Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مطرزات "أخميم"... فن تلقائي بأيدي نساء الصعيد على مر العصور

يعكس روح البيئة المحلية ويمثل علامة بارزة في فن النسيج المصري

كانت أخميم على مر العصور قلعة صناعات النسيج في مصر (اندبندنت عربية)

منذ آلاف السنين وأنامل نساء أخميم لم تتوقف عن إبداع لوحات فنية بخيوط الحرير، لدرجة أن المدينة عدت معقلاً لصناعات النسيج والتطريز منذ عهد مصر القديمة وحتى الآن. أخميم الواقعة في صعيد مصر (450 كلم جنوب القاهرة) حملت نساؤها بين أياديهن إرثاً ثقافياً عظيماً، وهو حرفة النسيج والتطريز اليدوي التي توارثتها من جيل لآخر على مدى التاريخ .

وعلى مر العصور لم تتوقف أنوال أخميم عن النسيج ولا نساؤها عن التطريز، فبخيوط الحرير والإبرة رسمت الفنانات بفطرتهن التلقائية مشاهد متكاملة من وحي البيئة المحيطة بتأثير الثقافة الشعبية لأهل الصعيد، فصورن بالخيوط احتفالات وأعراساً وموالد، ونقلن مشاهد من الريف المصري تضم مزارعين وأشجاراً ونباتات وتصور أجواء الزراعة والحصاد المألوفة في المنطقة، كما كان لشاطئ النيل الذي تقع البلدة على ضفافه حضور قوي في اللوحات.

وتمثل مطرزات أخميم علامة بارزة في فن النسيج المصري بشكل عام ونسيج الصعيد بشكل خاص. فدقة اللوحات تجعل المتلقي يقف أمام كل واحدة متأملاً التفاصيل الصغيرة التي تشكل سيمفونية فنية تعزفها الفنانات اللواتي لم تدرس واحدة منهن الفن يوماً، بالإبرة وخيوط الحرير ذات الألوان المبهجة، فتنقله لعالمهن بكل مفرداته، إذ يشعر المشاهد للوحة من ثراء التفاصيل أنه يسمع صوت الموسيقى وصخب الأطفال في لوحة زفة العروس، ويشعر برائحة الخبز في أخرى تصور نساء البلدة ملتفات حول أفران الخبز.

ولم تقتصر مطرزات أخميم على الجانب المحلي، إذ حصلت مريم عزمي إحدى فنانات أخميم على سبيل المثال، على جائزة الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة العالمية لتمكين المرأة لأفضل منتج تراثي لعام 2019.

وإلى جانب المشاركة في المعارض المحلية على مدى العام، تنظم جمعية الصعيد التي تتبنى مشروع مطرزات أخميم، معرضاً سنوياً في نهاية كل عام لعرض إنتاج فنانات أخميم وتسويقه لجمهور القاهرة. وتقول لولا لحام، مديرة مشروع أخميم في إحدى الجمعيات، "من بين نشاطات الجمعية مشروعات تنمية المرأة والمراكز الإنتاجية، ومنها مركز أخميم الواقعة على الضفة الشرقية للنيل بمحافظة سوهاج، ولها أصول تاريخية واسمها لم يتغير منذ عهد الفراعنة. وكانت مهنة النسيج من المهن الرئيسة لأهل البلدة منذ عصور مصر القديمة وحتى الآن، إذ كان يأتي لها طلبات للنسيج والتطريز من النبلاء والأشراف والأمراء والكهنة باعتبارها مركزاً لصناعة النسيج في مصر كلها".

وتضيف "اشتهر أهل أخميم بالتطريز بخيوط الحرير والذهب والفضة منذ عهد مصر القديمة والصنعة التي اتبعوها واحدة، إلا أن الزخارف هي ما كانت تختلف وتتنوع باختلاف سمات العصر، ففي الحقبة الفرعونية كان التطريز بمفتاح الحياة والرموز الفرعونية، ومن بعدها العصر الروماني والإغريقي استخدمت موتيفات مثل عناقيد العنب والغزلان، ولاحقاً في العصر القبطي طرزت صور القديسين، بينما شهد العصر الإسلامي ظهور الموتيفات الإسلامية والخط العربي، فصنعة أهل أخميم واحدة على مر الزمن وتم تطويعها باختلاف الثقافات والمراحل التاريخية".

خصوصية نسيج الصعيد

مع مرور الزمن، اختلفت وتطورت الموضوعات التي تنفذها السيدات على اللوحات، إلا أن ما يجمعها هو أنها نابعة من البيئة والمكان والثقافة الشعبية السائدة في صعيد مصر التي لها خصوصية وتفرّد، كما لنسيج الصعيد بشكل عام الذي تتعدد أنواعه وتختلف على امتداد محافظات الصعيد، فتقول لحام "لا نتدخل إطلاقاً في اختيار الموضوعات أو الألوان أو تفاصيل اللوحة، فكلها من خيال السيدات ومن تصميمهن وتنفيذهن، ومعظم اللوحات تحتوي مشهداً متكاملاً وكأنه تم تصويره بالكاميرا، ولكن تم تجسيده بالإبرة والخيط. ونحافظ على هذه الحرفة من خلال تدريب البنات وخلق جيل جديد يتوارثها مثل أسلافه، فالخبيرات في التطريز يشرفن على البنات الصغيرات حتى تظل الحرفة حاضرة ومستمرة، ويظل هذا الفن حياً باعتباره واحداً من أهم نماذج الفن المحلي النابع من البيئة في مصر".

وتضيف "نسيج الصعيد بشكل عام له خصوصية وتميز منذ أقدم العصور، وأخيراً تم توثيقه على تراث اليونسكو، ونتمنى أن يكون هناك توثيق لهذا النوع من الفن التراثي تحديداً، ومن هنا فنقوم حالياً بتبني مشروع لإقامة متحف للنسيج والتطريز المحلي في أخميم، لتوثيق الصناعة وتاريخها وتطورها على مدى التاريخ من خلال عرض نماذج للمطرزات، فهذا الفن التراثي ليس له مثيل ويمكن أن يضع أخميم بجانب مقوماتها الأخرى على خارطة السياحة".

فنانات بالفطرة

ذكريات الطفولة وحكايات الجدات والسير الشعبية الشهيرة إضافة إلى مفردات البيئة المحيطة في الصعيد هي ما تستلهم منه الفتيات اللواتي لم تدرس واحدة منهن أي قواعد لفن موضوعات اللوحات التي يقمن بتطريزها بدقة بالغة وألوان مبهجة، لتصبح انعكاساً حقيقياً لمفهوم الفن التلقائي والثقافة المحلية النابعة من بيئتها، فتقول نجلاء طه من فنانات أخميم "أقوم بالتطريز منذ 12 سنة وتعلمته من والدتي التي تتقن هذا الفن وتمارسه منذ نحو 30 سنة، فأشغال النسيج والتطريز شائعة بين نساء أخميم، لأن كل فنون وحرف الغزل والنسيج موجودة ومنتشرة، وأحرص في تصميماتي على تجسيد الحياة من حولنا، ونفذت تصميمات مستوحاة من ذكريات طفولتي في منزلنا في أخميم الواقع على شاطئ النيل ومن حكايات متداولة وأساطير شعبية. فالتصميمات نابعة من داخلنا ومن التراث الشعبي، فكثير من اللوحات تحكي قصة متكاملة عن عاداتنا وطقوسنا وحياتنا الاجتماعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضيف "نحن نلون بالخيط والإبرة بدلاً من الفرشاة والألوان، وأتمنى أن يعرف الناس أكثر عن هذا الفن ويقدرونه لأنه ليس فقط مجرد تطريز وإنما جزء من تاريخنا".

بينما تقول سلوى وديع من فنانات أخميم "بدأت في التطريز منذ نحو سبع سنوات، وأستوحي الأفكار من الطبيعة ومن البيئة حولنا، فعندما أرى مشهداً معيناً أضعه في خيالي وأرسمه على ورقة ثم أحاول تصميمه على القماش، وكل لوحة تختلف عن الأخرى ولا يمكن تكرارها فهي قطعة متفردة، وحتى إذا قمنا أنا وزميلاتي بتنفيذ مشهد واحد فكل واحدة ستنفذه من وجهة نظرها وسيخرج للناس بشكل يعبر عنها لأن نظرتنا للشيء نفسه تختلف، وأتمنى في الفترة المقبلة أن أطور من أعمالي وأعبر عن بلدي بلوحات فنية تصل للناس في العالم كله".

مراحل الإنتاج

مراحل متعددة تمر بها القطعة حتى تخرج في صورتها النهائية التي يراها الناس وتثير إعجابهم، كنموذج للفن اليدوي التراثي، وعنها تقول سميرة عطية، مديرة مركز منسوجات أخميم بسوهاج "لدينا في المركز بأخميم ثلاثة أقسام تعمل بشكل مكمل لبعضها بعضاً حتى يخرج المنتج بشكله النهائي، وهي النسيج والتطريز والفن التلقائي. ونبدأ في مراحل الإنتاج من بدايتها فنشتري القطن ونصبغه بألوان طبيعية، ثم تبدأ الفتيات في مرحلة نسجه على الأنوال اليدوية ومن بعدها يصبح القماش جاهزاً للتطريز. وتختار الفتاة اللون والتصميم والخيوط وكل التفاصيل، ويختلف الوقت الذي يتم إنجاز العمل فيه بحسب الحجم وتفاصيل اللوحة ودقتها، فهناك لوحة يتم إنجازها في أيام وأخرى في شهور، وأيضاً نحاول تنفيذ التصميمات على منتجات عصرية يمكن للناس استخدامها مثل الحقائب والمفارش".

وتضيف "هذا العمل له جانب اجتماعي واقتصادي ودور مهم لتنمية المرأة، فبجانب قيمته الفنية والتراثية هو يغير حياة الفتاة ويجعلها شخصاً منتجاً يقدم للناس قطعاً فنية قيمة تثير الإعجاب. ومن ناحية أخرى، له دور كبير في تحسين أوضاع المرأة في الصعيد بشكل عام، فبعض السيدات هن نساء معيلات انعكس عملهن في هذا المجال على حياتهن وأسرهن بشكل كبير".

المزيد من فنون