Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد ملاسنة الدوحة... لماذا لا يدفع الخليج بانهيار إيران؟

الهاجس الأكبر من الفوضى الإقليمية بعد تجربة سقوط نظام صدام المريرة

سجال ظريف والبديوي في الدوحة كشف جانباً من التوتر الدفين(اندبندنت عربية)

ملخص

التقارب بين إيران ودول الخليج لم يُنهِ السجالات المتصاعدة حول ملفات السيادة، إذ دانت دول الخليج تصريحات إيرانية وصفت بأنها "استفزازية"، تمس سيادة البحرين، وحقوق الإمارات في جزرها الثلاث المحتلة، والسيادة على حقل الدرة النفطي المشترك بين السعودية والكويت.

تشهد العلاقات الخليجية- الإيرانية مرحلة غير مسبوقة من الازدواجية والتعقيد؛ فبين تسارع مسار التهدئة والتقارب الدبلوماسي بعد اتفاق بكين في مارس (آذار) 2023، وبين استمرار الخلافات على ملفات السيادة والحقول البحرية ودور إيران الإقليمي، تتمسك دول مجلس التعاون بموقف استراتيجي ثابت، يرفض انهيار الدولة الإيرانية باعتباره السيناريو الأخطر على الإطلاق على أمن المنطقة، خصوصاً بعد تهديد إسرائيل باستهداف رأس النظام في حرب الـ12 يوماً.

يأتي هذا التوجه في وقت عُقِد في طهران الاجتماع الثالث للجنة الثلاثية السعودية- الإيرانية- الصينية لمتابعة اتفاق بكين، في إشارة إلى أن مسار المصالحة ما زال يحظى بغطاء دولي كبير، وأن بكين مستمرة في لعب دور الضامن الإقليمي بين الخصمين التاريخيين، مع رفع سقف التوقعات بإمكانية تحويل التفاهمات إلى اتفاقات دائمة تعيد تشكيل معادلة الأمن في الخليج، على رغم التوترات التقليدية حول الملفات المعقدة، مثل زعزعة استقرار دول عربية لا تزال تحتفظ فيها طهران بنفوذ كبير على رغم الأضرار الاستراتيجية التي لحقت بها في مثل دمشق وبيروت.

عودة الثقة وتحدياتها

قبل ذلك كانت التطورات الأبرز تعكس عودة تدريجية للثقة بين الرياض وطهران، إذ استؤنفت الرحلات لنقل الحجاج الإيرانيين إلى المملكة للمرة الأولى منذ عشر سنوات، في خطوة ذات دلالات سياسية عميقة تتجاوز بعدها الخدمي المباشر. ووصف السفير الإيراني لدى الرياض، علي رضا عنايتي، ذلك في حديث سابق مع "اندبندنت عربية" بأنه "بداية غيث يوشك أن ينهمر"، مؤكداً أن الثقة "وُلدت" لكنها تحتاج إلى "تثبيت وتنمية"، خصوصاً بعد زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران قبل الحرب التي وصفها بأنها "سيادية بكل ما تعنيه الكلمة".

وهي خطوة لا يزال مفعولها ممتداً، إذ كشفت عن حجم رغبة البلدين في تخفيف حدّة الاحتقان الإقليمي، وفتح مسارات تعاون جديدة تشمل الطيران التجاري، والتواصل الثقافي، والبحثي، والإعلامي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هذا التقارب لم يُنهِ السجالات المتصاعدة حول ملفات السيادة، إذ دانت دول الخليج تصريحات إيرانية وصفت بأنها "استفزازية"، تمس سيادة البحرين، وحقوق الإمارات في جزرها الثلاث المحتلة، والسيادة على حقل الدرة النفطي المشترك بين السعودية والكويت.

 ورد مسؤولون إيرانيون بهجمات غير مسبوقة، كان أبرزها من مستشار المرشد علي أكبر ولايتي، ومن حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة "كيهان"، الذي تحدث عن "حق تاريخي" لإيران في البحرين. هذه اللغة التصعيدية تعكس ما يسميه المحللون صراعاً داخلياً بين عقلية الدولة وعقلية الثورة داخل النظام الإيراني، إذ تسعى الأولى لفتح قنوات مع الخليج لإنقاذ اقتصاد البلاد، بينما تصر الثانية على مشروع توسعي لا يزال يلقي بظلاله على علاقات طهران بجوارها العربي.

الحسابات العميقة للخطر الأكبر

في قلب هذا المشهد، تبرز الرؤية الخليجية المستقرة التي عبّر عنها الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي أخيراً في منتدى الدوحة بقوله: "لا أحد في مجلس التعاون يريد أن تتجه إيران نحو الهاوية"، مؤكداً رغبة دول الخليج في "استقرار طهران وازدهارها".

وتستند دول الخليج في هذا الموقف إلى جملة اعتبارات استراتيجية وفق المحلل السياسي السعودي سعد الحامد؛ أولها أن إيران دولة ذات ثقل عسكري وجغرافي، وانهيارها سيخلق فراغاً استراتيجياً هائلاً يقود إلى صدامات إقليمية مفتوحة، وقد يجرّ المنطقة إلى مواجهات مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. وثانيها أن تفكك الدولة الإيرانية سيطلق موجات عنف طائفي وميليشياوي يصعب احتواؤها، خصوصاً في العراق الذي قد يشهد انفلاتاً لوكلاء طهران. وثالثها أن الفوضى الناجمة عن انهيار إيران ستضرب مباشرة خطط التنمية الخليجية التي تقوم على بيئة مستقرة. لذلك، يرى المحللون أن الخطر الأكبر على الخليج ليس إيران قوية، بل إيران منهارة.

ويُضيف الحامد أن السلام والاستقرار الإقليمي يتوقف بشكل أساسي على الجانب الإيراني، فـ "اتفاقية السلام الأخيرة بين الرياض وطهران أثبتت إمكانية التهدئة"، مشيراً إلى أن معقود في أن تستوعب إيران الدرس وتتبنى فكراً جديداً يعتمد على نبذ "تصدير الثورات ودعم الأذرع"، والتحول نحو علاقات وطيدة تخدم التكامل الإيجابي والرفاه لشعوب المنطقة. فالسلام يعود بالنفع على الداخل الإيراني، وهذا التوافق الإقليمي هو المطلب الأساسي لخدمة مشروع التنمية المستدامة لدول المنطقة.

تداعيات انهيار العراق في الذاكرة

لقد شكلت تداعيات انهيار النظام العراقي في عام 2003 درساً استراتيجياً عميقاً لدول الخليج في تعاملها مع إيران، وهو الدرس الذي يُفسر الجمع بين الضغط على طهران وتحاشي الدفع بانهيارها الكامل. أدركت العواصم الخليجية أن الفراغ الأمني الذي يخلفه سقوط دولة إقليمية مركزية هو أكثر خطراً وأقل قابلية للسيطرة عليه من وجود عدو يمكن التنبؤ بتحركاته.

فبدلاً من أن يؤدي انهيار نظام صدام حسين إلى استقرار المنطقة، أدى إلى تفكك الدولة العراقية، وتضخّم دور الميليشيات الطائفية المسلحة، وتجذّر الإرهاب، والأهم من ذلك، توسيع النفوذ الإيراني بشكل غير مسبوق في المنطقة العربية. وعليه، فإن الاستراتيجية الخليجية الحالية تجاه إيران تقوم على مبدأ "إدارة التهديد بدل استئصاله"؛ فهي تهدف إلى تقييد طموحات "عقلية الثورة" عبر المطالبة بمبادئ حسن الجوار والالتزام بالقوانين الدولية، مع الحرص في الوقت ذاته على بقاء هيكل "الدولة الإيرانية" سليماً.

اشتباك ظريف والبديوي في الدوحة

وفي مشهد يعكس عمق فجوة الثقة، شهد منتدى الدوحة 2025 مواجهة دبلوماسية لافتة بين الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي ووزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف حول ملف حقل الدرة، أو "آرش" كما تسميه إيران.

البديوي أكد أن "حقل الدرة شأن سعودي- كويتي خالص" بحسب القانون الدولي، فيما رد ظريف بانفعال ملموس متهماً الكويت ودول الخليج بـ"التناقض". وسرعان ما اشتعلت المنصة حين خاطبه البديوي قائلاً: "اهدأ… لا داعي للصراخ"، ما أثار تفاعلاً واسعاً على منصة "إكس" وانتقادات لطهران، واعتبر محللون أن هذا الاشتباك يكشف أن إيران تريد التفاوض على ما يتوافق مع مصالحها فقط، بينما ترفضه في قضايا أخرى مثل جزر الإمارات المحتلة.

هذا الحدث أعاد تسليط الضوء على أن الأزمة بين الجانبين ليست تقنية أو قانونية فحسب، بل تتعلق أيضاً بغياب الثقة وبتناقض منهجي في طريقة التعاطي مع الجوار العربي.

وعلق الكاتب السعودي حمود الزيادي على حسابه في "إكس" على لغة ظريف المتشنجة على رغم حديثه من بلد خليجي، واصفاً إياها بـ"الفجة والاستعلائية"، رآها حملت مغالطات عن دور إيران في المنطقة، إلى جانب النيل من "قيمة العرب والدول العربية وهي لغة ومفردات ومضامين تنسجم مع الخطاب القديم والعميق لرموز النظام الإيراني التي بدأت تعود إلى السطح بعد تهدئة تبدو مخادعة لفترة لم تصمد طويلًا".

ولا يزال الدور الإيراني حتى الآن يثير السجال بين الخليجيين أنفسهم، بين من يدعو للثقة في طهران وبين من يشكك في صدقية سياستها الإقليمية، كما حدث في المنامة قبل نحو شهرين بين وزير الخارجية العماني ورئيس الاستخبارات السعودي السابق.

اجتماع طهران الثلاثي وضبط البوصلة

في سياق موازٍ، جاء اجتماع طهران الثلاثي بين السعودية وإيران والصين ليعطي جرعة دعم مهمة لاتفاق بكين، إذ أكدت الرياض وطهران التزامهما تنفيذ الاتفاق "ببنوده كافة" وتعزيز مبادئ حسن الجوار، والالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كذلك شدد البيان على الدور الصيني الداعم، وعلى استعداد بكين لمواصلة رعاية مسار المصالحة الذي بات أحد أهم ملفات سياستها في الشرق الأوسط. واتفق الأطراف الثلاثة على أن التوترات الإقليمية المتصاعدة تجعل من استكمال هذا المسار أولوية كبرى، خصوصاً أن التواصل المباشر والزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين باتت عنصراً حاسماً في منع الانفجار الإقليمي.

البيان الثلاثي أشار أيضاً إلى نجاح الخدمات القنصلية بين البلدين، بعد تمكين أكثر من 85 ألف حاج إيراني من أداء فريضة الحج، وأكثر من 210 آلاف من أداء العمرة خلال عام 2025، وهو رقم يعكس ارتفاع مستوى التنسيق. كذلك نوّه إلى تقدم ملحوظ في الحوار البحثي والإعلامي والثقافي بين المراكز السعودية والإيرانية، في مؤشر على أن مسار بناء الثقة بدأ يتجاوز الجانب السياسي نحو المجتمع والقطاعات الأكاديمية والبحثية، على رغم استمرار الملفات الخلافية الكبرى.

ولم يغِب البعد الإقليمي عن اجتماع طهران، إذ دعا البيان إلى وقف فوري للعدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان وسوريا، مع إدانة واضحة للانتهاكات التي تعرضت لها إيران، وهي إشارة أثنت عليها طهران واعتبرتها موقفاً إيجابياً من الرياض وبكين. كما جدّد الأطراف الثلاثة دعمهم للحل السياسي الشامل في اليمن تحت مظلة الأمم المتحدة، في خطوة تؤكد أن معالجة الأزمات الإقليمية لا يمكن أن تتم بمعزل عن إصلاح العلاقات الخليجية- الإيرانية واستقرارها.

لماذا يستمر التقارب على رغم التصعيد؟

توضح هذه التطورات أن دول الخليج تتعامل مع إيران وفق معادلة "الاحتواء لا المواجهة، والتفاهم لا الانهيار، والإدارة الحذرة للملفات الساخنة مع تثبيت خطوط حمراء ثابتة في السيادة والأمن". فالمسار الدبلوماسي يخدم مصالح الخليج في خفض التوتر، في حين أن انهيار إيران قد يطلق مرحلة من الفوضى لا يمكن السيطرة عليها.

ويبدو أن الصين، بصفتها الضامن لمسار بكين، باتت شريكاً أساسياً في إبقاء هذا الملف مفتوحاً باتجاه التهدئة، وسط أسوأ موجة تصعيد يشهدها الإقليم منذ سنوات.

لكن محللين عرباً يرون أن الملفات في اليمن وسوريا والعراق ولبنان غير محسومة، إذ تعتقد طهران أنها على رغم الأضرار التي لحقت بمحورها، لا تزال تحتفظ بأوراق مؤثرة، لخدمة أهدافها المتضادة أكثر الأحيان مع نظيرتها العربية والخليجية.

المزيد من تحلیل