Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين كتب عبد الوهاب عن طلعت حرب: يا له من رجل نهضة حقيقي!

الموسيقار يغوص في شؤون الحياة والناس في أوراقه الخاصة

طلعت حرب (اندبندنت عربية ـ علاء رستم)

لم يكن الموسيقار محمد عبد الوهاب كاتباً فهو الذي لم يترك لنا حتى كتاب مذكرات يُعتد به. كان موسيقياً كبيراً وبالتأكيد كبير الموسيقيين العرب في القرن العشرين. لكن موسيقياً مبدعاً من طينته كان لا يمكنه إلا أن يعبّر عن أفكاره خارج موسيقاه. ومن هنا لم يكن مدهشاً لكثر أن تكتشف بعد سنوات من رحيله جملة من تعليقات وفقرات وملاحظات في ألوف الصفحات كتبها خلال مراحل متفرقة من حياته، سجل فيها آراء في الفن والأدب والبشر وشتى الشؤون التي عرضت له في حياته. وكما يروي الشاعر فاروق جويدة الذي وضعت أسرة عبد الوهاب تلك النصوص بين يديه فأصدر منها بعد أعوام من رحيل المبدع الكبير جزءاً أول يتضمن بعضها، فإن تلك النصوص كانت من النوع الذي يكتبه المرء لنفسه دون أن يسعى إلى نشره أو يوافق على ذلك. ومن هنا كانت الكتابات صريحة قاسية أحياناً حنوناً في أحيان أخرى. لكن المهم في الأمر هو أن تلك النصوص، على قلتها في المختارات التي نشرها جويدة، كانت تشي بأن محمد عبد الوهاب كان يمكنه أن يكون كاتباً كبيراً بقدر ما كان موسيقياً كبيراً، لا سيما من حيث دقة ملاحظته للناس والأحداث والعلاقات وحتى التطورات السياسية، وربما أيضاً الاقتصادية من حوله.

الفنان في صف الكبار

والحقيقة أن الذين يعرفون قصة حياة عبد الوهاب واحتضان أمير الشعراء أحمد شوقي له باكراً يعرفون كم أن ذلك الاحتضان جعل الموسيقي الشاب يعيش في المناخات الأدبية والسياسية والاجتماعية منذ سنوات ما بعد مراهقته، ما أهله ليكون مثقفاً كبيراً إلى جانب كونه فناناً استثنائياً، وهو ما تشي به النصوص التي نتحدث عنها. ولئن كان من غير الممكن في هذا السياق هنا الإطلاع على كل ما دونه عبد الوهاب في هذه النصوص، قد يكون من الملائم الالتقاء به في المكان الأقل توقعاً. في ما كتبه يوماً عن طلعت حرب الذي يمكن القول إنه كان في الاقتصاد نهضوياً كبيراً لا تقل نهضويته عن نهضوية محمد عبد الوهاب في الموسيقى والفن عموماً. كتب عبد الوهاب تحت عنوان "طلعت حرب رائد الصناعة المصرية": "طلعت حرب هو أول من وضع الأسس الاقتصادية للصناعة في مصر. وهو أول من أنشأ بنك مصر وكان لا يوجد في مصر إلا بنوك أجنبية. وكان المصريون لا يودعون أموالهم إلا في بنوك أجنبية (...) كان الرجل صادقاً لا يكذب. شجاعاً ذكياً عاقلاً دعكته الخبرة وأصقلته التجارب. وكان تكوينه الخلقي وسلوكه يبعثان على الاحترام والخوف (...) وكان نافذ البصيرة بدرجة أنني كنت أتصور أنه وهو جالس في مكتبه ينظر أمامه إلى حائط الغرفة أتخيل أنه نفذ ببصره مخترقاً الحائط ورأى الموظفين في البنك وماذا يفعلون. وقد استغل بذكائه الروح الوطنية التي بعثها سعد زغلول في الأمة المصرية، وأنشأ البنك مستغلاً حماس المصريين نحو كل عمل مصري.

الحياة من دون أحزاب

"لم ينتسب طلعت حرب إلى أي حزب، يضيف عبد الوهاب، كما لم يصادق أبداً أحداً من البارزين في الأحزاب السياسية حتى لا يأخذ حزب آخر هذه الصداقة ذريعة للنيل من مشاريعه. وكان مصرياً صميماً رغم أنه تربى في بيوت الأرستقراطية المصرية البعيدة عن المصرية. وكنت أزوره مع شوقي في الغرفة المخصصة له في مسرح الأزبكية– وهو الذي أقامه- كنت أذهب مع شوقي في التاسعة مساء لزيارته. وفي هذه الغرفة كان يتناول العشاء مع أصدقائه الخاصين جداً. وكان لا يحب إلا الأكل الشعبي مثل الفول المدمس والطعمية والعجة والجرجير والكرات. وكنا كثيرا ما نتناول العشاء معه في غرفته "كباب" من عند الحاتي وكان يحلي بالبسبوسة أو بالحمصية أو السمسمية، أي حلاوة المولد...".

مثال على قدرة الأفراد

تلك هي الصورة التي رسمها الفنان الكبير لحرب وهي صورة لا بد أن نضيف إليها هنا أن طلعت حرب هو المثل البارز الذي يكشف عن أن في وسع الأفراد، في بعض الأحيان أن يلعبوا في تاريخ أممهم دوراً يفوق دور الجماعات والأحزاب، وبخاصة إذا تلاقت لديهم إرادة العمل بإمكانياته، والنزعة الوطنية بالانفتاح على العالم وعلى ما يحدث فيه. ولكن لئن كان الأفراد قد لعبوا دوراً كبيراً في تاريخ أممهم عن طريق تزعم الثورات أو الانقلابات العسكرية أو الخطب النارية والسعي السياسي في سبيل الاستقلال؛ فإن الطريق التي اتبعها طلعت حرب كانت طريقاً مغايرة تماماً: طريق الاقتصاد والتنمية، وهو ما جعل كثيرين يشبهونه، في زمنه، بعلي مبارك رائد التحديث التنموي والعلمي في مصر. ولكن يبقى ثمة فارق أساسي بين مبارك وطلعت حرب، فعلي مبارك جاء إلى التنمية عن طريق السلطة السياسية، أما طلعت حرب فجاءها عن طريق الجهد الفردي والعمل الخاص. ومن هنا أهميته وفرادته.

من الترجمة إلى الاقتصاد

ولد طلعت حرب 1876، وتخرج في كلية الحقوق في 1889، (وعلى الأرجح هناك خطأ ما في واحد من التاريخين، ولكن هكذا أجمعت المصادر التي نقلنا عنها). المهم عين طلعت حرب حال تخرجه مترجماً، لكنه بالتدريج ومن خلال عمله في الترجمة لدى بعض الشركات الأجنبية، دخل عالم الاقتصاد والإدارة ما مكنه من تسلم إدارة بعض الشركات الصغيرة، حتى 1908 حين أسس شركة ستلعب دوراً كبيراً في حياته وفي حياة مصر هي "شركة التعاون المالي". غير أن مصر لن تعرفه من خلال إدارته لتلك الشركة، بقدر ما ستعرفه من خلال وضعه لكتاب "قنال السويس" (1910) الذي كان أول تعبير مصري علمي عن معارضته مشروع "امتياز شركة قناة السويس البريطانية- الفرنسية". كانت معارضته عنيفة، لكنها لم تنجح إلا في أن تكشف له أن مصر لن يمكن أن تقوم لها قائمة إن لم تحصل على استقلالها الاقتصادي الذي اكتشف أنه يفوق في أهميته أي استقلال سياسي. وهكذا دعا إلى إنشاء بنك وطني مصري، لكن دعوته عورضت من قبل القصر كما من قبل الإنجليز، وظلت موضع معارضة حتى كانت ثورة 1919 التي فتحت أمام المصريين آفاقاً جديدة للتحرك الوطني، وخففت بعض الشيء من خنق الإنجليز لهم، خارج نطاق السياسة على الأقل، وهكذا قيض لطلعت حرب أن يؤسس "بنك مصر" في 1920.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نهضة رجل واحد

ومن المعروف أن تأسيس "بنك مصر" كان مقدمة لتأسيس العديد من المشاريع الاقتصادية التي كان طلعت حرب يشرف عليها بنفسه ويحتضنها وكأنها فلذات كبده. ومنها شركة مصر للغزل والنسيج، التي كانت واحدة من أكبر الشركات المصرية في ذلك الحين وكان الهدف الأساسي منها إنقاذ القطن المصري من براثن الاحتكارات الإنجليزية، وتصنيعه كخطوة على طريق إنشاء صناعات محلية. وفي ذلك الإطار أنشأ طلعت حرب، شركة مصر للتمثيل والسينما، التي أنشأت، بدورها، "ستوديو مصر" الذي لعب دوراً أساسياً ورائداً في ولادة السينما المصرية على أسس علمية وسليمة، حيث نعرف أن طلعت حرب، لكي يحول صناعة السينما إلى صناعة حقيقية ومنتجة لم يتوان عن إرسال البعثات إلى ألمانيا وفرنسا، لكي يدرس أفرادها فنون السينما دراسة علمية جادة. وأفراد تلك البعثات هم الذين تمكنوا من تأسيس السينما المصرية فيما بعد. كان طلعت حرب مؤمناً بأنه لا وطن ولا استقلال من دون اقتصاد، وأنه لا اقتصاد من دون علم وتخطيط علمي.. وهو سار دائماً على هدى إيمانه ذاك، فكانت النهضة التي نتجت عن ذلك نهضة لا مثيل لها في تاريخنا العربي المعاصر.

مرارة اللحظات الأخيرة

غير أن طلعت حرب لم يكن رجل اقتصاد وتخطيط وحسب، بل كان رجل كتابة وعلم أيضاً، وهو شارك بقلمه في العديد من السجالات التي كانت قائمة بل مشتعلة في زمنه، وتدخلاته كانت تجمع وتنشر في كتب، ومن أبرز تلك الكتب "تربية المرأة والحجاب"، و"البراهين البينات على تعليم البنات" و"تاريخ دول العرب والإسلام" و"علاج مصر الاقتصادي" و"كلمة حق على الإسلام والدولة العلية" المترجم عن الفرنسية. وبديهي القول، إن الحرب ضد طلعت حرب لم تهدأ أبداً، وأنه بمقدار ما كان ينجح في مشاريعه، كان سعار الحرب ضده يشتد. ومن هنا حين رحل الرجل عن دنيانا صيف عام 1941، رحل وفي قلبه أكثر من غصة ومرارة.

المزيد من ثقافة