Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الظهر إلى الجدار" فيلم سوري يفتتح التطبيع الثقافي

بطل منفصم نفسياً وطبيب مضطرب وتمثال محمد الماغوط يصلح للقتل

لقطة من الفيلم السوري "الظهر إلى الجدار" (الخدمة الإعلامية)

ربما هي المرة الأولى التي يتنافس فيها فيلم سوري من إنتاج المؤسسة العامة للسينما (جهة رسمية) في مهرجان دولي مع فيلم إسرائيلي- فرنسي يحمل عنوان "أبو عمر". الفيلم الروائي الطويل الذي يحمل عنوان "الظهر إلى الجدار" للمخرج السوري أوس محمد كان قد افتتح أول عروضه خارج البلاد في المسابقة الرسمية لـ"مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف" في دورته الـ26 في فبراير (شباط) الماضي، من دون أن يحصل على أي جائزة، فيما حصد "أبو عمر" وقتها جائزة أفضل أداء ذكوري لبطله تال بارتوف.

طبعاً مر خبر مشاركة الفيلم السوري إلى جانب فيلم من أفلام "العدو" بصمت وبلا تعليق يذكر حتى ليلة افتتاح عرضه الخاص حالياً في صالة سينما كندي دمر في دمشق، وبحضور رسمي تصدرته وزيرة الثقافة السورية لبانة مشوح، ومدير المؤسسة العامة للسينما مراد شاهين. وكان نوه سابقاً إياد ديفيد، الدبلوماسي الإسرائيلي في مكتب الاتصال في الرباط بهذا الحدث الاستثنائي. وقال معلقاً على المشاركة الإسرائيلية إلى جانب أفلام من مصر وسورية وفلسطين: "لأول مرة يشارك فيلم سينمائي إسرائيلي في مهرجان يقام في المغرب، وفاز بجائزة متميزة، فهنيئاً للمنتجين الإسرائيليين لهذا الفيلم".

على كل حال يروي "الظهر إلى الجدار" عبر سيناريو رتيب حكاية قصي (أحمد الأحمد) الأستاذ الجامعي في كلية الإعلام في دمشق، والذي يجد نفسه متورطاً في اكتشاف ماضي ليث (عبد المنعم عمايري) صديق طفولته الذي أودع في مستشفى للأمراض النفسية، ذلك بعد أن يخبره طبيبه في المستشفى (علي صطوف) بأن رفيق الصبا يعاني فصاماً حاداً جعله يظن أنه نفسه هو الشاعر محمد الماغوط (1934-2006)، فما يكون من الدكتور قصي سوى الوقوف إلى جانب صديقه المريض الذي يصر على نكران شخصيته الحقيقية مردداً مقاطع من قصائد الشاعر السوري الراحل.

البادية السورية

يبدأ الفيلم من مشهد افتتاحي من شتاء عام 2013 لرجلين من حرس الحدود في البادية السورية، يفاجآن برجل منهك القوى يركض نحو حاجزهما النائي في قلب الصحراء، فيقومان بتوجيه السلاح نحوه خوفاً من أن يكون عدواً يريد شراً بهما. بعد هذا التمهيد الحكائي المبتسر ينتقل الفيلم إلى زمن آخر من عام 2019، وهو حضور الطبيب النفسي إلى أحد مدرجات كلية الإعلام، وأخبار الأستاذ المحاضر هناك بأنه الوحيد القادر على فك لغز مريضه الذي وجد بين أوراقه الشخصية صورة تذكارية جمعتهما معاً، عندما كانا في مقتبل الشباب. ومع أن الأستاذ الجامعي يؤكد للطبيب أن أخبار صديقه هذا قد انقطعت عنه منذ عام 2002، وهو زمن انتقال عائلته من بيت في حي التجارة بدمشق إلى حي آخر، إلا أن الطبيب النفساني يصر على ضرورة مجيئه إلى مستشفى الأمراض العقلية بما يشبه استجواباً أمنياً، عن حقيقة علاقته برجل يرفض شخصيته الحقيقية، وينتحل شخصية الماغوط.

يتابع، "الظهر إلى الجدار" ببطء رواية أحداثه التي لا تتطور بسهولة، ومع لقطات عريضة، وأخرى متوسطة وقريبة، وبزوايا تصوير عكست حركة الكاميرا باستمرار نحو الأمام والخلف (مدير التصوير ناصر الركا)، راصدة بدورها الحالات النفسية للأستاذ الجامعي الذي يعاني أيضاً من علاقة معقدة مع خطيبته النحاتة (لين غرة). تبدو هذه فتاة منطلقة ومحبة للحياة، وتعمل في محترفها الكائن في دمشق القديمة على تكوينات نحتية لامرأة عارية موثوقة اليدين، لكن الفنانة الشابة لا تلبث أن تنجر بدورها إلى صدامات مع خطيبها الذي يبدو تقليدياً في حياته، ومنعزلاً في شقته الباردة، فينتقدها على إبراز الجسد العاري في منحوتاتها، ويقبل على مضض دعوتها إلى حانة، فيما تبدو عليه المهارة في التعامل مع صديقه المريض.

وربما كما يصوره الفيلم هنا أكثر خبرة بعلم النفس من الطبيب النفساني ذاته الذي بدت شخصيته أقرب إلى شخصية محقق منها إلى مشرف وطبيب في مستشفى للأمراض العقلية. وهذا ما أوقع الفيلم في تشتيت واضح نتيجة عدم الوضوح في تحديد صفات الشخصيات الرئيسة فيه، وعدم إيجاد التمايز المطلوب فنياً بين أستاذ جامعي منغلق وحاد الطباع مع خطيبته المتحررة، ورحب الصدر ومتفهم لحالة صديقه المصاب بما يشبه هجمة فصام حادة. ليس هذا وحسب، بل يعمل في أحد المشاهد على علاجه على طريقة التداعي الحر وصولاً إلى الصدمة، وتذكيره بشخصيته الحقيقية، مما يستفز طبيبه، ويدفعه إلى تأنيب الأستاذ الجامعي على هذا السلوك الخاطئ مع مرضاه، محذراً إياه من التمادي والتدخل في اختصاصه.

تستمر المغالطات في السيناريو المكتوب، ونفهم ضرورة وجود شخصية النحاتة الشابة بعد أن يقرر الأستاذ الجامعي (الهاوي لعلم النفس) أن يهدي صديقه المصاب بالفصام، تمثالاً رأسياً لمحمد الماغوط أقرب إلى نصب. وهذا أيضاً كان منافياً بقوة لسلوك الشخصية التي كانت تصر طيلة الجزء الأطول من زمن الفيلم (100 دقيقة) على تذكير المريض بشخصيته الحقيقية، ومغاير أيضاً لطبيعة أو أسلوب النحاتة التي نشاهد لها عملاً تجسيدياً رمزياً يكشف خبرتها وتمرسها في فن النحت، ولكن الحبكة (الجهنمية) لسيناريو مخرج الفيلم كانت تحتاج– في ما بدا لاحقاً- إلى تمثال نصفي (التمثال أقرب إلى قالب مفرغ من الجبصين) وذلك كي يستخدمه أحد المرضى من نزلاء المستشفى كأداة للقتل.

تمثال الماغوط

وفي مشهد ختامي يقوم أحد المرضى وقد أكلت الغيرة قلبه نتيجة اهتمام الطبيب ورعايته لليث أكثر منه، بقتل ليث وهو نائم في سريره، وذلك بضربه بتمثال الماغوط على رأسه حتى الموت. ومع أن أحد مشاهد الفيلم أوضح لنا إجراءات التفتيش الدقيقة والصارمة لزوار المستشفى من قبل سكرتيرة الطبيب (سارة بركة)، واحتجاز حتى الهواتف الشخصية للزوار قبل الدخول إلى المصح النفسي، إلا أن السكرتيرة نفسها تسمح- وعلى مرأى من الطبيب ذاته- بإدخال تمثال يذكر المريض بأنه هو فعلاً محمد الماغوط، وكما يسمح بإتمام الحبكة الملتوية طيلة الوقت، كي تتم عملية القتل الدموية باستخدام هذا التمثال، والحصول في النهاية على مشهد لمريض يقتل زميله بواسطة ضربه بتمثال، فيتطاير الدم على أبواب العنبر الأقرب إلى شخصيات "العنبر رقم ستة" لأنطون تشيخوف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مشهد آخر أكثر استفزازاً هو هروب كل من قصي وليث قفزاً من فوق سور المستشفى، بحيث نلحظ تحضير فريق الفيلم لحفر صغيرة كانت معدة مسبقاً على السور كي يستطيع الممثلان الرئيسان في الفيلم الأحمد وعمايري، من تسلق الجدار العالي عبرها، والقفز بعدها إلى خارج حرم المستشفى، ومن ثم الذهاب نحو قبر في قلب الصحراء، وهو القبر الجماعي- كما سيخبرنا الأستاذ الجامعي- لعائلة المريض النفسي. ونعرف أنها قضت في أحداث مدينة عدرا العمالية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2013. الحادثة التي جعلت ليث يهرب من قاتليه، فيما قضى أطفاله وزوجته على يد قوى راديكالية.

أخطاء السيناريو الفادحة لم يلحظها الإشراف الفني (عبد اللطيف عبد الحميد) ولا الإشراف العام (مراد شاهين)، إذ يبدو أنه تحت ذريعة سينما المؤلف تسود عبارة "يحق للمخرج ما لا يحق لغيره"، فتلوى الأحداث، وتتكدس الأخطاء وتتراكم في الروائي الطويل الأول لأوس محمد، الذي يشرف اليوم على ورشة لتعليم كتابة السيناريو في المؤسسة العامة للسينما. المخرج الشاب الذي تجاهل التعريف بفريق فيلمه الفني والتقني الذي كان حاضراً على كراسي صالة الكندي، اكتفى بتوجيه الشكر لمدير المؤسسة ومدير الإنتاج (باسل عبد الله) في خرق صارخ لبروتوكول العروض الافتتاحية، فيما حافظ من حضر من فريق الفيلم على رباطة جأشهم بعد تجاهل مخرجهم حتى ذكر أسمائهم، أو توجيه التحية- ولو شذراً- لجهودهم المبذولة لإنجاح باكورة أفلامه.

ما عدا ذلك يشكل "الظهر إلى الجدار" عنواناً لقطيعة شبه نهائية مع أفلام القطاع العام الذي كان كل من محمد ملص وأسامة محمد ونبيل المالح ورياض شيا وعبد اللطيف عبد الحميد أبرز روادها منذ مطلع الثمانينيات حتى نهاية التسعينيات، لا سيما على صعيد سينما المؤلف.

المزيد من سينما