ملخص
في وقت يربط فيه القانون المنظم للصندوق استفادة ضحايا الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات وحرائق بشرط إعلان رئيس الحكومة ما وقع "كارثة وطنية"، دعا سياسيون ومراقبون إلى ضرورة إعلان آسفي "منطقة منكوبة" لتستفيد من تعويضات "صندوق الكوارث الطبيعية"، وإلى تيسير شروط الاستفادة من دعم هذا الصندوق الحكومي.
أعادت الفيضانات القاتلة التي أودت بحياة 37 شخصاً ومئات المصابين بمدينة آسفي المغربية قبل أيام قليلة للواجهة ملف "صندوق التضامن ضد الكوارث الطبيعية"، ومدى إمكان استفادة عائلات الضحايا من تعويضات هذا الصندوق المالي.
وفي وقت يربط فيه القانون المنظم للصندوق استفادة ضحايا الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات وحرائق بشرط إعلان رئيس الحكومة ما وقع "كارثة وطنية"، دعا سياسيون ومراقبون إلى ضرورة إعلان آسفي "منطقة منكوبة" لتستفيد من تعويضات "صندوق الكوارث الطبيعية"، وإلى تيسير شروط الاستفادة من دعم هذا الصندوق الحكومي.
حيثيات القانون
وأصدرت الحكومة المغربية في عام 2016 القانون رقم 110.14 الذي ينظم تغطية الوقائع الكارثية، ودخل حيز التنفيذ في عام 2020، بشراكة مع البنك الدولي، ويشكل "بوليصة" تأمين دولية تتيح للمغرب الاستفادة من تعويضات مالية بعد وقوع الكوارث، علاوة على اعتمادات مالية سنوية وفق قانون المالية.
ويعرف القانون المذكور ما يسميه "الواقعة الكارثية"، بأنه "كل حادثة نجمت عنها أضرار مباشرة، جراء واقعة ناجمة عن عامل طبيعي، ذات حدة غير طبيعية، يتوفر فيها عنصر الفجائية أو عدم إمكان التوقع. وفي حالة إمكان توقع الحادثة، يشترط ألا تمكن التدابير الاعتيادية المتخذة من تفادي هذه الحادثة أو تعذر اتخاذها أصلاً، كما يفترض في تلك الواقعة أن تشكل آثارها المدمرة خطورة شديدة على العموم".
ويرى مراقبون في هذا الصدد أن السيول المدمرة التي شهدتها مدينة آسفي المغربية تستجيب لهذا التعريف القانوني، مما يجعل ضرورة إعلانها "منطقة منكوبة"، وأن ما وقع من فيضانات مميتة يصلح أن ينسحب عليها وصف الواقعة الكارثية.
ووفق القانون المعني، تعتبر الوقائع الكارثية أيضاً "كل حادثة ترتبت عنها أضرار مباشرة، جراء عمل عنيف للإنسان، يكون نتيجة فعل إرهابي، أو نتيجة مباشرة لوقوع فتن أو أعمال شغب أو اضطرابات شعبية، عندما تشكل آثارها خطورة شديدة بالنسبة إلى العموم".
وحدد القانون الوقائع الكارثية في الفيضانات، مثل السيلان السطحي وفيضان المجاري المائية وارتفاع مستوى المياه الجوفية وانهيار السدود جراء ظاهرة طبيعية والتدفقات الطينية، وأيضاً الزلازل، وارتفاع المد البحري، وأفعال إرهابية واضطرابات شعبية.
ونبه القانون إلى أنه لا يتم اعتبار الواقعة كارثية وتحديد التعويضات المناسبة، إلا أن بعد أن "تكون هذه الواقعة موضوع قرار صادر عن رئيس الحكومة خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ وقوع الحادثة، إذ يتوجب أن يكيف القرار الواقعة على أنها كارثة، ويحدد الإعلان الصادر عن رئاسة الحكومة مناطق الكارثة وتاريخ الواقعة ومدة الواقعة الكارثية".
تعقيدات قانونية
في السياق يقول المحامي في هيئة مدينة الجديدة وهابي رشيد، إنه بعد كارثة "زلزال الحوز" وما خلفه من مآس وآلام للمغاربة والضحايا وأسرهم، تضرب فيضانات مدينة آسفي، مخلفة عدداً من القتلى والجرحى وضياع منقولات ومتاجر ومساكن.
وأفاد وهابي بأن زلزال الحوز في الثامن من سبتمبر (أيلول) 2023 دفع رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى إصدار قرار، نشر في الجريدة الرسمية، اعتبر فيه أن إقليم الحوز وتارودانت وشيشاوة وورزازات وعمالة مراكش وإقليم أزيلال، مناطق تقع في دائرة هذه الكارثة، وحدد توقيت هذه الكارثة، في 24 ساعة تبدأ من الساعة 11 من ليلة الثامن من سبتمبر 2023، وهو ما يعني أن كل حدث وقع خارج هذه الساعات المحددة، لا يخول لصاحبه طلب أي تعويضات.
وأفضى قرار رئيس الحكومة إلى تخصيص مساعدات مالية مباشرة لإعادة بناء آلاف المساكن تقدر بـ140 ألف درهم للمنازل الدمرة كلياً، و80 ألف درهم للمساكن التي تضررت جزئياً، وجرى تخصيص منحة شهرية موقتة قدرها 2500 درهم للأسر المتضررة، وتوفير الإيواء العاجل.
وذهب المحامي وهابي رشيد إلى أنه "يتعين تمكين ضحايا فيضانات آسفي من الحصول على تعويضات مالية تصرف لهم، كما حصل مع ضحايا زلزال الحوز، إذ إنه صار من حقهم الاستفادة من تعويضات الصندوق المخصص للكوارث الطبيعية".
واستدرك المتحدث بأن "الأمر ليس بهذه السهولة، لأن الخطوة الأولى التي تفتح الباب أمام تعويض ضحايا الكوارث الطبيعية، التي من دونها لا تقوم لهذا القانون وتعويضاته أية قائمة، هو ضرورة إصدار رئيس الحكومة قرار يعلن فيه أن ما وقع بمدينة أسفي يكتسي صبغة الواقعة الكارثية، ويجري نشر قراره بالجريدة الرسمية، ليتمكن الضحايا وعائلاتهم من طلب التعويض، شريطة توفر عدد من الشروط، والالتزام بتقديم طلب التعويض داخل مدة لا تتجاوز سنتين، وإلا سقط حقهم في التعويض بحكم التقادم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قضية سياسية
وسرعان ما تحولت سيول آسفي التي خلفت مشاهدها المؤثرة صدمة في نفوس عدد من المغاربة إلى قضية رأي عام من خلال رفع مطالب باعتبار المنطقة منكوبة، وأن ما وقع يعد "واقعة كارثية" تفرض تعويض أسر الضحايا والمتضررين.
وانتقد البرلماني محمد أوزين الحكومة بسبب تلكؤها في اعتبار آسفي "منطقة منكوبة"، على رغم ما شهدته من خسارات في الأرواح والممتلكات بسبب الأمطار الطوفانية، حتى تستفيد من صندوق التعويض عن الكوارث الطبيعية.
ووفق أوزين، فإن "عدم تفعيل صندوق الكوارث خلال فاجعة مدينة آسفي، يطرح تساؤلات جدية حول موعد تفعيل هذا الصندوق التضامني، ونجاعته في مثل هذه المحن والكوارث، خصوصاً أن المدينة مهمشة أصلاً من طرف الحكومات المتعاقبة".
ونبه البرلماني إلى أن "شروط التعويض عن الكوارث أكبر كارثة في حد ذاتها، إذ إن القانون يستوجب شرطاً تعجيزياً متمثلاً في تعرض المنطقة لـ500 ساعة متتالية من الفيضانات، وهو ما يعادل 21 يوماً"، وهو الشرط الذي نعته النائب ذاته بأنه "مثير للسخرية".
من جهتها، طالبت البرلمانية نادية التهامي الحكومة بتقديم توضيحات للرأي العام بخصوص التدابير التي ستتخذها من أجل إعلان مدينة آسفي معنية بوقوع كارثة طبيعية، وتفعيل نظام تعويض الضحايا والمتضررين من الأضرار التي خلفتها السيول الأخيرة.
وطالبت البرلمانية عينها بتسريع إحصاء الضحايا والمتضررين، وتقييم حجم الأضرار التي طاولت الممتلكات والأشخاص، بهدف تحديد مضبوط وقانوني للتعويضات المادية التي يتكلف بها صندوق الوقائع الكارثية.
مسؤولية استباقية
ويعلق في هذا الإطار الأستاذ بجامعة مراكش محمد نشطاوي بالقول إن "كارثة آسفي تحيل إلى الإطار القانوني المنظم للتضامن الاجتماعي، وخصوصاً إلى صندوق الكوارث الطبيعة الذي تم إحداثه في عام 2016 برأسمال قيمته أكثر من 200 مليون دولار"، مبرزاً أنه "من المفترض أن يكون هذا الصندوق في عون ضحايا الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات".
ويوافق نشطاوي البرلمانية التهامي في شأن التعجيل في إحصاء المتضررين من السيول المدمرة، الذين فقدوا ممتلكاتهم ومنازلهم، وكل ما ضاع منهم بسبب هذه الفيضانات المفاجئة، حتى تتضح آلية التدخل من أجل تعويضهم بنسب معينة عن خسائرهم.
وشدد المحلل ذاته على أن الدولة تتحمل مسؤولية استباقية للحد من هذه الكوارث الطبيعية، إذ إن الدستور المغربي كان واضحاً بخصوص هذه المسألة، لا سيما في الفصل 40 الذي ينص على أنه "على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبصورة تتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وأيضاً تلك الناتجة من الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد".
ولفت المتكلم إلى أن "ما وقع من فيضانات يطرح أسئلة على السلطات العمومية والمجالس المنتخبة حول دورها في الحد من هذه الكوارث الطبيعية، إذ إن هناك أيادي متورطة بصورة أو بأخرى في ارتفاع عدد الوفيات بسبب التقاعس عن أداء الأدوار المنوطة بالمجالس المنتخبة، استباقاً لمثل هذه الكوارث التي تكثر في فصل الأمطار".