Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طريقة استخدامنا وسائط التواصل الاجتماعي تقتل فن التحاور

لم يعد الناس يشعرون بحرية طرح الأسئلة ومقارعة الأفكار باحترام أو مجرد التعبير باختصار عما يخطر في أذهانهم... إنها مرحلة خطيرة نعيشها

الكاتبة النيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي الذائعة الصيت وجهت سهام النقد إلى الاستقطاب على وسائل التواصل الاجتماعي وتقويضه الحوار (رويترز)

أينما وجد المرء نفسه في الطيف السياسي والأيديولوجي، في عصر وسائط التواصل الاجتماعي هذا، خصوصاً إذا كان من المترددين، فإنه سيواجه على الدوام دهماء من الأيديولوجيين الطهرانيين والمحاكمين والمحلفين، الذين يحاولون إلغاءه.

أنا، كوني نيجيرية بريطانية فخورة، نشأت على الإيمان بحرية التعبير، وقول ما في البال بأمانة وصدق، لكني تعلمت، في الوقت عينه، أن كل فعل وكل كلمة أنطقها لهما عواقب على نفسي وعلى كل من تجمعني صلة به... "تذكري العائلة التي تتحدرين منها"، كانت الجملة التي سمعتها من أمي، وما زالت أصداؤها تتردد في رأسي منذ أيام المدرسة الابتدائية.

باختصار، إن قليلاً من الرقابة الذاتية التي يمارسها المرء للتأكد من صدقه ودقته وحسن نواياه ليست مضرة أبداً. إلا أن هناك وجه حق في مقالة شيماماندا نغوزي أديشي (كاتبة نيجيرية شهيرة)، الأحدث، التي ذكرت فيها أن "محكمة" وسائط التواصل الاجتماعي "ضخمت" هذه الفكرة لدرجة بات الناس معها لا يشعرون بالحرية في طرح الأسئلة، ومقارعة القناعات باحترام، أو مجرد الإفصاح عما يدور في أذهانهم، وذلك يمثل مرحلة خطيرة بلغناها، خصوصاً إذا كان المرء متحدراً من ثقافة (أو على الأقل من جنسية) تؤمن بالديمقراطية، هذه الأخيرة التي تعد حرية التعبير أحد أقدم أركانها، وأيضاً، يمكن القول، أهم أركانها على الإطلاق.

وسبق لأديشي عام 2017، أن وجدت نفسها وسط عاصفة على وسائط التواصل الاجتماعي، حيث جرى اقتباس كلام منها وإخراجه من سياقه لتبدو فيه غير مؤيدة لحقوق العابرين (جنسياً). وهي في مقالتها الأحدث تدحض ذلك الافتراض، الذي للأسف، وعلى نحو خاطئ، وسم سمعتها طوال أربعة أعوام. وتقوم أديشي عبر مقدرتها اللغوية القاطعة بإسناد مقالتها إلى حالة نموذجية لـ"شابة نسوية نيجيرية لامعة" لا تورد اسمها، كانت أديشي احتضنتها لفترة قصيرة من الزمن، لكنها فيما بعد تحدثت بالتفصيل عن خيانة للصداقة بدرت (من تلك الشابة) على "تويتر". كما تتحدث الكاتبة عن تصرفات راهنة (على وسائط التواصل الاجتماعي) لشبان محددين، فتقول: "يظهرون أداءً عاطفياً في عرض المآثر، ويتقنون (هذا الأداء) في فضاء "تويتر" العام، لكن ليس في فضاء الصداقة الحميم... إنهم أشخاص يدّعون الشغف بالأدب – قصص إنسانيتنا المشوشة – بيد أنهم أيضاً مهجوسون على نحو جنوني بكل ما يتداول من أرثوذوكسية أيديولوجية. أشخاص يطلبون منا إدانة أصدقائنا لأسباب واهية، وذلك كي نتمكن من البقاء ضمن دائرتهم الطهرانية المختارة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهنا تكمن المسألة: طريقة تعاملنا مع أولئك الذين هم خارج "الأرثوذوكسية الأيديولوجية المتداولة". مشكلة الإنسانية تتمثل بـ"التيار السائد"، وبكيفية تواصلنا وتعاملنا مع الذين يجدون أنفسهم في الهوامش. لقد أظهر لنا التاريخ طرق مريعة سلكناها نحن البشر في ذاك التعامل، وكان أحسنها محاولات واهية للتواصل، وأسوأها مؤامرات لطمس أولئك الأشخاص كلياً. الفكر التعددي وتنوع الآراء والسلوكيات كانت على الدوام مسائل لا يسهل التعامل معها.

لكن الآن، في عام 2021، يفترض أن تكون البشرية قد بلغت ذروة تطورها، وهذا، برأيي، يستوجب التعامل بفهم أكبر مع العناصر الوافرة التي تكون الوجود الإنساني. الأمر يشمل مجموعة واسعة من الآراء والسلوكيات، كما يشمل القدرة على مساءلة كل الأمور بنية حسنة، ومن دون خشية المسائل من تضرر سمعته على نحو قطعي.

مما لا شك فيه فإن شركات وسائط التواصل الاجتماعي بلغت اليوم خطاً رفيعاً (حدوداً دقيقة فاصلة) فاصلاً بين أن تقوم بحظر الأشخاص الذين يتصرفون بعدوانية صريحة، وأولئك الذين ببساطة يطعنون في الاتجاه الفكري السائد بموضوع محدد، ويعكرون في السياق صفو الأجواء، بيد أن المسألة تتجاوز الأمثلة القصوى التي ينبغي على منصات التواصل التدخل المباشر فيها، إذ إنها مسألة تتعلق بوقوع فن النقاش بذاته، تحت الخطر.

من النقاش تنبثق كل أشكال الإبداع ومشاركة المعرفة والتنوير الشخصي التي لها القدرة على تغيير العالم وتطويره. ووسائط التواصل الاجتماعي سمحت لمجموعات دهمائية متنامية من الأشخاص – تحت ذرائع الحملات الأخلاقية واتباع النظريات أو الحسابات التي تطلق في دقائق – بالانقضاض بشراسة على كل من لا يندرج في سياق تفكيرهم. والسبب؟

من الواضح أن التوازن يميل لصالح التواصل غير الشخصي على الإنترنت. وما كان سابقاً يستخدم لتمتع بالحديث مع أشخاص من أصقاع نائية من الأرض، بات اليوم حافزاً لتشجيع ما يعرف بـ"محاربي الإنترنت" على استخدام كلماتهم مثل وابل نبال، بهدف "إلغاء" الآراء والفلسفات، وأحياناً – من غير قصد – إلغاء أشخاص آخرين بحد ذاتهم.

وأنا هنا أجرؤ على القول إن هذا يتنافى مع الغاية التي أنشئ لأجلها الإنترنت. فنحن كأفراد علينا التصرف بطريقة أفضل. صحيح أن على وسائط التواصل الاجتماعي مسؤولية إيقاف الكراهية التحريضية، إلا أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتقنا نحن، الناس. علينا جميعاً أن نكون قادرين على استخدام تلك المنصات بمسؤولية، فنسمع ونناقش آراء من قد يختلفون معنا، باحترام، ومن دون خوف.

منحتنا منصات مثل "تويتر" وغيرها فرصة رائعة للتعلم من بعضنا بعضاً، ولتوسيع معرفتنا بهذا العالم الذي نعيش فيه، المذهل بكثرة عيوبه، ولتوسعة آفاقنا علناً نغدو بشراً أفضل في هذا السياق، لكننا أيضاً لا يسعنا أن نبقى جاهلين أمام حقيقة أنه إن كنا مدركين لحساسية موضوع مطروح (على منصات التواصل)، ونصر على الخوض بلغة لا تتحلى بالقدر الكافي من الدقة والحساسية في أتون السجال المستعر حوله، فيجب حينذاك أن نكون جاهزين لردود فعل "منطقية" – أشدد على هذا التوصيف – من قبل أولئك الذين أزعجهم الأمر.

قال ويليام هازليت، "فن التحاور هو فن الاستماع، وفن أن يسمع لنا". لا يمكن لأحد هذين القطبين أن يوجد من دون الآخر، بالتالي لا يمكن للتحاور أن يقوم من دونهما معاً. واليوم، بعد السنة التي خبرناها وعشنا في ظلها، من يود العيش في عالم من دون تحاور؟         

© The Independent

المزيد من ثقافة