Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما خرج رياض السنباطي منتصرا في معركته "الكلثومية" مع عبد الوهاب

 قصائده تتفوق على نفسها وفورة "إنت عمري" لم تنه مكانته في الصدارة

رياض السنباطي (1906 – 1981) بريشة رسام "إندبندنت عربية"

أواسط العقد السابع من القرن العشرين، أي خلال الستينيات كان العرب منشغلين بكثير ممن الهموم السياسية والاجتماعية والفكرية، ولا سيما حين وصل ذلك العقد إلى ذروة تأزمه مع "هزيمة حزيران" التي سيصر كثر من العرب على عدم اعتبارها هزيمة لفترة طويلة من الزمن، ومع ذلك خلال القسم الأكبر من سنوات ذلك العقد كان ثمة معركة من نوع آخر تثير اهتمام كثر من العرب. معركة اندلعت تحديداً حين لحن محمد عبد الوهاب تلك الأغنية التي سيُروى أن ولادتها تدين للرئيس المصري جمال عبدالناصر، إذ كان هو صاحب الفكرة يوم اجتمع بأم كلثوم وعبد الوهاب متسائلاً متى سنراكما مجتمعين في عمل فني واحد؟

كان السؤال نوعاً من تمن سرعان ما تحول إلى حقيقة مع ظهور أغنية "إنت عمري" التي أحدثت ثورة في العالم الكلثومي، مقربة "كوكب الشرق" من الجمهور الشاب معلنة في نظر البعض "انتهاء زمن رياض السنباطي وبداية زمن محمد عبد الوهاب في مسار أم كلثوم الفني".

جولة في حرب طويلة

 ونعرف طبعاً أن ذلك بدا صحيحاً للوهلة الأولى ولا سيما أن "موسيقار الجيل" ثنى على "إنت عمري" بعدد لا بأس به من أغنيات عرفت بسرعة كيف تبتلع "السوق الكلثومية" برمتها، فارضة حضور نوع من موسيقى راقصة وحيوية تجديدية، ولاحقاً ذات بعد عربي شامل في الغناء الكلثومي. يومها راح كثر يترقبون ذلك الانقلاب الغنائي المدهش، من بينهم يترقبون من ناحية خفية كيف سيكون رد فعل السنباطي على ذلك الغزو لمملكته الكلثومية، وهو الذي كان متربعاً على عرش التلحين للست منذ عقود طويلة.

تُرى هل كان صراعاً حقيقياً ذلك الذي تجابه فيه الموسيقيان العملاقان، أو "شغل صحافة" كما علق أحد النقاد يومها مبتسماً؟ لا يمكن الجزم ولكن يمكننا أن نتساءل اليوم عما يمكن أن يكون قد انتهى إليه ذلك الصراع.

ببساطة يمكننا القول إن السنباطي وبعد جولة بدا فيها أنه هُزم، سرعان ما استعاد أنفاسه ليلحن لأم كلثوم عدداً من الأغنيات والقصائد التي منذ "أقولك أيه"، وبخاصة "الأطلال" وصولاً إلى "القلب يعشق كل جميل"، عرفت كيف تجعل "هزيمته" حالاً مؤقتة، أو بالأحرى هزيمة على المدى القصير ستتحول تدريجياً إلى انتصار كبير على المدى الطويل، وليس فقط بالنسبة إلى تلحين القصائد الكلثومية الكبرى، بل حتى بالنسبة إلى الأغنيات العاطفية والغناء الشعبي والديني وما إلى ذلك.

في مواجهة العبقرية الوهابية

على المدى الطويل إذاً، وبعدما انجلى "غبار المعركة" وصار أطرافها الأساسيون في عالم أجمل من عالمنا، ربما لا تزال أغاني عبد الوهاب الكلثومية تُسمع على نطاق واسع وربما تُستخدم في الحفلات الراقصة، بل ربما حتى يكتفي كثر بالاستماع إلى مقدماتها الحيوية الصاخبة والبديعة التي أثبت فيها عبد الوهاب عبقرياته التوليفية والتوزيعية وشبابه الدائم، كما فعل توازياً مع آخر أغنياته الخاصة الكبرى "من غير ليه"، وفي أجمل ما لحن آخر عمره لفايزة أحمد ووردة وعبد الحليم، لكن ما أبدعه السنباطي يبقى مهيمناً على الأذواق والعقول في عالم الغناء المتكامل من دون شك، يستوي في ذلك قديمه البديع و"جديده" الأكثر حيوية وتحدياً، بما في ذلك رائعته المتأخرة والعاطفية إلى حد كبير "لسه فاكر" التي تكاد تلخص مجمل الغناء العاطفي الكلثومي على مدى تاريخ علاقتها الفنية بالسنباطي نفسه، من "غلبت أصالح في روحي" إلى "لا يا حبيبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومهما يكن من أمر، لو سألنا اليوم ألوف العرب من هواة الموسيقى والطرب الأصيل عن أكثر ثلاثة ألحان عربية يفضلونها، لجاء الجواب على الأرجح بالشكل التالي: "الأطلال" و"رباعيات الخيام" و"قصة الأمس".

السنباطي المجدد

فالقصائد الثلاث هذه هي من أجمل ما غنت أم كلثوم، لكن كوكب الشرق ليست القاسم المشترك الوحيد بين هذه الأغنيات، القاسم المشترك الآخر، وربما الأهم هو رياض السنباطي.

ففي النهاية، إلى جانب محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي وأحياناً في مكانة متقدمة عن معظمهم، كان رياض السنباطي من أعظم المجددين في الموسيقى العربية، بخاصة خلال العقود الوسطى من هذا القرن، وهو مثلهم جميعاً يدين بالكثير إلى العبقري الأكبر سيد درويش، بل يمكننا القول إن السنباطي بذكائه الشديد وحسه المرهف وثقافته الموسيقية الاستثنائية عرف كيف يستفيد من أخطاء الآخرين وتشتت توجهاتهم ومصادر إلهامهم، ويصنع لنفسه توجهاً خاصاً به تميز بوحدته الانسيابية وشخصيته الواضحة.

تميز السنباطي أكثر ما تميز كما أشرنا، في عشرات الألحان التي وضعها لأم كلثوم، فارتبط اسمهما ارتباطاً وثيقاً، وكانت ألحانه لها أفضل ما غنت، ومن هنا كانت رنة الانتصار الخفية التي كانت تبرق في عيني السنباطي منذ أواسط سنوات الـ 60، أي منذ تحقق حلم عبدالناصر فغنت أم كلثوم من الحان عبد الوهاب، ولكن أياً من أغنياتهما لم يرق إلى روعة وكلاسيكية بعض أجمل ما لحن السـنباطي لأم كلثوم، بل ولربما يصح القول بإن الروعة الحقيقية قد طغت على لحن "الأطلال" الذي وضعه السنباطي على شكل تحد فني رائع في وقت كانت فيه "إنت عمري" قد جددت شباب السيدة الكبيرة وفتحت أمامها دروباً جديدة، فأتت "الأطلال" تعيدها إلى الجادة الأصيلة وتذكر بأعظم ما كان لحنه لها السنباطي خلال عصرهما الذهبي. أتت لحظة التألق الكبرى ليس فقط في المعركة مع عبدالوهاب، بل في الغناء العربي ككل.

حياة فنية حقيقية

ولد رياض السنباطي الذي رحل عن عالمنا في مثل هذه الأيام من العام 1981، مما يعني أن علينا الاحتفال بمرور 40 عاماً على رحيله، ولد في العام 1906 بمدينة فارسكور (محافظة دمياط) لأب كان هو الآخر عازف عود ومطرباً، راح يصحبه في حله وترحاله، فكان من الطبيعي له حين بلغ سن الشباب أن سلك درب العمل الفني الموسيقي، بخاصة وأنه باكراً أخذ يعزف على آلة القانون بصحبة فرقة والده.

وفي العام 1927، بناء على نصيحة سيد درويش، توجه السنباطي إلى القاهرة حيث التحق بمعهد الموسيقى العربية وتأثر بمحمد القصبجي ومدحت عاصم، ثم راح يلحن لعبدالغني السيد ونجاة علي وصولاً إلى منيرة المهدية التي لحن لها بعض الأوبراتات.

وفي ذلك الحين كان إبداعه قد نضج لدرجة تنبهت له معها صديقة طفولته أم كلثوم، فدعته لكي يجرب حظه بتلحين أغنيات بعض أفلامها، ومنذ تلك اللحظة لم يفترقا، وطوال أكثر من 40 عاماً لحن خلالها ما يزيد على 50 قصيدة باللغة الفصحى، و100 أغنية بالعامية، غنت أم كلثوم معظمها، بل يقال إن أم كلثوم كانت لها الأفضلية بالنسبة إلى كافة ألحانه، إذ لا يعطي لمغنين آخرين إلا ما كانت "الست" تفضل ألا تغنيه، غير أن هذا القول لم يؤكده أحد، بل إنه يتعارض مع شخصية رياض السنباطي ذات الكبرياء الواضح.

بعيداً من الصخب المجنون

والحال أن كبرياء السنباطي هو الذي جعله يعيش دائماً في منأى عن الوسط الفني منصرفاً إلى فنه وتطوره، أغنية بعد أغنية، وقطعة موسيقية بعد قطعة، والمعروف أن السنباطي وضع عشرات القطع الموسيقية مثل "لونغا رياض" و"الشروق" و"غرام جديد"، كما أنه اشتهر بمقدمات الأغاني التي كانت تشكل في حد ذاتها أعمالاً ذات جمال استثنائي، مثل مقدمات "غلبت أصالح في روحي"، "جددت حبك ليه"، و"لسه فاكر" بين أعمال أخرى تبرز من بينها موسيقى وضعها لقصيدتي الشاعر عبد الله الفيصل الكلثوميتين "من أجل عينيك" و"ثورة الشك"، اللتين أوصل فيهما التعبير الموسيقى إلى مستوى لا يضاهى، وإضافة إلى هذا سجل السنباطي عدداً من الأغنيات بصوته ومنها أغنية "أشواق"، وحاز خلال أعوام حياته الأخيرة على العديد من الجوائز وضروب التكريم، واعتبر على الدوام من أعظم الموسيقيين الذين أنجبتهم مصر. 

المزيد من ثقافة