Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب الأوكرانية توقظ "تراشق الأيديولوجيات" والاتهامات متبادلة

تستمر معركة المصطلحات في التأجج والاشتعال بين ابتداع الجديد والتنقيب عن القديم والاستعمارية والإمبريالية والنازية والشمولية أبرز المفردات

وزير الخارجية الأوكراني ديميترو كوليبا في حوار جانبي مع أحد نظرائه الأوربيين في بروكسل (أ ف ب)

ربة البيت المنتمية للبروليتاريا الكادحة حين وصمت جارتها بأنها "برجوازية" التصقت بها التهمة، حتى أصبحت معروفة في الحارة بـ "فوزية البرجوازية". البعض فسر "برجوازية" بأنها ضعيفة الشخصية، والبعض الآخر قال إنها تعني أن فوزية "حرامية".

واشتعلت الخلافات في الحارة بين فريق يعتبر الرأسمالية طريق الخلاص والحل الوحيد للحفاظ على ثروات الأغنياء من حقد الفقراء، وآخر متمسك بتلابيب الشيوعية، لأنها وسيلة المجتمعات لتحقيق العدالة ومحو الفروق بين الطبقات. وكانت النتيجة أن صاحب محل البقالة أطلق عليها تسمية "بقالة الكرملين"، فقاطعه أنصار "البرجوازية" والرأسمالية، ومنهم مَن استخدم وصمة "الكفر" لسكان الحارة المؤيدين للكرملين والشيوعية.

"بقالة الكرملين"

"بقالة الكرملين" تم تدشينها في مشهد هزلي ضمن أحداث فيلم "فوزية البرجوازية" (1985) للمؤلف الساخر الراحل أحمد رجب، وهو الفيلم الذي فاجأ كثيرين بقوائم من المسميات والمصطلحات السياسية والاقتصادية التي تزخر بها دوائر المثقفين وكواليس الساسة وأروقة أنظمة الحكم في الكوكب، يسمعها الملايين ولا يفهمون معناها، وإن فهموها، لا يلقون لها بالاً.

اليوم، يعرف الجميع أن الكرملين هو صانع الأحداث، وهي الأحداث التي صنعت مصطلحات وابتكرت مسميات لم تطرأ على بال أو ترد على خاطر. كما أعادت إحياء مصطلحات أخرى، فأعادت لها الحياة بعدما ظن الجميع أنها صارت تاريخاً يدرسه الصغار في المدارس، لكنه لا يُذكر في نشرات الأخبار أو يُتداول على منصات التواصل الاجتماعي في عام 2022.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"عقيدة مونرو" أو "مبادئ مونرو الأربعة" صارت محل شد وجذب بعد مرور 99 عاماً من الإشارة إليها في الكونغرس الأميركي. في عام 1823، تحدث الرئيس الأميركي حينئذ، جيمس مونرو، الذي كان معارضاً لسياسة أوروبا الاستعمارية في نصف الكرة الأرضية الغربية عن مبادئ أربعة عُرفت باسمه في ما بعد.

المبادئ هي: عدم تدخل أميركا في الشؤون الداخلية للقوى الأوروبية أو في أي حروب تنشب بينها، واعتراف أميركا بالمستعمرات الأوروبية في نصف الكرة الأرضية الغربي وعدم تدخلها فيها، على ألا يحق للقوى الغربية استعمار أي مناطق جديدة فيها مستقبلاً، وأي محاولة تقوم بها دولة أوروبية للسيطرة على أي دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي أو قمعها سيُنظر إليها على أنها عمل عدائي ضد الولايات المتحدة".

وقبل بدء حرب روسيا في أوكرانيا بأيام، تحدث السيناتور الأميركي بيرني ساندرز في الكونغرس قائلاً إن "بوتين قد يكون كاذباً وديماغوجياً، لكن من النفاق أن تصر الولايات المتحدة على عدم قبول مبدأ محيط التأثير"، وأن أميركا ظلت ملتزمة بعقيدة مونرو على مدى المئتي عام الماضية، وذلك في إشارة إلى استخدام بوتين لـ "عقيدة مونرو"، لكن للحيلولة دون انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "ناتو".

"ناتو" اسم كبوتين

كلمة "ناتو" نفسها أصبحت من أكثر الكلمات بحثاً على الإنترنت. البعض كان يظن أن "ناتو" هو اسم كبوتين أو بايدن أو ترمب. لكن حرب روسيا في أوكرانيا وضلوع كلمة "ناتو" باعتبارها عاملاً من عوامل الحرب حولتها إلى غاية بحثية.

بات الجميع يعرف أن "حلف شمال الأطلسي" تحالف عسكري أسسته 12 دولة في عام 1949 بهدف مواجهة توسع الاتحاد السوفياتي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وهو يقوم على أن تساعد الدول الأعضاء بعضها بعضاً بحال تعرض أحدها إلى اعتداء أو خطر.

بعدها بستة أعوام، رد الاتحاد السوفياتي السابق بتأسيس "حلف وارسو" الذي ضم دول أوروبا الشرقية الشيوعية. لكن انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 أدى إلى انسحاب عديد من الدول الأعضاء في "حلف وارسو" وانضمامها إلى "ناتو" الذي أرادت أوكرانيا الانضمام إليه، فكانت حرب روسيا في أوكرانيا.

"رائحة ميونيخ"

وكانت حرب روسيا في أوكرانيا سبباً لإحياء عديد من المصطلحات السياسية التي كانت لها "طنة ورنة" قبل عقود طويلة. "رائحة ميونخ" عادت إلى الحياة هي الأخرى في الساعات التي سبقت الحرب، وذلك حين قال وزير الدفاع البريطاني بن والاس، إن "في هذه الأزمة (بين روسيا وأوكرانيا) شيئاً من رائحة ميونخ".

وأثارت "رائحة ميونيخ" الاهتمام والقلق في آن، لا سيما بعدما عرف المهتمون أن المقصود بها هو الاتفاق الذي جرى إبرامه في عام 1938 بين ألمانيا النازية من جهة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا من جهة أخرى بهدف تجنب اندلاع حرب عالمية جديدة، لكنها اندلعت.

بروباغندا كاذبة

اندلاع الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا لم يحيي ذكرى معاهدات فشلت ومبادئ ذاعت فقط، بل أحيا كذلك تراشقاً قديماً بالأيديولوجيات وتمايزاً سالفاً بالطبقات، وهو التراشق الذي أكل عليه الزمان وشرب سنوات طويلة.

روسيا تتهم الغرب بتأجيج "هستيريا جرائم الحرب"، والغرب يتهم روسيا بالاستعمارية والإمبريالية، وأميركا تتهم روسيا بـ "الفساد الأخلاقي"، وروسيا تتهم إسرائيل بدعم "النازيين الجدد" في أوكرانيا، وأميركا تصف الحرب بأنها اعتداء من الأنظمة الشمولية الاستبدادية على الأنظمة الليبرالية الديمقراطية، وروسيا تتهم أوكرانيا بصناعة بروباغاندا كاذبة، وأوكرانيا تتهم روسيا بتحويل إعلامها إلى أداة حرب كاذبة.

التراشقات اللفظية آخذة في التصاعد. والاتهامات الأيديولوجية والطبقية مستمرة في إدهاش الجميع. تداوُل الإشارة الغربية بين رجال الأعمال الروس الأغنياء والذين يُعتقَد ارتباطهم بالكرملين وبوتين بعلاقات قوية، باعتبارهم "أوليغارش" حولها إلى سبة.

و"النازية" باتت من أكثر الكلمات تداولاً سواء من قبل روسيا والواقفين على جبهتها باعتبار الحرب في أوكرانيا "حرباً ضد النازية"، أو من قبل أوكرانيا والغرب وفريق الداعمين باعتبار حجة النازية متأرجحة بين الهزل واللا معقول.

خلاف جيوسياسي بحت

اللا معقول هو تصور أن الخلاف بين روسيا والغرب في أوكرانيا، أيديولوجي، وذلك على الرغم من تصاعد حدة الاتهامات الأيديولوجية المتبادلة. فهو خلاف جيوسياسي بحت. في عام 2005، قال الرئيس بوتين في خطاب "حال الأمة" في الكرملين إن "انهيار الاتحاد السوفياتي كان أكبر كارثة جيوسياسية".

وبينما الحرب مشتعلة حالياً، تتواتر مقالات الرأي وفقرات الحوار وأوراق البحوث والبحث العنكبوتي عن الحروب الجيوسياسية، وبات المواطن العادي يعرف أن جانباً كبيراً من حرب روسيا في أوكرانيا، حرب جيوسياسية. وبات يعرف أيضاً أن جهود الدبلوماسية المبذولة لم تعد مقتصرة على تدخلات من قبل وزراء خارجية دول وسيطة أو مكالمات هاتفية يجريها رؤساء دول صديقة، بل بات هناك ما يُعرَف بـ "دبلوماسية النفط" و"دبلوماسية الغاز" و"دبلوماسية القمح" أو الحبوب.

دبلوماسية السلع الحيوية

هذه المصطلحات أصبحت ذائعة الصيت على مدار أسابيع حرب روسيا في أوكرانيا. ولأن النفط والغاز والحبوب، لا سيما القمح، منتجات بالغة الأهمية، وشكل من أشكال أمن الدول القومي ومسألة حياة أو موت لمليارات البشر، فقد تحول جميعها إلى أدوات ضغط ومكونات دبلوماسية في الحرب الدائرة، لا سيما أن روسيا وأوكرانيا هما من أكبر موردي القمح للعالم، إضافة إلى التخوف العالمي من قدرة دول عدة في العالم على الاستغناء عن النفط والغاز الروسيَين مهما أعلنت هذه الدول عن توقيع عقوبات على روسيا، أو أعلنت أنها ستجد بدائل أو تتحمل المصاعب.

يصعب هضم هذا الكم المذهل من المفردات والمصطلحات التي غزت العالم مع اندلاع الحرب الحالية، لكن كثيراً منها يفرض نفسه لأنه مثير. "إبلاغ دبلوماسيين بأنهم غير مرغوب في وجودهم في البلاد" و"طرد" آخرين و"استدعاء سفير دولة كذا"، أصبحت أخباراً يومية ومصطلحات تُضاف إلى المخزون المثير الآخذ في التراكم.

أما "حرامية القمح" أو "حرامية الحبوب" فيمكن اعتبارها من أكثر المصطلحات الخالطة الجد بالهزل. فأوكرانيا تتهم روسيا بسرقة كميات هائلة من الحبوب التي تطرحها الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها دون وجه حق. والغرب يتهم روسيا بـ"تجويع العالم". وروسيا تتهم الغرب بـ"سرقة يخوت" مواطنيها الروس.

وتستمر حرب المصطلحات في التأجج والاشتعال بين ابتداع الجديد والتنقيب عن القديم وإعادة تدوير ما يصلح وربما لا يصلح للحرب الدائرة رحاها حالياً. وتنتعش قواميس الشعوب بمزيد من المسميات السياسية والمفردات التراشقية، حيث لم تعد "فوزية البرجوازية" وغريمتها المنتمية إلى الطبقات الطفيلية المتسلقة وسكان الحارة المنقسمين بين "اليسار التقدمي"، حيث "بقالة الكرملين" و"اليمين الرأسمالي"، حيث "صالون حلاقة البيت الأبيض" مختزلة في فيلم كوميدي، بل توسعت لتصبح واقعاً متداولاً.