Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل الصحة النفسية العربية ليست على ما يرام؟

مجتمعات هذه المنطقة بعيدة عن هضم المفهوم وإن كان بدرجات متفاوتة

المجتمعات العربية تظل في العام الـ21 من الألفية الثالثة بعيدة عن هضم مفهوم الصحة النفسية (أ ف ب)

في أوتوبيس النقل العام، جلس الشاب الثلاثيني يحادث أحدهم في هاتفه المحمول، "ادعيلي. أمُرّ بفترة صعبة جداً. لا أشكو من ألم في جسدي، لكن قلبي ثقيل جداً. أشعر بحمل جبار على صدري. أشعر بأنني مهزوم على كل الأصعدة. ادعيلي، إما أن يمد الله يده ويخفف عنّي، أو أموت وأرتاح".

الراكب إلى جواره استأذنه في الحديث. حاول أن يخفف عنه بقوله إن كثيرين يمرون بأوقات صعبة، وتكون الحالة النفسية في حاجة إلى عناية، مثلها مثل الحالة الجسدية. أخرج الراكب هاتفه المحمول ودوّن رقماً على ورقة، وأعطاها للشاب، مخبراً إياه أنه رقم ساخن لجمعية يعمل فيها تطوعاً متخصصو صحة نفسية يمكنه أن يهاتفهم ويحكي لهم ما يمر به من دون الإفصاح عن هويته. وقبل أن يكمل الراكب بقية المعلومة، باغته الشاب بقوله: "فال الله ولا فالك. لست مجنوناً، وكون نفسي طابقاً على صدري لا يعني أنني مريض نفسي. سأصلي ركعتين وأصبح على ما يرام".

الصحة ليست على ما يرام

صحة كثيرين النفسية ليست على ما يرام، لا سيما في هذه الأيام. وعلى الرغم من ميل البعض للإكثار من الصلاة والإفراط في الصدقات والدعاء للسماء، واختيار آخرين الحل السحري القاتل، ألا وهو الإنكار، وتخبط فريق ثالث في عالم الوصمة والخوف من التطرق أو السؤال، أو حتى التفكير في الصحة النفسية، فإن منظمة الصحة النفسية في مناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية تذكرنا بأنها ليست مجرد انعدام الاضطرابات النفسية، وأنها جزء لا يتجزأ من الصحة ولا تكتمل الصحة العامة من دونها، وأنها تتأثر بالعوامل البيئية والبيولوجية والاقتصادية والاجتماعية.

وإذا كان العالم في اليوم العالمي للصحة النفسية يذكر نفسه بما تسبب به الوباء والإغلاق والاحتراز من آثار اقتصادية واجتماعية ومن ثم نفسية وخيمة على سكان الأرض، يتذكر العالم العربي كل ما سبق مع إضافة توليفة فريدة من عوامل الصراع والنزوح والاحتقانات الدينية وعدم المساواة بين الجنسين، إضافة إلى آثار بالغة الخصوصية لـ"كوفيد-19" على المجتمعات العربية.

أشهر الجائحة

في اليوم العالمي للصحة النفسية لهذا العام، الذي صادف 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ويستمر الاحتفاء به أياماً، يكون قد مر على اندلاع الجائحة 18 شهراً. وعلى الرغم من عودة الحياة إلى طبيعتها بدرجات متفاوتة في عدد من الدول، فإن معدلات انتقال العدوى ما زالت مرتفعة في دول أخرى ومجهولة في دول لا تسمح لها ظروفها الأمنية والاجتماعية بالرصد الدقيق، وهذا يربك حياة الأسر والمجتمعات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المجتمعات العربية تظل في العام الـ21 من الألفية الثالثة بعيدة عن هضم مفهوم الصحة النفسية، وإن كان بدرجات متفاوتة. فئات بعينها تضررت صحتها النفسية بشكل أكبر بسبب الوباء مثل العاملين الصحيين وغيرهم من المرابطين في الخطوط الأمامية لمواجهة كورونا، وكذلك الطلاب والأفراد الذين يعيشون بمفردهم وغيرهم من أصحاب الأمراض المختلفة، ضمن فئة الأكثر تضرراً نفسياً بسبب الوباء، من كانوا يحصلون على خدمات الصحة النفسية والعصبية والعلاج من إدمان المواد المخدرة.

خصوصية الإنكار

يحافظ العرب على خصوصية ثقافية في شأن الصحة النفسية، ناهيك بتفردهم المستمر في تبوؤ مكانة الصدارة في أكثر مناطق العالم اشتعالاً بالاقتتالات وتصديراً للاجئين والنازحين داخلياً وخارجياً، وما يصاحب ويتبع ذلك من أضرار وخيمة على الصحة النفسية، لا سيما للصغار ممن يمضون سنوات نشأنهم في كنف الاقتتال والنزوح واللجوء والاحتلال والضغوط.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، دعا قبل أيام إلى إعادة النظر إلى الصحة العقلية والدعم النفسي الاجتماعي على أنهما جزء لا يتجزأ من البرامج الإنسانية وبرامج بناء السلام والتنمية. وأضاف، أثناء فعالية تدخلات الصحة العقلية في بناء السلام في حالات النزاع والأوضاع الإنسانية، أن "الضعف ومشكلات الصحة العقلية جزء من تجربتنا البشرية الجماعية، ويجب التعامل معها بجدية مثل قضايا الصحة البدنية، بما في ذلك أثناء حدوث جائحة عالمية".

وأشار إلى أن "الأشخاص الذين عانوا خسائر وهجمات وانفصالاً أسرياً وعنفاً قائماً على النوع الاجتماعي، يتحملون المظالم والجروح التي يمكن أن تديم تكرار العنف ودوراته".

دورات العنف لا تنكسر

ويبدو أن دورات العنف في المنطقة العربية عصية على الكسر، ومعها الصحة النفسية والعقلية لجموع العرب، العصية على الفهم المتعمق والعلاج المتأني. منظمة الصحة العالمية ترجح أن غالبية المعرضين لحالات الطوارئ، إن لم يكن جميعهم، يعانون ضائقة نفسية، ومعظمهم يمكن أن تتحسن حالتهم بمرور الوقت. ومن بين الأشخاص الذين شهدوا حروباً أو صراعات خلال السنوات العشر الماضية، يرجح أن يصاب واحد من كل 11 شخصاً (نحو 9 في المئة) باضطرابات نفسية معتدلة أو شديدة.

وتشير تقديرات المنظمة الأممية إلى أن شخصاً واحداً من كل خمسة (نحو 22 في المئة) ممن يعيشون في منطقة تشهد صراعات يصاب بالاكتئاب أو القلق أو اضطراب الكرب التالي للرضح (حالة صحية عقلية يستثيرها حدث مخيف)، أو الاضطراب الثنائي القطب أو الفصام. كما أن الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية شديدة، معرضون للخطر بشكل أكبر أثناء حالات الطوارئ، ويحتاجون إلى إتاحة رعاية الصحة النفسية والاحتياجات الأساسية الأخرى.

بالي مشغول!

غزة والأطفال في مواجهة منفردة مستمرة مع ما بعد الصدمة. لبنان والأطفال والعيش في ظل تهديد مستمر للأمن والغذاء والطاقة والمال. سوريا وجيل بأكمله ولد في اقتتال هو الأسوأ في العصر الحديث. اليمن والأطفال ممن لن يقتلهم الصراع، سيروحون ضحية صحة عقلية معتلة. ليبيا وأطفال خارج إطار الأولويات في ظل أوضاع سياسية وأمنية ملتهبة. العراق وأوضاع الأطفال من حيث الصحة العقلية عقب سنوات من الاضطراب والاقتتال. وقائمة المخاوف والمخاطر الخاصة بصحة الأطفال العرب النفسية والعقلية طويلة.

ويتزامن اليوم العالمي للصحة النفسية مع صدور تقرير حالة أطفال العالم لعام 2021 عن منظمة "يونيسف" قبل أيام، الذي يحمل عنواناً هو ما قل ودل: "بالي مشغول". بال الصغار مشغول بشكل غير مسبوق. الأطفال والمراهقون أو اليافعون يشعرون بتأثير "كوفيد-19" على صحتهم وعافيتهم العقليتين بشكل غير مسبوق، وهو التأثير الذي ترجح المنظمة الأممية أنه باقٍ لسنوات عديدة مقبلة.

تقرير هذا العام، الذي يعني بتعزيز الصحة العقلية للأطفال وحمايتها ورعايتها، وهو الدراسة الأكبر التي تعدها "يونيسف" عن الصحة العقلية للأطفال واليافعين ومقدمي الرعاية في القرن الـ21، يشير إلى أن الأطفال واليافعين تحملوا حتى قبل الجائحة عبء اعتلالات الصحة العقلية في ظل غياب أي استثمارات كبيرة لمعالجتها.

التقديرات تقول إن أكثر من واحد من كل سبعة مراهقين من الفئة العمرية بين 10 و19 عاماً في العالم مصابون باضطراب عقلي تم تشخيصه. ويتوفى سنوياً نحو 46 ألف مراهق في العالم بسبب الانتحار، الذي يشكل واحداً من أكبر خمسة أسباب للوفاة في هذه الفئة العمرية. وعلى الرغم من ذلك، فإن 2 في المئة فقط من الميزانيات الحكومية الصحية في العالم تخصص للإنفاق على الصحة العقلية.

المديرة التنفيذية لـ"يونيسف"، هنرييتا فور، تقول إن "الأشهر الـ18 الماضية كانت طويلة جداً لنا جميعاً، لا سيما الأطفال. فمع الإغلاقات العامة والقيود على الحركة بسبب الجائحة، أمضى الأطفال سنوات لا تنسى من حياتهم بعيداً من أسرهم وأصدقائهم وغرفهم الصفية وعن اللعب. وهذه جميعاً عناصر رئيسة من الطفولة. إن التأثير كبير، وما هو سوى غيض من فيض. فحتى قبل الجائحة، كان العديد من الأطفال يتحملون عبء قضايا الصحة العقلية التي لم يتم التصدي لها. ولا تخصص الحكومات سوى استثمارات ضئيلة لمعالجة هذه الاحتياجات الحاسمة. ولا يُولَى اهتمام كافٍ للعلاقة بين الصحة العقلية والنتائج المستقبلية للحياة".

الهزيمة النفسية

وتفيد الدراسة بأن واحداً بين كل خمسة مراهقين في الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً يعانون الاكتئاب، أو أن لديهم اهتماماً قليلاً بالقيام بأنشطة. وما لا يقل عن واحد من كل سبعة أطفال في العالم عانى بقدر ما خسارة التعليم. وأدى تعطيل الروتين اليومي والتعليم والترفيه، إلى جانب الانشغال بشأن دخل الأسرة وصحتها، إلى دفع العديد من المراهقين إلى الشعور بالخوف والغضب وإلى الانشغال بشأن مستقبلهم.

تقول مراهقة مصرية، "حتى لو كنت طموحاً، فلن تستطيع تحقيق طموحاتك لأنك مهزوم تماماً على الصعيد النفسي". وتقول أخرى، "بالنسبة إلى كثيرين، الضغط والمرض العقلي والقلق والخوف المستمرين موضوعات محرجة جداً. ولا أحد يريد الخوض فيها".

الانهزام النفسي والضغوط النفسية والمشاعر الكثيرة من قلق وخوف وتوتر جميعها قابل للمداواة أو التسبب في عاهة نفسية مستديمة، في حال تم إنكارها أو تجاهلها أو الخوف من المجاهرة بها. وبحسب تقرير "يونيسف"، فإنه "يمكن قياس مستوى عجز الدول عن معالجة قضايا الصحة العقلية بمدى استعداد المجتمعات للتحدث عنها أو فهمها. فالخوف من الكلمات القاسية والضحك وسوء المعاملة التي تؤكد وصمة العار المحيطة بالصحة العقلية تجعل من الصعب على الأطفال والمراهقين والقائمين على الرعاية التعبير عن مشاعرهم".

وصمة وتجاهل

لكن في العالم العربي بشكل خاص، فإن التعبير عن المشاعر أمر ما زال إما حبيس الخوف من الوصمة أو التجاهل أو التقليل من الشأن أو تحميل الشاكي حملاً إضافياً، ألا وهو خلط العلة النفسية بقلة الإيمان.

قلة الإيمان بأهمية الصحة النفسية في كثير من الدول العربية، وتصاحبها ربطة تاريخية بين العلة النفسية والوصمة، وهي وصمة محفورة لدى فئات عدة، بما في ذلك مثقفون ومتعلمون ومتنورون.

ريهام (30 عاماً)، مهندسة مدنية وتعمل في شركة هندسية كبرى، رُزقت ابناً يعاني طيف التوحد في مصر. ظلت فارضةً هالةً من السرية حول وضع ابنها حتى عن أقرب الأقربين. وحين بدأ البعض يسألها إن كان بخير، بعد أن بلغ سبع سنوات، اختارت أن تقبل عملاً في دولة أخرى لا يعرفها فيها أحد، خوفاً من وصمة المرض.

الوصمة ذاتها هي ما تدفع عاملة النظافة إيمان (58 عاماً) للقول إن أخاها الأصغر (52 عاماً)، الذي ترعاه، مصاب بـ"ألزهايمر"، وليس مرض الفصام، ظناً منها أن الأول أخف وطأةً اجتماعياً من الأخير.

حق من حقوق الإنسان

دراسة منشورة في "الدورية الدولية لحقوق الإنسان في الرعاية الصحية" لاختصاصية الطب النفسي ريتا مرهج تحت عنوان "وصمة المرض العقلي في العالم العربي: ما هو أبعد من من العوائق الاجتماعية والثقافية"، تشير إلى أنه على الرغم من وجود عوائق اجتماعية وثقافية تلحق الوصمة بالمرض النفسي في العالم العربي، فإن هذه المنطقة بشكل عام تعاني أدوات متابعة غير كافية للقوانين والسياسات المتعلقة بالصحة النفسي في قلب المنظومات الصحية. كما تشير إلى أنه على الرغم من إدماج خدمات الصحة النفسية في بعض أنظمة الرعاية الصحية الأولية، وهو ما يساعد في تحقيق خطوة إلى الأمام على صعيد محاربة الوصمة، فإن هناك الكثير الذي ينبغي عمله من أجل تعديل سلوك العاملين الصحيين في مجال الصحة النفسية أنفسهم، الذي يسهم في تعميق الوصمة المرتبطة بالاعتلال النفسي.

وتشير مرهج إلى أهمية أن يكون مسؤولو الصحة النفسية في العالم العربي على درجة وعي أكبر بالمفاهيم العامة التي تشرح أسباب خوف المواطنين العرب وامتناعهم عن طلب الرعاية الصحية النفسية أو العقلية. هذه الدرجة من الوعي يجب أن تتعامل مع الصحة النفسية من منطلق كونها حقاً من حقوق الإنسان ومتوائمة مع الثقافة وصديقة للمريض، ولا تعمق من مفهوم الوصمة المرتبط بها.

موقف لا تحسد عليه

ارتباط الوصمة بالمرض النفسي عربياً في اليوم العالمي للصحة النفسية ما زال على رأس قائمة الطرح، وهذا مؤسف. فالحصول على الرعاية النفسية المبكرة من شأنه أن يقي الفرد والأسرة والمجتمع شرور تفشي العلة النفسية المادية والاجتماعية، وكذلك النفسية، لكن في الوقت نفسه، تقف خدمات الرعاية النفسية المتاحة عربياً في موقف لا تحسد عليه.

في مثل هذا الوقت العام الماضي، كانت الخدمات الصحية الأساسية في نصف دول إقليم شرق المتوسط (وأغلبها دول عربية)، قد توقفت بسبب ضغوط مواجهة كورونا وعامل المفاجأة وضعف الإمكانات.

هذا العام، يبدو وضع الخدمات الصحية أفضل قليلاً بعد امتصاص نسبي أولي متفاوت الدرجات للوباء. لذلك، يجد المواطن العربي نفسه في حاجة إلى سرعة توفير خدمات الرعاية النفسية بشكل متزامن مع جهود محاربة الوصمة.

زوج أسماء (38 عاماً)، وهي موظفة، هدد بالانتحار أكثر من مرة. حالته النفسية ليست على ما يرام منذ أكثر من خمس سنوات. مرة يقول إنه "يشعر بضيق بعض الشيء"، ومرة يقول زملاؤه في العمل إنه "بات يميل إلى العزلة والعصبية"، ومرة تقول هي إنه يكاد لا ينام دقيقة ليلاً.

وحين اقتنعت أسماء، ثم أقنعته بالبحث عن مساعدة طبية نفسية، لا سيما أنه حاول الانتحار فعلياً، فوجئا بأن نظام "التأمين الصحي" الذي يتبعه لا يشمل مراجعة العيادة النفسية. انتصرا على الوصمة، لكن ضيق الإمكانات ومحدودية التأمين الصحي انتصرا عليهما.

طاقة تفاؤل

منظمة الصحة العالمية تقول إنه على الرغم من الصعاب، فإن هناك ما يدعو إلى التفاؤل. جمعية الصحة العالمية في مايو (أيار) الماضي، شهدت إقرار حكومات العالم بالحاجة إلى الارتقاء بنوعية خدمات الصحة النفسية. ليس هذا فقط، بل صادقت على خطة العمل الشاملة للمنظمة بشأن الصحة النفسية.

وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، لم يتبقَ عربياً سوى تحويل الإقرار إلى أفعال، والمصادقة إلى متابعة وتقييم، وتوفير تمويل لخدمات الصحة النفسية المقدمة للمواطنين.

يشار إلى أن قائمتي دول العالم الأكثر والأقل اكتئاباً لا تشتملان على أي من الدول العربية، وذلك بحسب "معدلات الاكتئاب في العالم" على موقع "وورلد بوبيوليشين ريفيو"، المتخصص في الإحصاءات العالمية. وعلى الرغم من ذلك، فإن نقص المعلومات وسبل الرصد والإحصاء، ناهيك بطلب الحصول على مساعدة، على صعيد الصحة النفسية عربياً، يعاني اعتلالاً.