Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر تنتقل من "دبلوماسية الصمت" إلى "اليقظة والاستباق"

"هذا التحول لا يمس العمق بقدر ما يشمل الأدوات والوسائل، بهدف التوجه نحو دبلوماسية ذات بعد اقتصادي"

وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة (أف ب)

يبدو أن الوضع الإقليمي ضغط بقوة على الجزائر التي انتقلت إلى البحث عن مخرج لمواجهة ما يحيط بالبلاد من تهديدات وتحديات، لتخلص إلى أن "اليقظة والاستباق" من أهم مميزات نجاح الدبلوماسية.

مواجهة الحملات العدائية الخطيرة والممنهجة؟

وأكد وزير الخارجية رمطان لعمامرة، ضرورة إرساء دبلوماسية "يقظة واستباقية" لمواجهة "الحملات العدائية الخطيرة والممنهجة" التي تستهدف الأمن القومي، مشيراً بمناسبة الاحتفال بيوم الدبلوماسية الجزائرية، إلى أن "التهديدات تفرض علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى تكثيف الجهود وتوحيد الصفوف قصد تحصين الجبهة الداخلية وتدعيم تماسك النسيج الوطني للشعب الجزائري ضد محاولات الاختراق والفتنة والتفرقة".

وأوضح لعمامرة، في شرحه أسباب تغيير الاستراتيجية الدبلوماسية، أن الأمن الوطني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الجهاز الدبلوماسي على استباق الأحداث ورصد التهديدات الخارجية، منوهاً بـ"الدور الأساسي والمحوري الذي يقع على عاتق الدبلوماسية الجزائرية في استراتيجية الأمن القومي، من خلال السهر مع المصالح الأمنية على ترسيخ حصن السلامة الإقليمية والاستقلال والسيادة والوحدة الوطنية". وأضاف أن التطورات المتسارعة والتحديات العديدة التي يشهدها العالم اليوم، تفرض على الجزائر تكييف جهازها الدبلوماسي وتعزيزه بالإمكانات والقدرات اللازمة التي تسمح له بالدفاع عن مصالح الوطن والمواطنين، والمساهمة في تحقيق الأهداف المنشودة. 

وشدد الوزير على أنه "من الطبيعي أن يرتكز نشاط بلادنا الدبلوماسي خلال السنوات المقبلة على الدفاع عن مصالح الأمة والمساهمة في استتباب الأمن والاستقرار الإقليميين، وتعزيز الروابط مع أفريقيا والوطن العربي، إضافة إلى ترقية الشراكة والسلم في العالم"، مشيراً إلى أن الدبلوماسية الجزائرية أصبحت مرجعاً في ترقية الحوار والتفاوض بين الأمم، وبلداً مُصدراً للسلم والاستقرار في المنطقة والعالم.

تغيير الآليات والأدوات

في السياق، لا يعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إدريس عطية، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن الجزائر غيّرت سياستها الخارجية، ولكن غيرت الكثير من الآليات والأدوات، لأن عقيدة السياسية الجزائرية ثابتة من خلال احترام المبادئ التي تقوم عليها، ولا يمكن تجاوزها، مثل حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وقدسية الحدود الموروثة، والتعاون الدولي. وقال إن ما يرمي إليه الوزير لعمامرة، هو أن تكون الدبلوماسية ذات فاعلية تبحث عن مصالح الجزائر، بخاصة أنه صرح بأن "العمل سنسخره من أجل الدفاع عن مصالح الجزائر بمختلف أشكالها، السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وغيرها من الجوانب مثل الثقافية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع عطية، أن هذا التحول لا يمس العمق بقدر ما يشمل الأدوات والوسائل، بهدف التوجه نحو دبلوماسية ذات بعد اقتصادي ودبلوماسية براغماتية، إلى جانب تصورات إنسانية من خلال المساعدات، بالإضافة إلى التوجهات الأمنية من خلال مكافحة الإرهاب مع السعي دائماً نحو هندسة السلم والأمن.

التحليل والاقتناع... عنوان مرحلة جديدة

وعلّق لعمامرة عن سبب عدم استدعاء بلاده للسفير الفرنسي عقب تصريحات منسوبة للرئيس، إيمانويل ماكرون، شكك فيها بوجود أمة جزائرية قبل الاستقلال، أن "الدبلوماسية لا تخضع لأمور أوتوماتيكية". وأشار إلى أن العمل الدبلوماسي يخضع "للتحليل والاقتناع بعمل ما له مردود، وأن يكون ذلك في محله"، وهو ما يكشف عن تحول في الخطاب والممارسة والتعاطي، في تجاوز لافت لدبلوماسية "الصمت" الممزوجة برد الفعل، التي اعتمدتها الجزائر خلال السنوات الماضية.

لقد دقت الدبلوماسية الجزائرية باب مرحلة جديدة من مسيرة تمتد إلى فترة الاحتلال الفرنسي للبلاد، وبعد سياسية الهدوء والترقب، انتقل الوضع إلى الفعل والسرعة في التنفيذ، في إيجاد حلول سلمية لعدد من الأزمات الإقليمية، وكذلك مواجهة محاولات "خارجية لزعزعة الاستقرار"، ولعل قدوم المخضرم رمطان لعمامرة، حرّك الآلة الدبلوماسية وفق رؤية الرئيس عبدالمجيد تبون.

تصريحات تبون

ولعل تصريحات تبون، خلال اللقاء الدوري مع الصحافة كفيلة لتؤكد النقلة النوعية الحاصة في السياسة الخارجية للجزائر، وهو الذي اشترط مقابل عودة السفير إلى باريس، احترام باريس الكامل للجزائر، وشدد أنه على فرنسا أن تنسى أن الجزائر كانت مستعمرة، كما انتقد صندوق النقد الدولي، وقال إنه "يحاول رسم مسار محدد لاقتصادنا، بغية التوجه نحو الاقتراض الخارجي"، بالإضافة إلى انتقاده التدخلات الخارجية في ليبيا وتجديد رفضه إقامة قواعد أجنبية على أراضي بلاده، وغيرها من المواقف والقرارات التي أخذت حيزاً واسعاً من الاهتمام الداخلي والخارجي.

الوضع هو من فرض التغيير

الدبلوماسي والحقوقي، محمد خذير، المقيم في جنيف، يؤكد أن "العالم يتغير ولعمامرة فهم منذ مدة أنه حان وقت الفعل، وليس الاستمرار في سياسة رد الفعل، وقد أصبح لافتاً منذ قدومه أن سياسة الجزائر الخارجية باتت مبنية على القيام بالفعل وانتظار رد الفعل"، مشيراً إلى أن "ما قام به جيراننا المغاربة وأيضاً تحركات إسرائيل، سرّع من تغيير الاستراتيجية". وقال إن الجزائر لم تختر تغيير سياستها الخارجية، وإنما الوضع هو من فرض ذلك، مضيفاً أن هذا لا يعني أنها ستبقى جامدة، وهي قابلة للتغيير والتطور بحسب الظروف والمعطيات.

المزيد من تقارير