Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قوة السوشيال ميديا" تعيد الحقوق وتثير الخرافات في مصر

يلجأ إليها البعض للمجاهرة بالمشكلات بما في ذلك التشهير والتشكيك وأحياناً لترويج قصص وهمية

صارت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة ضغط لاسترداد الحقوق ومنصة للقصص الوهمية أحياناً (أ ف ب)

مضى عهد التنظير حول إمكانات منصات التواصل الاجتماعي واستشراف قدرتها على التغيير والتحويل، وحالياً تقف مجتمعات عدة شاهد عيان على تفجر قنابل عنقودية وانشطارات تسفر عنها "نوترونات" سياسية و"فوتونات" اجتماعية عالية الطاقة، لا تحدث فقط هرجاً في الأفكار ومرجاً في المجتمعات، لكن ينجم عنها جسيمات تدعو إلى التفكير في منصات التعبير وسبل التمثيل الحاضر منها والمفتقد. افتقاد الغالبية المطلقة من المحتوى الموجود على منصات التواصل الاجتماعي لصدقية المعلومة أو شفافية الرأي أو حتى غاية منطقية من تحميله لا يفسد لهذه المنصات أي قضية أو انتشار أو شعبية تصل إلى حد نعتها بـ "الاجتياحية" أو "الفيروسية".

انتشار فيروسي

وما الانتشار الفيروسي في مصر وغيرها من الدول لفيديو الطبيب والممرض والكلب الذي قلب الدنيا الافتراضية والواقعية رأساً على عقب إلا نقطة في بحر تأثير منصات التواصل الاجتماعي المعروفة بـ "السوشيال ميديا" التي أعادت حق زينب (42 عاماً) التي "عملت فضيحة على الضيق (محدودة) لطليقها على واتساب" وهو ما نجم عنه استعادة جانب من الحقوق المهدورة.

تقول زينب، "إن طليقها معروف بين أفراد أسرته وأصدقائه بالأناقة والكرم والشهامة والهرولة لمساعدة كل مَن يحتاج الدعم سواء المعنوي أو المادي". لكنه، بحسب كلامها، على النقيض من كل ذلك معها وأبنائهما الثلاثة، وحين طلبت الطلاق ساومها على التنازل عن كل حقوقها وأبنائها المادية، فما كان منها إلا أن دشنت مجموعة "غروب" على واتساب وكتبت وحمّلت عليها تفاصيل المشكلة، مما "تسبب له في فضيحة بجلاجل" على حد قولها. وانتهت الأزمة بوقوع الطلاق مع حصولها على كامل حقوقها وحقوق أبنائهما من دون حتى اللجوء للمحكمة. تقول، "إنها قوة السوشيال".

قوة "السوشيال" ذاتها صنعت ما يعرف بـ "صانع المحتوى" القادر على قلب الدنيا رأساً على عقب بفيديو ثم إعادتها بآخر. هذه القوة التي تسمح لنفسها بالتلاعب، وفي أقوال أخرى توجيه، وفي ثالثة صناعة وتشكيل ردود فعل شعبية تصل أعدادها لملايين (بحسب قاعدة متابعي صانع المحتوى) تجد نفسها هذه الأيام في خانة تتأرجح بين الاتهام وإساءة الاستخدام.

صانعة محتوى

تقول سيدة شابة تدعى إيفون نبيل وتعمل صانعة محتوى، "إن الفيديوهات التي حملتها على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بها التي تبكي فيها وتقول "إن زوجها احتجزها في البيت ويهددها بالقتل ما هي إلا تعبير عن انفجار بسبب ضغوط تتعرض لها وإنها في أمان ولن تكرر ما فعلت". هكذا يقول الخبر المقتضب الذي تتعامل معه الملايين باعتباره خبراً مثيراً لكن عاد ضمن تصنيف العادية التي يتابعونها يومياً وعلى مدار الساعة والمشتقة من منصات التواصل الاجتماعي. الجزء الخاص بقيام أبناء مهنة "صانع محتوى" ممن يتخصصون في المحتوى الشخصي يلقى رواجاً واهتماماً ونسب مشاهدة ومتابعة هي الأعلى، لكنه اهتمام قصير تصنعه مهنة مقصوفة العمر.

عمر قصير وأثر كبير

وعلى الرغم من عمرها القصير حيث تنافس الطيور في قصر دورة الحياة، إلا أنها السائدة هذه الآونة، وهي سيادة فرضت سطوتها ليس فقط في موطنها الأصلي حيث شبكة الإنترنت وشاشات المحمول والكمبيوتر، لكن توغلت منها إلى منصات الإعلام التقليدي الذي يفتئت منذ سنوات على ما ورد في المنصات التي سلبته تفرده وجردته من هيمنته. هيمنة مقطع "تيك توك" مثير ينفجر على الأثير سويعات ثم يتحول رماداً، أو مقطع "يوتيوب" ساخن يصنع 10 ملايين مشاهدة في ساعتين ثم يتبخر في هواء الأثير، أو صور على "إنستغرام" أو تدوينة على "فيسبوك" أو تغريدة على "تويتر" تقلب الدنيا ثم تعاود الدنيا ضبط زواياها وتصحيح اتجاهاتها لحين همينة جديدة لا تستغرق في العادة أكثر من ساعات معدودة.

ملايين المتابعين

عدد من تابعوا المقاطع المصورة لـ "صانعة المحتوى" القادمة في الأصل من عالم الإعلام التقليدي إيفون نبيل يقدر بالملايين، التي تعاطفت معها وساندتها وعضدتها، إذ تعرض على المتابعين والمتابعات تفاصيل من حياتها الشخصية ونصائح مختلفة و"طاقة إيجابية" تقول إنها تخصصت فيها.

حين أخبرت إيفون متابعيها من "صالة البيت"، "أن زوجها يهددها وأنها محتجزة وهو بصدد أن يسافر بأبنائهما خارج البلاد بينما تعيش هي في مشكلات معه منذ ثماني سنوات، وأنها قرأت حتى تشخص حاله فوجدت أنه نرجسي وذهبت إلى طبيب تستشيره، فأكد ذلك وأخبرها أنه لا علاج لهذا"، لم تحظ بدعم متابعيها فقط، بل تحركت أجهزة الدولة بكامل عدتها.

مدير مكتب شكاوى المرأة في المجلس القومي للمرأة أمل عبدالمنعم قالت "إن المكتب تلقى على الخط الساخن 15115 شكوى لتقديم المساعدة لإيفون عقب الفيديو". وأضافت، "المجلس تواصل هاتفياً معها للاطمئنان عليها وعرض تقديم المساعدة القانونية والنفسية". في هذه الأثناء كانت وزارة الداخلية قد اتخذت إجراءاتها القانونية في استجابة سريعة للفيديو والاستغاثة، وتم تحرير محضر بالواقعة وإحالته إلى جهات التحقيق التي أشارت إلى "أن الزوج منع زوجته من استخدام منصات التواصل الاجتماعي وخبأ هواتفها المحمولة وجهاز الكمبيوتر الخاص بها حتى تتوقف عن البث".

تفجر عالم البث

لكن الساعات القليلة الماضية أثبتت أن توقف بث "صانع محتوى" أو "مؤثر" عقب هذا الكم من الإثارة لا ينجم عنه إلا تفجر في عالم البث. العشرات من أبناء المهنة نفسها من صناع المحتوى أغلبهم من الإناث، اتخذوا من بث إيفون الاستغاثي نقطة انطلاق ومصدر رزق يتفجر محتوى وإثارة وسخونة على صفحاتهن الشخصية. فيديوهات مصورة وما يشبه الأفلام الوثائقية القصيرة تارة عنها وأخرى عن العلاقات الزوجية وثالثة عن الرجل الشرقي الذي يغار من زوجته ورابعة عن القهر الذي تتعرض له المرأة الناجحة غزت أثير المنصات، حيث حرب ضارية بين صناع المحتوى للرقص لمتابعة صفحاتهم وحساباتهم وأخرى مشتعلة على أثير الفضائيات والمواقع الصحافية التي حاولت قدر الإمكان أن ينالها من حظ الإثارة جانباً، بل إن أحد المواقع الخبرية استعان برأي خبير قانوني أفرد 16 تهمة يمكن توجيهها إلى زوج صانعة المحتوى.

لكن خروج صانعة المحتوى لتقول "إنها لن تكرر ما فعلته من شكوى شخصية على الأثير، مؤكدة أنها في أمان وفي بيت ذويها، ثم خروج زوجها للمرة الأولى ليروي في حديث صحافي القصة كما جرت من وجهة نظره".

تحدث الزوج عن رفضه التام لتعرية تفاصيل حياتهما وأبنائهما وبيتهما أمام مجتمع الـ "سوشيال ميديا"، وطلبه غير مرة منها التوقف عن ذلك، ووصفه لهذا التوجه في منصات التواصل الاجتماعي بـ "الابتذال"، كما نفى تماماً تهديده لها أو ممارسته العنف ضدها، لكنه أقر بتخبئة الهواتف المحمولة باستثناء الهاتف الذي بثت منه فيديو الاستغاثة.

سرعة ومباغتة

وبالسرعة نفسها والمباغتة ذاتها اللذين تفجر بهما فيديو صانعة المحتوى، سكنت وخفتت وانزوت. وإذا كان فيديو الطبيب والممرض والكلب لم ينزو بعد، وذلك لتصعيد الأمر إلى جهات تحقيق، فإن غير هذا وذلك الملايين من الفيديوهات والكتابات والصور التي تتفجر على مدار الدقيقة على أثير العنكبوت، بعضها يقوم بمهمات الترفيه، وثان يحتوي على معلومات مفيدة وثالث من وحي الخيال، ورابع عبارة تصوير لحظي لموقف أو حادثة، وخامس مثقل بشكاوى وهموم واستغاثات لمواطنين عاديين وليس صناع محتوى مصدر رزقهم ما يحملون ويكتبون ويصورون.

من واقعة محصل القطار الذي أهان مجنداً لعدم دفع التذكرة، والفيديو الذي دخل كل بيت مصري، إلى اعتداء مجموعة صبية على صبي سوداني والتنمر عليه، إلى وقائع التحرش الجماعي في ميادين وشوارع خلال سنوات سابقة، إلى مناشدات لوزراء ومسؤولين والرئيس للتدخل لعلاج ابن مريض أو إيجاد سكن بديل أو تخصيص معاش معقول أو التحقيق في واقعة غش في امتحان، وغيرها كثير من المحتوى الذي يعكس عواراً أو نقصاً أو قلة ثقة أو غياباً في وسائل التعبير والشكوى المعتادة باتت سمة من سمات الحياة اليومية.

استغاثة مصورة

صاحب الكشك الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب على ناصية شارع جانبي في حي مصر الجديدة (شرق القاهرة) طلب من أحد الشباب المترددين عليه أن يصوره وهو يستغيث بالمسؤولين الذين أبلغوه بإزالة الكشك غير المرخص، وتحميل الفيديو على الـ "سوشيال". عاملة النظافة في حمام نادٍ رياضي شهير طلبت من إحدى العضوات أن تكتب لها شكوى ترسلها إلى الإدارة التعليمية تتظلم فيها من عدم قبول نقل ابنتها من مدرسة إلى أخرى، فما كان من السيدة إلا أن قالت لها، "الكتابة والقراءة تستغرقان وقتاً، ناهيك عن الإرسال بالبريد الذي قد لا يصل من الأصل، وإن وصل فقد لا يُقرأ، وإن قُرئ فالأرجح أن موظفي الإدارة التعليمية لن يلتفتوا إليه، وإن التفتوا فقد يتعنتون بل ويضطهدون ابنتك. أفضل ما يمكن عمله أصورك فيديو وتحكي المشكلة في دقيقتين أو أقل ونحملها على السوشيال ميديا"، وقد كان.

 وتم تحويل الاستغاثة لكبار المسؤولين مع المتابعة لضمان التحقق واتخاذ اللازم منعاً لـ "صداع السوشيال" الذي يزيد باستمرار، فهو وإن شهد طفرة كبرى مواكبة أو بالأحرى مسببة لأحداث يناير (كانون الثاني) 2011 والسنوات الـ 10 ومجرياتها التي تلتها، فهو مستمر في الزيادة والتطور والنمو، يزيد ويتأرجح بين منصة وأخرى بحسب الفئة العمرية للمستخدمين، والغاية من الاستخدام وأسبابه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موقع "ستات كاونتر" على الإنترنت المعني بجمع وتحليل البيانات من جميع أنحاء العالم يشير إلى أن زيادة متأرجحة لاستخدام المصريين لمنصات التواصل الاجتماعي في العام بين أغسطس (آب) 2020 والشهر نفسه في 2021. وبعدما كان "فيسبوك" هو المنصة الأكثر استخداماً وهيمنة في مصر، تزاحمه حالياً "يوتيوب" و"تويتر" و "بينترست" و"إنستغرام" وغيرها.

ويشير التقرير الرقمي الصادر في أبريل (نيسان) الماضي عن شركة "ناوس للتسويق" الذي يتطرق إلى استخدامات منصات التواصل الاجتماعي في مصر إلى أن 57 في المئة من المصريين كانوا يستخدمون الإنترنت في مطلع العام الحالي، و96 في المئة من أولئك المستخدمين لديهم هاتف ذكي، وأن 47 في المئة من الشعب مستخدمون نشطون لمنصات التواصل الاجتماعي. والمثير أن زيادة مستخدمي الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي تسير بوتيرة أسرع من زيادة السكان، فالسكان زادوا بنسبة 1.9 في المئة في خلال عام، لكن مستخدمي الإنترنت زادوا 8.1 في المئة خلال العام نفسه.

شكاوى مليونية
وعلى الرغم من منظومة الشكاوى الحكومية التي تم تدشينها بموجب قرار جمهوري صدر عام 2017، باعتبارها قناة تواصل بين أجهزة الحكومة المختلفة بما في ذلك المصالح والهيئات الحكومية والوزارات والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية من جهة والمواطن من أخرى، لحل المشكلات التي تواجهه عبر البريد الإلكتروني أو "واتساب" أو رسالة نصية قصيرة، التي يتلقى ملايين الشكاوى، إلا أن هناك اعتقاداً سائداً بأن الفيديو الذي يتم تحميله على "السوشيال ميديا" أكبر أثراً وفائدة.

يقول صاحب الكشك الذي طلب تصويره وهو يستغيث طالباً عدم إزالة الكشك أن "منظومة الشكاوى تتلقى بدل الشكوى مليوناً، لكن الفيديو الواحد الذي يصور شخصاً من لحم ودم ودموع ومشاعر قادر على تحريك مياه الشكاوى الراكدة، فالشكوى تظل شكوى واحدة وإن كررتها تكون شكويين، لكن الفيديو يتحول إلى آلاف وملايين مثل الفيروس المعدي". صاحب الكشك الذي لا يقرأ أو يكتب فهم وهضم "قوة السوشيال".

وهن الحياة السياسية

"قوة السوشيال ميديا" تجد نفسها مرابطة كذلك على الجهة المقابلة لـ "وهن الحياة السياسية"، وأغلب الظن أن سؤال أي ممن يحملون فيديوهات تحوي استغاثة أو مشكلة تحتاج إلى تدخل الجهات الرسمية عن اسم النائب البرلماني الذي يمثله في مجلس النواب ستكون "لا أعرف" أو "لا أتذكر"، وكذلك الحال بالنسبة إلى عدد الأحزاب السياسية أو مواقعها أو قدراتها على إحداث ضغط أو تأثير أو تغيير، وعدم المعرفة لا يعني جهلاً بالضرورة، لكن قد يعني كفراً بالمنظومة أو توقاً للخلاص السريع.

وتشير ورقة بحثية عنوانها "وسائل التواصل الاجتماعي: تأثيرات متنامية وأدوار شائكة في العالم العربي" (2020) للباحث في الشؤون الخليجية أشرف العيسوي أن منصات التواصل الاجتماعي باتت شريكاً رئيساً في صناعة الرأي العام، إذ إنها تؤثر في الوعي ويتنامي فيها دور الفرد في قدرته على التأثير، إضافة لكونها عاملاً مساعداً في إحداث التغيير".

يضيف، "أحد أبرز أمارات التغيير في مصر ليس فقط إقبال المصريين متناهي النظير على متابعة ما يدور على منصات التواصل الاجتماعي، بل اللجوء لقوة السوشيال للتعبير والمطالبة بالحقوق أو المجاهرة بالمشكلات، بما في ذلك الفضح والتشهير والتشكيك وربما ترويج خرافات وقصص وهمية، لكن الأدهى من ذلك هو دخول الدولة على خط "قوة السوشيال"، واستخدام المنصات كأداة للتواصل وطريقة للاستجابة ووسيلة لتحسين الصورة.