Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الإفطار الأخير" فيلم سوري يواجه الموت بالأحلام

عبد اللطيف عبد الحميد يكمل مسيرته في سينما المؤلف مطارداً أطياف الراحلين

المواجهة في فيلم "الإفطار الأخير" (الخدمة الإعلامية)

لم يترك عبد اللطيف عبد الحميد مسافة بين الحلم والواقع في فيلمه الجديد "الإفطار الأخير"، فالبنية الزمنية التي اقترحها المخرج السوري في هذا الشريط الذي كتبه ومثل فيه، بدأت من العنوان كعتبة تستلهم من "العشاء الأخير" قصة السيد المسيح مع حواريه، وخيانة يهوذا الأسخريوطي له مقابل ثلاثين قطعة من الفضة. يفتتح الفيلم الروائي الطويل (90 دقيقة، إنتاج المؤسسة العامة للسينما)، أحداثه بمشهد لامرأة شابة رندة (كندا حنا) سرعان ما تخبر زوجها سامي (عبد المنعم عمايري) بأنها سوف تموت هذا الصباح، وأن فطورهما الآن سوف يكون "الإفطار الأخير" لهما معاً.

لا يكترث الزوج لكلام زوجته التي تطلب منه الزواج بأخرى بعد موتها، ويظن أن كلامها ما هو سوى صدى لخوفها من أصوات انفجارات، نسمعها كخلفية سمعية منذ اللقطات التمهيدية. يخرج سامي من البيت ساخطاً على ما قالته زوجته المتشائمة قبيل توجهه إلى مشغله، حيث نتعرف على عمله كخياط لمسؤولين رفيعي المستوى، وكيف أن جميع أبناء الحي الدمشقي الذي يقطن فيه يخطبون وده ليكون واسطة خير بينهم وبين أصحاب السلطة. تنبؤ الزوجة الشابة لا يلبث أن يتحقق بعد سقوط قذيفة على بيت الخياط، الذي يعود من عمله ليرى شريكة عمره ممددة على أرض المطبخ، وقد فارقت الحياة مسربلة بدمائها.

سرد سينمائي

كان من الممكن أن ينتهي الفيلم عند الدقائق العشر الأولى، فالتنبؤ تحقق، والعنوان الذي أحالنا إلى الحدث الرئيس في القصة استوفى مقولته، لكن صاحب "ليالي بن آوى" لا يسلم قياد الأحداث بهذه السهولة، ليتحول السرد السينمائي إلى لعبة من نوع آخر. تطل الزوجة الحسناء من جديد على زوجها، ويحاصره شبحها في أرجاء المنزل، وتلفه ضحكاتها، وتطوقه يداها أينما يمم وجهه، ما يضع الزوج في نوع من الإنكار النفسي لفقدان رفيقة دربه. ومن ثم تبدأ رحلته مع طيفها في الصالة والمطبخ وغرفة النوم، إلى أن يقرر سامي مغادرة البيت، والإقامة في فندق أملاً في الهروب منها. لكن هذا الإجراء لا يبدو ناجعاً، فالزوجة- الطيف سرعان ما تظهر له مجدداً في غرفة الفندق الذي نزل فيه، مكيلة اللوم والعتاب لهجرانه ومحاولة نسيانه لها.

حاول الفيلم الحائز، أخيراً، على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان الإسكندرية في دورته السابعة والثلاثين، أن يضعنا تباعاً داخل مخيلة البطل، دافعاً الشخصيات المساندة إلى ملء فراغ الوحشة التي تحيط بالزوج الأرمل الذي يستجيب، أخيراً، لوصية زوجته الميتة، بالزواج من جمانة (راما عيسى) بعد رحلة يقضيها في الريف مع والد صديقه أبو يوسف (عبد اللطيف عبد الحميد)، حيث يتمتع هذا الأخير بفلسفته الخاصة عن الحياة والموت. لكن سامي يبقى رهينة مقولة صديقه المثقف (كرم شعراني): "إن أصعب رحيل هو من رحل عنك ولم يرحل منك". حكمة تجعله يعود مجدداً للعيش مع طيف امرأته الميتة، ما يخلق مفارقات عديدة بينه وبين شريكته الجديدة، التي يشعر معها بأنه مطارد حتى من صورة زوجته الراحلة على جدار الصالون.

تتداعى الأحداث في قالب كوميدي ساخر إلى أن يقوم أبو فتحي (يوسف المقبل) بتفخيخ سيارة سامي بعبوة ناسفة، منتقماً من خياط المسؤولين بعد أن رفض هذا تلبية طلبه بالتوسط لدى الجهات الأمنية للإفراج عن شقيقه المعتقل. نهاية أحالت المشاهد إلى لقاء جديد بعد الموت، بحيث نشاهد كلاً من سامي ورندة يلتقيان في العالم الآخر إلى مائدة الإفطار الذي تركاه في المشهد الافتتاحي، لكن هذه المرة وقد أصبحا جسدين أثيريين. ولعلها إحالة ربما من عبد الحميد لخلود الحب بعد الموت، وإشارة تتداخل مع الحياة الشخصية لمخرج الفيلم الذي أهدى "الإفطار الأخير" لروح زوجته ومصممة أزياء أفلامه الروسية لاريسا عبد الحميد. يواظب صاحب "صعود المطر" على أسلوب سينما المؤلف التي برز كأحد روادها إلى جانب محمد ملص وغسان شميط ورياض شيا في ثمانينيات القرن الفائت.

سيرة ذاتية وموضوعية

سينما السيرة هذه قاربت بين الذاتي والموضوعي، حيث الفقد موضوع عايشه آلاف السوريين في سنوات الحرب، ومنه استقى عبد الحميد لغته البصرية ذات الشاعرية الخاصة، مبتعداً عن الاستعراض المجاني، ومنسحباً إلى زوايا تصوير ملائمة للحدث. هذا الحدث الذي تابعته عدسة الكاميرا من موقع المتلصص، متيحة للمتلقي العيش نفسياً وعاطفياً مع شخصيات الفيلم، والتماهي مع قصة رومانسية لم تخل من بعض العبارات الخطابية المباشرة، لكنها في العمق وجهت انتقادها الضمني للمؤسسة الأمنية، وغياب القانون، وتفشي المحسوبيات في مواجهة ظاهرتي الفساد والتطرف.

ولعل هذا ما بدا واضحاً في شخصيات رجال الأمن الذين قدمهم الفيلم طوال الوقت مهووسين ببدلاتهم الرسمية، وجعل مقاساتها ملائمة لأجسادهم البدينة، من دون أدنى اعتبار لأحوال الناس البسطاء وظروفهم الشخصية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدا خياط عبد اللطيف عبد الحميد هذه المرة عاجزاً إلا عن خياطة الأكفان والبدلات السوداء، وكتابة عبارات الرثاء على شواهد القبور. فوسط خراب تركته الحرب السورية في النفوس والأماكن يذكرنا "الإفطار الأخير" بشخصية سامر (بسام كوسا) في فيلم "نسيم الروح" 1998 بطل فيلم عبد اللطيف عبد الحميد، الشاب الذي يضحي بحبه لإنقاذ حياة رجل أوصله الحب إلى الانتحار. بين هاتين الشخصيتين يعود بنا المخرج والسيناريست السوري إلى كوادر دافئة للبيوت والأحياء الدمشقية، ومنها إلى جبال اللاذقية، مكرساً الحب كقيمة روحانية، ومعلياً من شأن التسامح والغفران بين ذات البين السوري. لكنه ينصاع في النهاية لمخيلة الحرب، تاركاً للأرواح أن تجد خلاصها في عالم آخر أكثر عدلاً وجمالاً.

من هنا استطاع صاحب "رسائل شفهية" الإخلاص للسينما التي ينتمي إليها، وقد ساندته موسيقى خالد رزق في جعل النقلات المونتاجية بين المشاهد أكثر تعبيراً، متكئاً على لونية هادئة، ومعتمداً على إدارة الممثل في تصوير مشاهد جريئة مع كل من بطليه عبد المنعم عمايري وكندا حنا، اللذين قاما بأداء لحظات مؤثرة أمام كاميرا هذا المخرج الذي ما يزال متمسكاً بكتابة السيناريو لأفلامه، في نبرة لا تخلو من التبشير بالخلاص الأبدي، والركون للروحانيات والأحلام في مواجهة عبثية الحرب وآلامها.

المزيد من سينما