Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما كتب كولودي صاحب "بينوكيو" قصصا عن "زنا المحارم"

عشرون حكاية من الأدب الإيطالي الخيالي تخرج إلى الضوء في ترجمة إنجليزية أولى  

الكاتب الإيطالي كارلو كوللودي مخترع شخصية بينوكيو (متحف بينوكيو)

شهدت إيطاليا، مثل كل بلدان أوروبا، ازدهاراً في نشر القصص الشعبية والحكايات الخيالية في القرن التاسع عشر، لكن معظم تلك "الحواديت" التي لا تُضارع، على الرغم  من تشابهها مع بعض التقاليد الفرنسية والإسبانية والسلتية، ظلت وقفاً على المتحدثين باللغة الإيطالية. وإن استطاعت قصص جيوفاني فرانشيسكو الخيالية في القرن الخامس عشر أن تعبر الحدود الثقافية والسياسية إلى فرنسا، وتمكن الشاعر غيامباتيستا باسيلي في منتصف القرن السابع عشر من  جمع بعض من الصيغ القديمة للحكايات الخيالية في كتابه الذي نشر بعد وفاته "حكاية الحكايات"، ملهماً آخرين، بما في ذلك الأخوان غريم، بالبدء في جمع الحكايات الشعبية من أفواه الناس، كفرع أدبي ينتمي إلى عالم الرومانسية الألمانية. هذه الحكايات في مجملها ظهرت بلا مؤلف أو هوية محددة، وتلتها محاولات أخرى لجمع الحكايات الشعبية الشفاهية التي كانت ترويها الجدات، إلى أن جاء دارسو الأدب الشعبي وأكملوا المسيرة.

 حكايات إيطالية

من منا لا يعرف بينوكيو، الدمية ذات الأنف الطويل الحاد التي تمردت على صانعها، وجلبت لنفسها كثيراً من الخزي والمتاعب والألم في رحلة تعلمها البطيئة والمضحكة. في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، سيتسنى لقراء الإنجليزية الاستمتاع بمجموعة أخرى من حكايات الكاتب الإيطالي كارلو لورينزي المعروف بكارلو كولودي (1828- 1890) صاحب "مغامرات بينوكيو"، في مجلد يضم عشرين حكاية من الأدب الإيطالي مترجمة إلى الإنجليزية عن مطبعة جامعة برينستون، صدرت بين عامي 1875 و1914.

لقد ظل أدب الطفل يشغل حيزاً كبيراً من حياة الكاتب كارلو كولودي وإن لم تكن جميع القصص الخيالية الإيطالية تهدف في الأصل إلى أن تكون قصصاً للأطفال، ولكن مع الترجمات والتعديلات التي عملت على تخفيف حدة العناصر الأكثر بشاعة أو رعباً، وجدت طريقها إلى قلوب الأطفال في جميع أنحاء العالم. بيد أن الحكاية المضمنة في المجلد ليست لكولودي هذه المرة تماماً، إنها للكاتب الفرنسي شارل بيرّو صاحب "سندريلا"، وما قام به كولودي هو الترجمة والتبسيط إلى جانب إكسابها نكهة توسكانية.   

الجانب الآخر من المرآة

تحت عنوان "جلد الحمار"، نُفاجأ بقصة غير متوقعة للأطفال، عن أميرة يرغب والدها في الزواج منها بعد وفاة والدتها، فتضطر للهروب مرتدية جلد حمار. تقول كريستينا ماتسوني، مترجمة ومحررة المجلد الجديد، "قام كولودي بعديد من التغييرات على النسخة الأصلية (المستوحاة بدورها من الحكايات الإيطالية السابقة)، بحيث تستحق القراءة حتى لو كان المرء قد قرأ بالفعل كتاب الفرنسي بيرّو. تضرب مثلاً على ذلك بجملة كتبها بيرّو ببساطة، وهي أن الملك والملكة "عاشا في اتحاد كامل"، وهو ما ترجمه كولودي على أنهما كانا "روحين في جُحر فاكهة واحد"، بينما ترجمتها  ماتسوني "حبتان من البازلاء في غلاف واحد".

ذات مرة كلفت ترجمة أعمال الشاعر والكاتب المسرحي كاليداسا الذي يعد من رواد الأدب السنسكريتي الكلاسيكي، من نسخة إنجليزية بترجمة آرثر دبليو ريدر. وعلى الرغم من دقة ترجمة ريدر، ومدى ما حازته من إعجاب وانتشار واسع، فإن شعوراً لازمني حيال نص مترجم أعمل على ترجمته مرة ثانية إلى لغة جديدة، فكنت كمن يحاول اختراق مرآة، متخيلاً أن بوسعه أن يقبض على ملامح حقيقية. فإذا بانعكاس الانعكاس ينتقل معي إلى الورق. ربما لا تنطبق الحال مع ترجمة كولودي التي أنتجت نصاً يخصه وحده، لدرجة أن من قرأ "جلد الحمار" في نسختها الأصلية، بوسعه أن يقرأها في نسختها الجديدة بتحرير كولودي، وهو ما يجعل ترجمة ماتسوني إلى حد كبير، عن نسخة أصلية.  

الأبوة حين تفقد حكمتها

في قصة "جلد حمار" نُفاجأ بأب فقد عقله تماماً، على الرغم من أنه كان حتى تلك اللحظة الفاصلة، رجلاً معروفاً بحكمته، غير أنه بدأ يعتقد أن الأميرة ابنته أكثر جمالاً ورشاقة من زوجته المتوفاة (أمها). وفي لحظة طيش لا تغتفر، أعلن قراره بالزواج منها، فهي الوحيدة التي بوسعها أن تحرره من الوعد الذي قطعه لأمها. يكتب كولودي، "في هذا العرض القاسي، كادت الأميرة الشابة، التي كانت زهرة الفضيلة والتواضع، أن يغمى عليها. ألقت بنفسها عند قدمي الملك والدها وتوسلت إليه بكل كيانها ألا يجبرها على ارتكاب مثل هذه الجريمة الشنعاء". لقد قام كولودي بتكييف الأجزاء غير المحتملة ليصبح أكثر احتمالا، مثلما كانت نسخته الأصلية من بينوكيو أكثر وحشية بكثير من معالجة ديزني لها، "بينوكيو لا يصبح قرة عين لجيبتو الذي منحه الحياة، ويقتل الصرصور المتكلم (جراء نصائحه وتحذيراته الأمينة) بقذفه بمطرقة. ربما لم يعتقد أن المطرقة ستصيبه بالفعل. لكن، من المحزن أن أقول يا أطفالي الأعزاء، لقد أصابت الحشرة في رأسها مباشرة. وسقطت المسكينة وهي تصرخ بوهن من الحائط، مراراً وتكراراً، جثة هامدة!"

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غالباً ما تصنف مغامرات بينوكيو ضمن فئة القصص الخيالية ولكنها ليست كذلك، إنها قصتنا جميعاً، الخبرة التي لا نحصل عليها إلا بشق الأنفس، وربما بضياعها تماماً. عندما كُلف كولودي ترجمة مجلد من القصص الخيالية الفرنسية إلى اللغة الإيطالية، أحس بقرابة هذا النوع إلى نفسه، الطفل الذي داخله تحرك، استطعنا أن نلمحه يقفز أمامنا على الصفحات، يخرج من ورطة ليقع في مصيبة، وسرعان ما ينسى ما تعلمه منخدعاً بابتسامات صفراء. لكن خطأ الأب في رواية "جلد حمار"، من الأخطاء التي لا يمكن تداركها، لن يعود الأب أباً بعد تلك الفعلة بالذات، مهما فعل، فهل تصلح قصة كتلك لمخاطبة الأطفال!

تقول ماتسوني، "لقد أدرجت في كتابي ترجمة كولودي لقصة "جلد حمار" (قصة أطفال غير محتملة، اليوم، نظراً لأنها تتمحور حول الأب الذي يسمح بزنا المحارم) بسبب تأثيرها في ازدهار النشر بعد صدورها بوقت قصير، وبسبب نكهتها التوسكانية".

أقدم تقاليد القصص الغربية

من قصة "جلد حمار" الفرنسية في ثوب إيطالي، إلى "حمائم" غابرييل دانونزيو الخيالية عام 1886 عن رجل يتحول إلى أسد، وحمامة ونملة، إلى قصص "الرمان"  لكومباريتي، حيث تقفز ثلاث نساء من قشور الرمان، تنوعت الحكايات الخيالية الإيطالية التي يتضمنها المجلد، وجميعها لم تنشر من قبل باللغة الإنجليزية، عدا قصة "سيدتنا صاحبة المشورة الصالحة" لغراتسيا ديليدا، المرأة الإيطالية الوحيدة التي حصلت على جائزة نوبل في الأدب عام 1926، عن أعمالها التي تصور بوضوح الحياة في جزيرتها الأصلية وتتناول المشكلات الإنسانية بعمق وتعاطف.

تقول المترجمة، الأستاذ في جامعة فيرمونت، "اليوم نربط الحكايات الخيالية في المقام الأول بديزني والأخوين غريم، وربما هانز كريستيان أندرسن وبيرّو (الولايات المتحدة الأميركية، وألمانيا، والدنمارك وفرنسا)، لكن إيطاليا لديها أقدم تقاليد القصص الخيالية في الغرب". وتضيف ماتسوني أن كومبياريتي كان من بين فولكلوريي إيطاليا الذين جمعوا، مثل آل غريم، الحكايات الشعبية من جميع أنحاء البلاد. فبينما أراد آل غريم الحفاظ على تراث ألماني مشترك، كان الإيطاليون يتطلعون إلى "حماية ثقافة كل منطقة ونشرها، في وقت كان التوحيد السياسي للبلاد يعرض الهويات الإقليمية لخطر الاختفاء".

المزيد من ثقافة