذجاً للحقيقة التي تاهت عنها الثقافة الأرستقراطية التي نشأ هو فيها. ومن هنا جاء نقده المتصاعد للمؤسسات الكبرى بدءاً من الكنيسة إلى الدولة الخاصة والتعليم الرسمي"، بيد أن رولان لا يقرأ هذا النقد بوصفه تمرداً سياسياً فحسب، بل بوصفه محاولة جذرية لبناء أخلاق جديدة، تقوم على البساطة والإخلاص والعمل.

ولكن على رغم من إعجاب رولان الواضح بمثالية تولستوي الأخلاقية، فإنه لا يخفي التناقضات التي رافقتها. فيشير إلى "حدة مواقفه" وإلى "مطالبته الآخرين بتبني مستوى من الزهد يصعب الوصول إليه"، لكنه لا ينظر إلى تلك التناقضات كنقاط ضعف بل كجزء من الطبيعة البشرية للكاتب الذي لا يتوقف عن خوض صراعاته الجوانية و"ظل حتى لحظاته الأخيرة يحاول التوفيق بين رؤيته الأخلاقية وواقعه الحياتي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجوانب العاطفية مهما يكن من أمر، نعرف أن كتابة رولان تتميز لا سيما كما تتجلى في هذا الكتاب بالذات، بنظرة إنسانية عميقة، ومن هنا نراه يحرص على إبراز الجوانب العاطفية من حياة تولستوي ولا سيما علاقته بزوجته صوفيا التي كانت شريكته في الحياة والإبداع والصراع، وعلاقته بأولاده وحبه للحياة على رغم تقشف تلك الحياة وزهد خطابه هو الذي لا يقدم هذه الجوانب بوصفها تفاصيل جانبية، بل بوصفها عناصر أساسية لفهم تطور شخصية الكاتب الكبير ورؤيته للعالم.

وإلى هذا، لا يفوت رولان أن يضيء جانباً مهماً من إرث تولستوي وهو تأثيره العالمي خارج حدود الأدب. فقد ألهمت كتاباته وأفكاره شخصيات مثل غاندي ومارتن لوثر كينغ، وأسهمت في تشكيل خطاب اللاعنف والمقاومة السلمية. ويؤكد هذا الامتداد العالمي، بحسب رولان، "أن تولستوي لم يكن روائياً روسياً فحسب، بل مفكراً إنسانياً تجاوز زمانه ومكانه".

وعلى أية حال، يمكننا أن نقول في خاتمة هذا الكلام، إن رولان لا يقدم صورة لتولستوي تتسم بالتبجيل الأعمى، ولا بالتفكيك القاسي، بل يقدمها كرؤية متوازنة ترى في الكاتب "إنساناً كاملاً بنواقصه، ومبدعاً رأى في الكتابة وسيلة لاكتشاف الذات وإصلاح العالم".

وهكذا يتحول الكتاب إلى أكثر من سيرة، فيصبح مرآة لحياة روحية كثيفة، وقراءة عميقة لواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية تعقيداً وتأثيراً. ومن هنا يمكننا أن نقول إضافة إلى ما قلناه عن الجزأين السابقين لثلاثية رومان رولان هذه، "حياة بيتهوفن"، و"حياة مايكل أنجلو"، إن "حياة تولستوي" كما يصورها المفكر الفرنسي ليست مجرد مدخل لفهم الكاتب الروسي، بل هو أيضاً نص يكشف كثيراً عن رومان رولان نفسه: اهتمامه بالإنسان، وإيمانه بقدرة الروح على التجدد، ورغبته في العثور على معنى يتجاوز حدود الأدب نفسه، مما يعني أننا في نهاية المطاف أمام ما يمكن اعتباره "رباعية" وليس مجرد "ثلاثية".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة