Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كواليس قمة المناخ تشتعل "كالعادة" فهل تعبرها مصر بأقل الأضرار؟

قمم "كوب" دائماً ما تشهد تفاصيل مثيرة والقاهرة تحتاج حساً مرهفاً للتعامل مع "ترمومتر العلاقات السياسية"

عدم حضور ملك بريطانيا تشارلز الثالث لقمة "كوب 27" صاحبه قدر هائل من القيل والقال (أ ف ب)

يشير كتيب "كيف تنظم كوب (قمة المناخ التي تعقد سنوياً)؟" إلى أن الطريقة المثلى لحل المشكلات اللوجستية هي التمتع بحس مرهف للحساسيات السياسية الخاصة بكل المجموعات المشاركة، ومكتوب في الصفحة رقم 18 في الكتيب الذي أصدرته "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ" لمساعدة الدول التي تعقد فيها قمم المناخ، إن إصدار التأشيرات مسألة بالغة الحساسية ويجب أن يتم التعامل معها بحرص شديد. لماذا؟ لأن بعض الدول ببساطة لا يصدر تأشيرات لمواطني دول أخرى، وبالطبع فإن ضباط الهجرة والجوازات لا يمكنهم تغيير القانون قبل القمة بأيام.

كواليس الإثارة

قبل أي قمة بأيام أو أسابيع تبدأ الكواليس المثيرة بالكشف عن نفسها. هذه سنة القمم. دولة تعترض، وأخرى تمتعض، وثالثة تشترط. وفد يعدل قواعد إقامته في فندق هنا، وآخر يطالب بمنع المصورين وقت وصوله، وثالث يخبر المنظمين "ألا سلام أو كلام مع الوفد الفلاني".

القائمون على أمر القمم والمؤتمرات معتادون على التعامل مع تحولات اللحظات الأخيرة وتقلبات من يجلس إلى جوار من، ومن يتقدم من بحسب "ترمومتر" العلاقات السياسية وقياسات الزلازل الدبلوماسية على مقياس "ريختر" للمصالح، لكن هذه ليست فقط المفاجآت الوحيدة أو المعضلات الفريدة الوارد حدوثها في القمم الكبرى. فلكل قمة مفاجآتها الفريدة وكواليسها المثيرة التي تنافس أعمال القمة الرئيسة في الإثارة والغرابة وأحياناً الحساسية وربما الاستفزاز المقصود أو الناتج من عرض جانبي، و"كوب 27" المتوقع انعقادها في مدينة شرم الشيخ في مصر ليست استثناء.

استثناء تشارلز

استثناء الملك تشارلز الثالث من قاعدة الملكية البرلمانية البريطانية حيث يسود الملك ولا يحكم، ولو في قضية واحدة هي ضمن الأقرب إلى اهتماماته ألا وهي البيئة والمناخ لم يحدث. حتى نصف القرن الذي أمضاه الأمير الذي اعتلى كرسي الملكية وهو في الـ74 من عمره لم يشفع له ليتمكن من المشاركة في "كوب 27"، قمة المناخ الأممية الأهم في العالم التي كان يخطط لها بشغف لولا وفاة والدته الملكة إليزابيث الثانية واعتلائه العرش الذي يحول بينه وبين إبداء رأي أو التعبير عن توجه.

بعد كثير من القيل والقال وقدر غير قليل من التلويح بالحضور والمشاركة وقدر آخر من "الحرج" و"الضبابية"، حسم القصر الملكي الموقف وقال لن يحضر الملك كوب 27.

عدم حضور الملك صاحبه قدر هائل من القيل والقال. هذه المرة القيل لم يكن مصرياً والقال كان مصدره عقر دار قصر باكنغهام.

نصح أخف من أمر

صحيفة "صنداي تايمز" نشرت أن رئيسة الوزراء الجديدة ليز تراس "أمرت" الملك الجديد تشارلز الثالث بعدم المشاركة في "كوب 27"، ويبدو أن "فعل الأمر" دفع القصر إلى الإسراع بإصدار بيان يؤكد فيه أن الملك طلب النصيحة من رئيسة الوزراء وهي نصحته بعدم المشاركة، لكن الصحيفة على ما يبدو كانت تدق على أوتار "الأمر". وجاء في تغريدة على صفحة "ذا تايمز" الرسمية أن "الملك، وهو ناشط بيئي شديد الشغف بقضايا البيئة، تخلى عن خططه لحضور قمة المناخ بعد أن طلبت منه تراس البقاء بعيداً".

بيان القصر لم يهدئ من حدة الإثارة، بل أججها، فقد ذكر القصر أنه "تم الاتفاق على عدم حضور الملك بصداقة واحترام متبادلين". فكالعادة انطلق كل يغني على ليلاه. الداعمون للملك تشارلز والمؤيدون لضلوعه بيئياً ولو بلمسة سياسية في قضايا المناخ والبيئة بالغة الأهمية في ظل كوكب آخذ في الغرق أو الجفاف أو تدهور نوعية الهواء إلى آخر قائمة معضلات البيئة الكبرى.

فريق من المناوئين للملكية والحالمين بالجمهورية البريطانية اعتبروا "نصيحة" رئيسة الوزراء تراس بعدم المشاركة مدعاة أكبر للجمهورية والاستفادة من خبرة الملك وشغفه في مجال البيئة كمواطن بريطاني ناشط بيئياً.

استقطاب حتى في البيئة

بيئة الاستقطاب الشديد مصرياً صنفت ردود الفعل على عدم مشاركة الملك تشارلز إلى ثلاثة فرق، الأول حزين لأن حضور الملك البريطاني كان من شأنه أن يضيف إلى القمة المهمة، لا سيما أنه في زيارته الأخيرة لمصر في نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي تحدث كثيراً عن قضايا الطبيعة والمناخ وأسهب في الإشادة بدور مصر في هذا الشأن وأعرب عن تطلعه الشديد للمشاركة في "كوب 27".

والثاني، وهو المتخصص في الصيد في مياه الحوادث والكوارث وسوء الطالع العكرة، حاول تفسير إعلان عدم حضور الملك القمة في ضوء "القلق العالمي" من وضع حقوق الإنسان في مصر وما يثار بين الحين والآخر حول السماح لحقوقيين بيئيين ومناخيين بالتظاهر على هامش القمة في شرم الشيخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الفريق الثالث، فهو المهتم بالبيئة عن حق، بحيث لا عواطف سياسية تجاه من يحضر القمة ومن لا يحضرها ولا فرحة عارمة في كل مشكلة تتعرض لها القمة من باب الكيد السياسي، هذا الفريق صغير الحجم يرى في عدم حضور الملك تشارلز خسارة كبيرة للقضية. فتشارلز الذي تحدث في مصر قبل نحو عام عن كون القمة فرصة لإعادة التواصل بين الطبيعة والبشر وعلاقتهم بالكوكب، ومناشدته منظمات المجتمع المدني التعاون والمساهمة في علاج المشكلات البيئة، والحكومات لتقديم الدعم والتمويل للتعامل الأمثل مع آثار تغيرات المناخ كان قادراً على إحداث تغيير فعلي في هذه القمة المهمة وذلك حتى لا تكون "مجرد قمة أخرى".

ليست مجرد قمة أخرى

المؤكد أن "كوب 27" لن تكون مجرد قمة أخرى. أجواء الإحماء على أشدها وجهود لفت الانتباه إلى التظاهرات والمسيرات وأنشطة الاعتراض والهتاف والتنديد باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هوامش القمة تدور رحاها منذ أشهر، وهي الرحى التي تشتد وتحتدم مع اقتراب موعد انعقاد القمة.

بيانات التساؤل التي لا تخلو من تنديد مسبق ولوم سابق التجهيز تصدر بين الحين والآخر. منظمات حقوقية تعاود نشر بيانات تحذر من أن القيود المفروضة على حق التظاهر وحرية التعبير من شأنها أن تحرم القمة من مكون بالغ الأهمية ألا وهو مشاركة المجتمع المدني. وعلى رغم  أن مسألة التظاهرات المصاحبة للقمة لا تطرح كثيراً في السياق المصري، إلا أن مصر قد أعلنت قبل أشهر أنها ستسمح بمثل هذه الأنشطة في "مكان مشيد لهذا الغرض".

بعض الخبثاء يلوحون إلى أن قنوات تلفزيونية ومواقع خبرية بعضها إقليمي تدق على أوتار التظاهرات المصاحبة لقمة المناخ وموقف مصر منها باعتبارها "كارثة كبرى" و"خرقاً مريعاً للحقوق" و"انتهاكاً مروعاً للحريات"، وذلك على رغم أن قوانين هذه الدول لا تسمح بالتفكير في تظاهرة، فما بالك بالتظاهر!

تجهيزات خضراء

ويظهر من التجهيزات والترتيبات التي تجري على قدم وساق أن أقصى درجات مراعاة البيئة وأدق إجراءات التنظيم "الأخضر" يتم اتباعها، بحيث تتبع الحكومة المصرية الإجراءات المنصوص عليها في "كيف تنظم كوب؟" بكل دقة. شرم الشيخ موعودة إذاً بأن تكون مدينة خضراء أثناء القمة، وربما بعدها. فهناك منشآت صديقة للبيئة ومناطق خضراء ومبان ذكية وكهرباء من مصادر طاقة متجددة وغيرها من الإجراءات التي ستحسن من نوعية الهواء في مدينة شرم الشيخ بكل تأكيد.

الحالمون تراودهم آمال وأمنيات بأن ينتقل النهج الأخضر المنقي للهواء والمحافظ على البيئة إلى القاهرة التي تنوء بعوادم 2.5 مليون مركبة "مرخصة" من بين 10.9 مليون مركبة "مرخصة" في طول مصر وعرضها.

وبحسب الورقة المنشورة على موقع "البنك الدولي" تحت عنوان "الحد من تلوث الهواء في القاهرة الكبرى يتطلب التحول من استخدام المركبات الخاصة إلى وسائل النقل العام المحسن" (2021)، فإن القاهرة الكبرى (مدن القاهرة والجيزة والقليوبية) تعاني مستويات تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة العالقة، مما يعرض حياة الملايين للخطر ونسبتها تزيد بضعة أضعاف على المستويات الآمنة التي توصي بها "منظمة الصحة العالمية".

وتشير الورقة إلى أنه بحسب بيانات وزارة الصحة والسكان المصرية فإن نحو مليوني مصري سنوياً يسعون إلى العلاج من مشكلات في الجهاز التنفسي تتعلق بتدني جودة الهواء.

حرارة مصر

تغير المناخ يمثل مشكلة حقيقية للكوكب، ومصر ليست استثناء. التوقعات العلمية تشير إلى أن متوسط درجات الحرارة السنوية في مصر سيرتفع بمقدار درجتين مئويتين إلى ثلاث درجات بحلول عام 2050، مما سيؤدي إلى إطالة أمد موجات الحر وزيادة نوبات الجفاف وشدتها.

الطريف أن عدداً من المصريين يتوقعون، على سبيل الدعابة، أن تؤدي "كوب 27" إلى تحسين نوعية الهواء الذي يستنشقونه والمياه التي يشربونها ودرجات الحرارة والرطوبة الخانقة التي يتكبدون عناء ارتفاعها بعد أن تحول خريفهم إلى صيف قائظ.