Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا نعت نيتشه أفلاطون بالعدمي الذي يكره الحياة؟

استهجن المسعى الميتافيزيائي الغربي الذي حرض الجميع على الإعراض عن الواقع الأرضي واللجوء إلى المثاليات

أفلاطون ونيتشه في المواجهة (صفحة فيلوزوفيا - فيسبوك)

يمكننا أن ننظر إلى فلسفة نيتشه نظرة شاملة تتخطى التصنيف الانتقاصي الذي يحط من قدر العبقرية الخارقة التي أفضت بصاحبها إلى اختبار الجنون الخلاق. ذلك بأن الصفاء الذي اختبره ذهنه لم يؤهله لاكتساب المنعة النفسية الضرورية من أجل الاضطلاع بفتوحات الوعي اللهابة. فإذا به يستسلم للقنوط واليأس، ويتيه على وجهه، غير مكترث بما أفرجت عنه قريحته الأدبية والفلسفية. يعيب الكثيرون على نيتشه أسلوب الشذرات، وإرسال الأقوال البليغة المتقطعة، والاكتفاء بالالتماعات الوضاءة. غير أن النظر المدقق يستطيع أن يغوص على المعاني الجليلة التي استصفاها في اجتهاداته النظرية المتماسكة. من هذه الاجتهادات تفكيك العدمية الناشبة في عمق المسعى الميتافيزيائي الغربي الذي استهله أفلاطون حين حرض الجميع على الإعراض عن الواقع الأرضي الحسي المعيش، والالتجاء إلى عالم المثل السماوي الملكوتي الافتراضي التجريدي.

تعتمد هذه الاجتهادات آلية المطرقة التي تضرب وتهد وتهدم. ومن ثم، فإن المسعى النظري التأصيلي في فكر نيتشه ينعقد على استجلاء بنية العدمية وترصد تجلياتها في العمارات الفكرية والبناءات العقائدية والأنظومات الرجائية. ينشط مثل هذا الاستجلاء في هيئة التفكيك والتعرية والتشذيب (Abbau). يجري الفعل التنظيري هذا على تاريخ الميتافيزياء الغربية كلها، وقد احتشدت فيه أصنام احتقار الحياة، وابتذال الوجود، وامتهان التعزيات الرخيصة الفارغة. لذلك يمكن القول إن نيتشه يمارس المنهج الجنيالوجي الذي يستقصي أطوار التكوين التاريخية التي جعلت الوعي الإنساني حبيس الهروبية الماورائية، والانسحابية الغيبية، والعزوفية اللاهوتية. جميع هذه المواقف يقفها الإنسان الأفلاطوني التائق إلى سماء المثل العليا، والمنصرف عن ضرورات النضال الأرضي الحياتي التاريخي الملموس. لا بد إذاً، والحال هذه، من الانخراط في عملية التفكيك الجنيالوجي التي ينجزها نيتشه في ثلاث مراحل: تقتضي الأولى كشف الأقنعة، وتستلزم الثانية تأجيج الصراع بين التأويلات، وتتطلب الثالثة افتضاح العدمية المستشرية في الأنظومات الأيديولوجية المتنوعة المشارب والمذاهب.

المسار التنظيري الأول: الجنيالوجيا كشف الأقنعة الساترة

يقوم منهج نيتشه الجنيالوجي على كشف الأقنعة التي تحجب عنا حقائق الالتواءات والانحرافات والتشويهات. في عرف نيتشه أن كل كلام قناع، وكل فلسفة تورية، وكل رأي يخفي معتقداً منحجباً. لذلك لا بد من الجرأة في انتهاج سبيل الفضح النقدي التفكيكي، الذي يتطلب نزع الحجاب عن المستور وراء المثل السائدة والمعتقدات الصافية الطاهرة، واستقصاء المكتومات استقصاءً نقدياً يعري البناءات الفكرية الظاهرة المشيدة على اضطرابات الوعي، ومنافع الذات، ومصالح الجماعة، واعتبارات المؤسسة، ومحرمات الأنظومة.

في الفقرة 289 من كتاب "ما بعد الخير والشر" يتكلم نيتشه على المتوحد الذي يرمز إلى الفيلسوف الجريء القادر على هدم المعتقدات المثالية الزائفة. ذلك بأن الفيلسوف الحق يختبر الاعتزال الأقصى. تنشأ عزلته من عزمه على التحليق في سماء الصفاء الجليدي الذي يعري كل الاقتناعات. في العري الصقيعي هذا لا يجرؤ الناس على نزع ألبستهم الدافئة، وحقائقهم المعزية، واقتناعاتهم المطمئنة. لذلك يحلق الفيلسوف وحيداً في العراء الكوني، فإذا به ينقض على المخزونات المحتشدة في باطن الوعي، فيهدم الأوهام العامة، ويحرض الجميع على انتهاج سبيل التفكير الإبداعي الذي يخالف المألوف والمعتمد والسائد. في هذه الفقرة تنعقد كل عناصر المنهج الجنيالوجي الذي يفكك التراكيب والبنى والبناءات، ويعري الناس من حقائقهم المضللة.

المسار التنظيري الثاني: تأجيج صراع التأويلات

يعلن نيتشه على الملأ استحالة الحقائق النهائية المطلقة، ويسوغ شرعية التأويلات المتصارعة على أرض الواقع. يقينه الأرسخ يملي عليه أن ليس من قاع أصيل ثابت، ولا من أرضية صلبة ترسو عليها المعتقدات البشرية، إذ إن العقل يغوص في البنى التحتية، فيغور من قاع إلى آخر، وتحت كل أرضية تنفتح فجوة أعمق تذهل العقل الباحث. الحقيقة أن الكهوف تتوالى من غير أن تفضي بنا إلى مسكن الحق. ليس من مبدأ يسوغ علل الكون والحياة والوجود، بل اجتهادات ينبغي كشف مستورها حتى لا تضلل الإنسان الساعي إلى اختبار رفعة الحياة في كيانه.

كل حكم عرض من أعراض العقل الباحث. ليس من لغة تأصيلية قاطعة. حتى المؤول الذي يفسر الفلسفة الأفلاطونية يبني تفسيره على عمق محجوب ينبغي كشفه وتقويم خلفياته ومنطلقاته وتسويغاته. في كتاب "العلمان الجذلان" يعلن نيتشه أننا أمام حقيقة لا متناهية تختلف عن حقائق الميتافيزياء: إنها حقيقة التأويلات التي تتصارع من غير أن تحسم الصراع، إذ إن كل تأويل يستثير تأويلاً مخالفاً، وفي احتشاد التأويلات المتصارعة يغتني وعي الإنسان الساعي إلى اختبار تدفق الحياة. حتى نيتشه نفسه خاضع في تأويلاته لقاعدة الحقيقة التأويلية اللا متناهية، إذ إن تأويله ليس منزلاً على الإطلاق. ومن ثم، ينطوي اجتهاده الفكري البنائي على القول بالمنظورية اللا متناهية التي تعتبر أن كل تأويل يشرع تأويلاً مناهضاً. بذلك يجد العقل الإنساني نفسه أمام تأويلات، لا أمام وقائع ثابتة.

ذلك بأن الحقيقة فكرة عبثية، إذ إن الأحكام ليست سوى أعراض تظهر لنا حال الحياة. فالناس الذين يختبرون هذا الجانب من الحياة يميلون إلى تأويلها على هذا الوجه. وهكذا دواليك. فالتأويلات وجوه من الحياة المتدفقة في شرايين الوجود التاريخي. ثمة استحالة تنشأ من أن قيمة الحياة لا يحددها أي حكم، إذ إن الحياة أبعد من كل قول، وأعمق من كل تناول، وأرفع من كل حكم. في كتاب "أفول الأصنام"، يعلن نيتشه أن كل حكم نطلقه على الحياة إنما يعبر عن اختبارنا الذاتي الذي يكشف لنا وجهاً خاصاً من وجوه الحياة المتنوعة.

المسار التنظيري الثالث: عدمية نيتشه مقابل عدمية الآخرين

يخالف نيتشه جميع الأقوال والتعريفات الفلسفية التي تحدد العدمية إنكاراً لكل ضروب العقائد والحقائق والاقتناعات. فالعدمي، بحسب القاموس الفلسفي المألوف، هو الإنسان الذي لا يؤمن بأي حقيقة أرضية أو سماوية، ولا يعتصم بأي مثال رفيع، ولا يعتنق أي قيمة من القيم الروحية السامية. مثل العدمي كمثل الإنسان العبثي الكلبي الساخر الذي يهزأ بكل الثوابت، ويكتفي بحنكة السياسة الواقعية (Realpolitik) التي تتصرف على هدي التبدلات الطارئة والتغيرات المستجدة.

بخلاف هذا كله، يعتبر نيتشه أن جوهر العدمية بناء عالم المثل السامية. فالإنسان العدمي كائن يهوى تشييد أنظومات المبادئ الهادية، والقيم الملهمة، والحقائق الراسخة. العدمي إنسان مثالي ينكر رفعة الحياة وعظمتها ورقيها وغناها وقدرتها، فيركن إلى التصورات المثالية الغيبية الماورائية اللاهوتية. أما نموذج الإنسان العدمي، فإنه، بحسب نيتشه، الأفلاطوني المعتصم بعالم المثل، والمسيحي المتشبث بعالم الملكوت. في يقين نيتشه أن العدمي يفضل ملء الوجود في العالم السماوي العلوي، ولو اضطر إلى افتراض العدم في الوجود الأرضي السفلي. العدمي اخترع المثال لكي يبطل الواقع، وابتدع الماوراء لكي ينكر الماأمام. لا يعني الإبطال الإلغاء المادي، بل الخفض والحط والتذليل والتحقير. فالملكوت أفضل من الواقع البشري المعتل المضطرب الظالم، إذ إن الصلاح الإلهي سوف يبسط على الناس، في يوم البعث، جناح رحمته، ويغمرهم بعطفه الرقيق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على قدر ما يصر العدميون الأفلاطونيون والمسيحيون على إفراغ الحياة الأرضية من قوامها النضالي الذاتي ويرحلون انتظاراتهم وآمالهم ورجاءاتهم إلى يوم النشر والدينونة، فإنهم عدميون يعدمون الوجود، ويفرغونه من طاقاته الخصبة الخلابة الواعدة، ويربكون الوعي المسؤول، ويعطلون الفعل التاريخي، ويجففون منابع الابتدار الكوني. ومن ثم، يجرؤ نيتشه فيعلن أن العدمية جوهر البنية التدينية الأعمق، إذ إن الدين، في نظره، اختلاق مثال علوي يسلخ الإنسان عن قضايا الوجود التاريخي وهموم العيش اليومية. غير أن العدمية ليست وقفاً على الديانة المسيحية، بل تنتشر في كل أنظومة فكرية اعتقادية تفتعل الفصل بين عالم مثالي مفترض وعالم واقعي محسوس. من المنطقي إذاً أن نعثر على العدمية، من حيث إنها بنية إبطالية إلغائية جذرية، في جميع العمارات الفكرية التي تفترض ظفراً ختامياً أو نصراً كونياً، كالماركسية والاشتراكية والأناركية الفوضوية والتقدمية الحضارية والدموقراطيا الغائية. كلما افترضنا التعارض بين المثال والواقع، سقطنا في العدمية التي يحتج عليها نيتشه أشد الاحتجاج. فالمجتمع الماركسي الأتوبي الذي يفترض سقوط الطبقية ويترقب حلول ملكوت المساواة الفعلية المطلقة إنما هو تصور عدمي مبني على رجاء افتراضي يبطل واقع التصارع الوجودي الناشب في عمق التاريخ. لا غرابة، من ثم، أن تصبح هذه العمارات أشبه بديانات خلاصية إلحادية، توازي في بنيتها العدمية الديانات الخلاصية الإيمانية المتجلية في اليهودية والمسيحية والإسلام، على سبيل المثال.

يسأل نيتشه في كتابه "هو ذا الإنسان": هل نستطيع أن نحسن وضع الإنسانية؟ ولكنه لا يلبث أن يجيب: لن أعدكم بذلك على الإطلاق، إذ إني أخشى السقوط في محنة الإنسان العدمي. لن أبني لكم أصناماً جديدة، إذ إني سئمت الأصنام التي جبلت أرجلها على الصلصال القابل التفتيت والطحن. فلنتذكر جميعنا انعطاب الأصنام القديمة التي سقطت بسقوط العدميات الكبرى. مهمتي أن أسقط جميع الأصنام بواسطة المطرقة التي أضرب بها الأرجل الصلصالية المهترئة. ليس لي من فلسفة أخرى سوى تلك التي تدفعني إلى مناهضة جميع ضروب الأصنام الوهمية الزائفة المضللة. لن نقبل بعد اليوم أن يخترع بعض الناس أكذوبة العالم المثالي الذي يفقدنا روعة الانتماء إلى عالمنا الواقعي الوحيد. لن نقبل التخلي عن معنى الحياة اللصيق بذاتيتها، وعن قيمة الوجود المقترنة بسيلان الزمان الخصب. على قدر ما استأثرت بوعينا الضعيف أكاذيب العالم المثالي وأوهام الملكوت البراق، أضحت الإنسانية فينا تمتهن الإفك والتمويه والتضليل. كفانا إنكاراً للحياة المتدفقة فينا، وللجمال المنبعث من آفاقنا، وللإبداع المنبجس من صميم وجداننا الإنساني الصادق.

التشبث بالأرض والاعتصام بالحياة والاقتران بالإرادة الخلاقة

ما من عاقل يعترف علناً بأنه عدمي؛ ما من حكيم يجرؤ فيصرح بأنه يعبد العدم عبادة مطلقة، ويرذل الحياة رذلاً لئيماً. الحكمة في ذلك أن يداور الإنسان ويناور ويحاجج ويتعلل، فيعلن أنه يعشق الحياة الأبدية، أو الله المطلق، أو الوجود الحق، أو النيرڤانا الصافية، أو الخلاص الكياني الأشمل، أو السعادة الوجدانية. بيد أن العدمية الماورائية هذه تنبثق، بحسب نيتشه، من البلاغة الوجدانية البريئة التي تعظم المرجوات الهروبية، وتتغافل عن الممكنات النضالية. ومع أن هذه البلاغة ليست في حقيقتها بريئة على الإطلاق، فإنها تنجح في إخفاء مقاصدها العدمية التي تنال من كرامة الحياة. العدميات الماورائية حقد دفين على الحياة المبتهجة. الحجة في ذلك أن الواقع لا قيمة له، وأن الأفضل انتظار الجنة الموعودة حتى تستقيم الأحوال وتتحقق الغايات وتبتهج النفوس.

وعليه، فإن جميع العمارات الفكرية الأتوبية، ومنها الشيوعية والاشتراكية، أشبه بالأديان التي تعتمد على البنية الإعدامية عينها. في كتاب "هكذا تكلم زرادشت"، يحث نيتشه الناس الذين يسميهم الأخوة والأخوات على التشبث بالأرض، والأمانة عليها، والمواظبة على تعزيز مقامها وتصويب استثمارها. لا جدوى على الإطلاق من الرجاء الميتافيزيائي اللاهوتي الذي يسلخنا عن محبة الأرض. لا نلعننَّ الأرض وما عليها، إذ إنها موطن كياننا الأصلي، ومنفسح وجودنا الحق، وميدان ذاتيتنا المتفتحة.

لا شك في أن الهدم الجذري هذا يهدف إلى غاية رفيعة يرمي نيتشه إلى تحقيقها: إعادة بناء الأخلاق على أسس تمجيد الحياة وتعظيم الإنسان الأعلى. بيد أن الإنسان الذي يحب الحياة في اكتمال جوهرها الملكوتي ليس بالضرورة ناكراً قيمتها الأرضية الذاتية. بين عدمية المثاليين الذين ينكرون قيمة الحياة، وعدمية نيتشه التي تنكر الإغراق في محبة الحياة من منظور الاكتمال الملكوتي، يمكننا أن ننقذ الحياة والملكوت معاً، فنتصور الحياة مكللة بأبهى قيم الملكوت الإنسية، ونتصور الملكوت فائضاً بأسمى نضالات الحياة الأرضية. ليس كل من يعشق الارتقاء الملكوتي مخاصماً الحياة الإنسانية، وليس كل من يناضل نضال الحياة الإنسانية معادياً اختبارات الملكوت الروحية. ذلك بأن الإنسان كائن التواطؤ المغني بين مقتضيات الالتزام الإنسي الأصدق، ووعود الانفتاح الكوني الأرحب، لا سيما حين يغدو الملكوت عنوان التطلب الأقصى في تحقيق إنسانية الإنسان.

المزيد من ثقافة