Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صاحب "حديث الروح" الذي ضمته أم كلثوم إلى الشعراء العرب

محمد إقبال ناضل وفكر ورحل باكراً بعد أن أدرك عمق الأزمة

محمد إقبال كان كاتباً وشاعراً وفيلسوفاً ورجل سياسة وتربية في الوقت نفسه (بنترست)

كان ذلك في النصف الثاني من سنوات الستين، الذي وصل فيه العصر الذهبي للغناء العربي ذروته وكانت أم كلثوم قطبه الرئيس. حينها وفي ظل تأزمات سياسية مدهشة ومركبة رأت كوكب الشرق أم كلثوم أن الوقت قد حان لجمع الشعوب العربية على طريقتها من حول مصر كقلب للعروبة. وكانت أم كلثوم طبعاً تمتلك ذلك السحر الذي يجعل الأحاسيس العربية تتجمع حول فنها، ما يصب في نهاية الأمر في صالح مصر ودورها في العالم العربي، وربما الإسلامي أيضاً. ومن هنا طلعت تلك الفكرة الطيبة التي جعلت أم كلثوم تنتخب تباعاً عدداً من قصائد لشعراء اختارتهم من شتى الدول العربية لتلحَّن وتصدح بها تلك الفنانة الاستثنائية في حفلاتها الشهيرة. وعلى هذه الشاكلة تعرفت الجماهير العربية العريضة على شعراء من السعودية والسودان أو لبنان، من مصر أو سوريا أو غيرها ما كان في إمكان شعرهم أن يصل إلى تلك الجماهير لولا الغناء الكلثومي.

بين الجمال والفعالية

طبعاً لا يمكننا اليوم أن نفترض أن تلك المجموعة من الأغنيات كانت من أفضل ما غنت أم كلثوم في حياتها، ولا أن أولئك الشعراء كانوا الأفضل في بلدانهم، لكننا قادرون على أن نقول إن مجموع تلك الأعمال شكل "جامعة عربية" تبدت مع الزمن أقوى من تلك الجامعة الجامدة التي ما عرفت في حياتها أن تلعب دوراً في جمع تلك المئات من الملايين.

لكن اللافت في ذلك الحراك أن الأغنية الأجمل والأنجح بين أغنياتها وفي كل المقاييس كانت غير عربية الأصل. الوحيدة الآتية من الخارج مترجمة إلى العربية، ولكن لشاعر مسلم ربما يجوز القول إنه سيصبح على أي حال، الأشهر بين أولئك الشعراء "الكلثوميين" الجدد. ونتحدث هنا عن قصيدة "حديث الروح" التي لن يكون من الظلم لأحد أن نقول إنها الوحيدة التي عاشت حتى اليوم من بين تلك المجموعة، أداءً ولحناً. والتي اقتبست من قصيدة للشاعر الباكستاني محمد إقبال.

على مستوى "الرباعيات"

"حديث الروح" التي كانت الوحيدة التي أُمكن مقارنتها مع تلك القصائد الروحية العظيمة التي كانت أم كلثوم قد أنشدتها في الخمسينيات وما قبلها، مثل "رباعيات الخيام" و"سلوا قلبي" وسواهما من الروائع، ربما يصح اعتبارها إضافة حقيقية إلى المتن الكلثومي، ونوعاً من الاستعادة للغناء الروحي. ولقد سارت أم كلثوم هنا على عادتها في إسناد تلحين قصائدها الروحية الكبرى إلى رياض السنباطي. والجدير بالذكر أن تقديم الفنانة الكبيرة للقصيدة للمرة الأولى عام 1967 خلا من حضور محمد القصبجي الذي كان قد اعتاد مرافقتها عازفاً على العود، بعد أن كفّ عن التلحين لها إذ كان رحل من عالمنا قبل فترة. ولنشر هنا إلى أن القصيدة المغناة إنما كانت نوعاً من الجمع بين قصيدتين لإقبال لا من قصيدة واحدة وهما من ترجمة الصاوي شعلان الذي أُغفل اسمه لأسباب مجهولة حينها.

عروبة الشاعر الهندي

مهما يكن، كان من أثر إغفال اسم المترجم أن اعتقد كثر أولاً أن شاعرها عربي، ثم، ولو أنه كان هندياً مسلماً، فإنه كتبها بالعربية التي كان يتقنها على أي حال. ولكن سرعان ما تبين أن محمد إقبال كان واحداً من الوجوه الخيرة والكريمة التي عرفها الفكر الإسلامي والتنويري في القرن العشرين. وها هم العرب يتعرفون إليه من خلال شعره بفضل أم كلثوم، التي إذ غنت من نظمه "حديث الروح"، جعلته بين ليلة وضحاها كبير الشهرة لدى العرب. وكان في هذا ظلم له بالطبع، فالرجل كان أكبر وأهم من أن يُعرف من طريق أغنية، حتى لو كانت أغنية كلثومية، بل واحدة من أجمل ما غنت كوكب الشرق منذ "رباعيات الخيام".

من أوروبا إلى العمل السياسي

كان محمد إقبال كاتباً وشاعراً وفيلسوفاً وحقوقياً ولغوياً ورجل سياسة وتربية في الوقت نفسه. وكان، هو المولود في البنجاب في 1878، يعبّر عن نفسه بالهندية والأوردية والفارسية والعربية، إضافة إلى الإنجليزية والألمانية، وهو حين رحل من عالمنا عام 1938 في مدينة لاهور، قبل عقد من قيام دولة باكستان الإسلامية التي كان واحداً من الساعين لقيامها، كان في عز نشاطه وتحركه كواحد من رجال الفكر والعمل في مجال تحديث الفكر الإسلامي. ولقد مكّنه من هذا ما تلقاه من تربية تقليدية سلفية في سيالكوت مسقط رأسه، وما أضافه إلى ذلك من علم حديث تلقاه في كامبريدج ببريطانيا، وميونيخ في ألمانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

البعد التربوي

في 1897 كان إقبال قد نال درجة الماجستير في الفلسفة، ليعيّن بعد خمسة أعوام أستاذاً لهذه المادة في جامعة لاهور، غير أن ذلك لم يحد من رغبته في مواصلة تعليمه، فاتجه إلى إنجلترا حيث درس الحقوق، ثم التحق بجامعة ميونيخ لينال الدكتوراه في الفلسفة في 1908 عن أطروحة عنوانها "تطور فلسفة ما وراء الطبيعة في فارس". وعاد في العام نفسه إلى الهند حيث عين أستاذاً للأدب الفارسي ليحتفظ بهذا المنصب حتى آخر أيامه، على الرغم من انتخابه عضواً في الجمعية التشريعية في البنجاب لدورتين، عامي 1924 و1926، ومشاركته في مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن عامي 1931 و1932.

وفي 1930 كان إقبال قد ترأس "رابطة المسلمين الهنود" التي كانت تدعو إلى تأسيس دولة إسلامية مستقلة في شمال الهند. وهو في خضم ذلك كله وضع عديداً من المؤلفات باللغتين الفارسية والأوردية، كما كتب بعض الأشعار بالعربية. ومن بين أبرز ما كتبه يمكن أن نذكر، "تجديد الفكر الديني في الإسلام" (وهو مجموعة محاضرات جامعية ألقاها بالإنجليزية في 1928) و"رسالة الخلود" (1932) و"ماذا يجب أن نفعل يا أمم الشرق؟" (1936) و"رسالة المشرق" و"أسرار الذاتية" و"رموز إنكار الذات" و"مسافر" ومعظمها مجموعات شعرية، علماً بأن شعر محمد إقبال، على الرغم من طابعه الصوفي، كان شعر رسالة أي إنه كان يتضمن مواقف سياسية وفكرية ودينية واضحة.

في سبيل الاستقلال

غير أن إسهام إقبال الرئيس يتمثل، إلى جانب خوضه المعترك السياسي من أجل استقلال مسلمي الهند بدولة لهم، وإلى جانب دعوته لمسلمي العالم، ولأمم الشرق إلى النهوض، في محاولته الدعوة لتجديد في الفكر الإسلامي انطلاقاً من أن "الشريعة الإسلامية بحد ذاتها غير جامدة وقابلة للتطور، وتاريخ الفقه يثبت ذلك".

وكان إقبال يؤكد أن "القرآن الكريم يرى الكون في حالة تغير وتبدل دائمين، فلا يمكن أن يقف ضد فكرة التطور. كذلك فإن أصحاب المذاهب الفقهية لم يقولوا إن ما جاءوا به هو آخر ما يمكن قوله". ويرى إقبال أن "ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام في مجال ضرورة تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيراً جديداً على ضوء تجاربهم وتجارب العصر، هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ". وذهب إلى أن "الإجماع قد يكون من أهم الأفكار التشريعية في الإسلام، على الرغم من أن العلم به كان ضئيلاً في تاريخ الإسلام. وها هي العوامل الراهنة تعيد هذا المبدأ إلى مركز الصدارة".

شرق وغرب أم جنوب وشمال؟

وعلى أي حال كان إقبال واحداً من أول المفكرين المسلمين الذين أدركوا باكراً عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والروحية التي يتخبط فيها العالم بعد أن انقسم إلى شرق وغرب، حيث اعتبر أن العالم ليس كذلك (كما كان الرأي سائداً في ذلك الحين) بل هو جنوب وشمال. وكان يرى أن على المسلمين، أهل الجنوب، أن يواجهوا الخواء الحاصل عبر تلمسهم للدروب التي توصلهم إلى المعرفة كسلاح قوي: معرفة العصر ومعرفة تراثهم.

وفي هذا المجال، قد يكون من الملائم اليوم أن نعود لقراءة محمد إقبال لندرك، كما أن هذا المفكر الذي رحل قبل نحو 60 عاماً وعرفته الجماهير العربية "شاعراً كلثومياً" وحسب، يبدو وكأنه يتحدث عنا ويرسم الخطوط الموصلة إلى شيء من الخلاص.

المزيد من ثقافة