Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جائحة مستترة" تصيب المرأة العربية تحت وطأة كورونا

النساء في طليعة محاربي الوباء ومع ذلك وجدن أنفسهن وقد تم تجاهلهن في اتخاذ قرارات تتعلق بالاستجابة للوباء

عانت وما زالت النساء والفتيات في المنطقة العربية جراء الجائحة بأشكالها الواضحة المباشرة والملتفة المستترة (أ ف ب)

ما لا يقل عن 120 مليون إصابة وما يزيد على 2.6 مليون وفاة بسبب وباء وجد النساء في طليعة الاستجابة له من متخذات قرار وطبيبات وممرضات ورائدات أعمال ومقدمات رعاية وأمهات وزوجات ومعلمات وغيرهن. وعلى الرغم من ذلك، تهدد الأزمة بمحو عقود من التقدم الذي أحرزته النساء والفتيات.

صحيح أن الرجال يشكلون النسبة الأكبر من الوفيات الناجمة عن فيروس كوفيد-19، إلا أن الجائحة نفسها أسهمت في ارتفاع حالات العنف ضد النساء والفتيات في ما يمكن تسميته بـ"الجائحة المستترة". ومع الجائحة المستترة، أتت جائحة اقتصادية ناجمة عن إغلاق أعمال وتسريح وركود وأخرى اجتماعية سببها نقص الرعاية وكلاهما أثر سلباً في النساء. ولم يكتفي الوباء، بذلك، بل فرق في ظلاله الوخيمة التي يلقيها على النساء بحسب العمر والإعاقة والدخل والعرق، وذلك بشكل صارخ.

جائحة صريحة وأخرى مستترة

وبشكل صارخ أيضاً، عانت وما زالت النساء والفتيات في المنطقة العربية جراء الجائحة بأشكالها الواضحة المباشرة والملتفة المستترة. ثلاثة أبعاد مختلفة تم رصدها من قبل "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" و"هيئة الأمم المتحدة للمرأة" من شأنها أن تمثل تهديداً للمساواة بين الجنسين عربياً وهي: ارتفاع حالات العنف ضد النساء والفتيات، والزيادة غير المسبوقة في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، وانعدام الأمن الاقتصادي الناجم عن فقدان الوظائف والدخل وسبل العيش على نطاق واسع.

في ظل حالة من عدم اليقين الشديد التي اجتاحت العالم عقب التأكد من أن وباء قد ضرب الكوكب، سارعت الدول إلى إنشاء آليات حوكمة خاصة وآليات استشارية للمساعدة في معالجة الأزمة الصحية والاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة. وبينما كانت النساء في طليعة محاربي الوباء، وجدن أنفسهن وقد تم تجاهلهن في اتخاذ قرارات تتعلق بالوباء وآثاره، بما في ذلك القرارات الموجهة للنساء مثل "كوفيد-19" والحمل مثلاً. ويتم ذلك على الرغم من يقين الجميع بأن استبعاد النساء من اتخاذ القرارات في شأن "كوفيد-19" يقلل من فعالية الاستجابة لها.

إسراف من نصيب النساء

لكن الوباء وتداعياته وآثاره الممتدة يسرف في التأثير في النساء والفتيات. فآثار الوباء المباشرة واحدة بالنسبة إلى النساء والرجال، لكن النساء يحظين بنصيب الأسد حيث يتعرضن لقدر متزايد من العنف في زمن الوباء ما يستوجب إجراءات خاصة، ويواجهن قدراً أكبر من المشكلات في سوق العمل والرعاية غير مدفوعة الأجر ما يتطلب إجراءات حماية اجتماعية. كما أن المعضلات الاقتصادية التي يواجهنها تحتاج إلى توفير أمن اقتصادي، لا سيما في قطاعات الاقتصاد التي تهيمن عليها الإناث.

دفع ذلك المكتب الإقليمي للدول العربية لـ"منظمة الأمم المتحدة للمرأة" وبرنامج الأمم المتحدة إلى إطلاق مرصد الاستجابة العالمية لـ"كوفيد-19" المعني بالنوع الاجتماعي في المنطقة العربية قبل أيام. ويعمل المرصد على مراقبة التدابير والسياسات العامة التي تصدرها الحكومات لمواجهة تبعات جائحة "كوفيد-19".

العنف في المقدمة

وتبين أن 20 من بين 22 دولة عربية اتخذت إجراءات تراعي أبعاد النوع الاجتماعي في ما يختص بالاستجابة لآثار كورونا. الجانب الأكبر من هذه الإجراءات يتعلق بالعنف الذي يمارس ضد المرأة، تليها إجراءات ضمان الأمان الاقتصادي للنساء في ظل الوباء. أما الإجراءات الخاصة بأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر فقد جاءت في ذيل القائمة والاهتمام.

وعلى الرغم من أن كل الدول العربية اتخذت إجراءات تتعلق بالحماية الاجتماعية وسوق العمل ضمن الاستجابة لآثار الوباء، إلا أن أغلبها لم يراعِ النوع الاجتماعي بل كان موجهاً للجميع. كذلك الحال بالنسبة إلى المساعدات المقدمة لقطاعات الأعمال المتضررة من الوباء، إذ غابت عنها خصوصية الآثار بالنسبة إلى النساء.

ويشير المرصد إلى أن مصر وفلسطين والأردن والبحرين هي الدول العربية التي اتخذت إجراء واحداً على الأقل يراعي النوع الاجتماعي في كل من الأبعاد الثلاثة الخاصة بالعنف وسوق العمل والرعاية الاجتماعية. كما جاء كل من مصر وفلسطين وتونس والمغرب بأعلى إجراءات مراعية لاعتبارات النوع الاجتماعي. والدولتان اللتان لم تسجلا أية إجراءات خاصة بالنوع الاجتماعي هما ليبيا وجزر القمر.

درجات الالتزام السياسي

أما تقييم أداء المنطقة العربية مقارنة ببقية مناطق العالم، فإن الاستجابة المبنية على النوع الاجتماعي لأزمة "كوفيد-19" تختلف بشدة بين المناطق وبعضها، وهو ما يعكس اختلافات جذرية في ما يتعلق بالالتزام السياسي والقدرة المالية والإدارية بين دول العالم.

لكن دول المنطقة العربية ركزت بشكل واضح على تدابير حماية المرأة من العنف الموجه ضدها والمتصاعد في ظل الوباء. والدول التي اتخذت إجراءات في هذا الشأن هي: مصر والسعودية والمغرب وتونس والأردن وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق والبحرين. وقد عززت الخدمات الموجهة للناجيات من العنف مثل الخطوط الساخنة وآليات الإبلاغ الأخرى والملاجئ الآمنة وتعظيم استجابات الشرطة والقضاء وتوفير الدعم النفسي وضمان استدامة خدمات القطاع الصحي.

ويلفت المرصد إلى أهمية التعامل مع خدمات التصدي للعنف ضد المرأة والوقاية منها باعتبارها خدمات أساسية وجزءاً لا يتجزأ من خطط الاستجابة الوطنية والمحلية للوباء. لكن دولتين فقط فعلتا ذلك وهما المغرب وفلسطين، وهو ما يثير القلق من تعرض النساء لمزيد من العنف من دون ضمان تلقي المساعدة اللازمة والكافية في ظل استمرار الوباء. ويلاحظ كذلك غياب تام في المنطقة العربية للتصدي للعنف الذي يمارس ضد النساء عبر الإنترنت على الرغم من شواهد عدة تشير إلى تفاقمه في زمن الوباء.

تجاهل أمن النساء الاقتصادي

قبل الوباء وبعده، يعاني الأمن الاقتصادي للمرأة من التجاهل. وبحسب المرصد، فإنه على الرغم من شيوع إجراءات الأمن الاقتصادي والرعاية الاجتماعية التي اتخذتها دول المنطقة في ظل الوباء، إلا أن المرأة ليست في القلب منها. فأغلب إجراءات الحماية الاجتماعية الموجهة للمرأة في ظل الوباء تتخذ شكلاً عينياً مثل مبالغ مالية أو مخصصات غذائية تتسلمها المرأة لمرة واحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والدولة العربية الوحيدة التي اتخذت تدابير مالية واقتصادية لدعم القطاعات المؤنثة في اقتصادها– أي القطاعات التي تستوعب نسبة أعلى من النساء مقارنة بالرجال هي تونس.

وعلى الرغم من أن المنطقة العربية بشكل عام أعطت الأولوية لتدابير الانتعاش الاقتصادي أكثر من المناطق الأخرى، إلا أن التركيز الأكبر كان على الحماية الاجتماعية. فيما تظل أحوال سوق العمل والتدابير المالية والاقتصادية منخفضة، لا سيما أن المؤشرات تؤكد أن عمل المرأة العربية تضرر بشدة بسبب الوباء. إذ فقدت ملايين النساء العربيات وظائفهن، وارتفعت نسبة البطالة بينهن، وهو ما يزيد طين بطالة النساء المرتفعة قبل الوباء بلة تفاقمها بعد الوباء.

قبل وأثناء وبعد الوباء

وقبل الوباء وأثناءه وبعده على الأرجح، يظل ملف الرعاية غير مدفوعة الأجر في المنطقة العربية مهملاً ومتجاهلاً. ومعروف أن إجراءات دعم الرعاية غير مدفوعة الأجر تشمل منح إجازات عائلية مدفوعة الأجر، وبرامج النقد مقابل الرعاية، وترتيبات وقت عمل مرن أو أقصر من المعتاد، وتوفير خدمات رعاية الأطفال وهي إجراءات نادرة الحدوث في المنطقة العربية. والدول السبع التي اتخذت عدداً قليلاً من الإجراءات في هذا الصدد هي: مصر والأردن وفلسطين والجزائر والإمارات والبحرين والكويت.

وفي مناسبة إطلاق المرصد عبر فعالية افتراضية قبل أيام، قالت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سارة بول إن "مراقبة مدى استجابة السياسات العامة لاحتياجات النساء والفتيات ومطالبهن هو إجراء شديد الأهمية لضمان سلامة وفعالية سياسات الاستجابة بوجه عام. ومع تفشي جائحة كوفيد-19 وما خلفته من أزمات اقتصادية واجتماعية صارت تلك المراقبة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لا سيما أن أزمة كوفيد-19 تهدد بمحو عقود من التقدم المحرز لصالح النساء والفتيات".

التمويل عقبة

ويبدو أن التمويل يظل عقبة كلاسيكية في كل الأزمنة. نائبة المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة للدول العربية يانيكا فان دير غراف كوكلر قالت "إن الاستجابة السليمة لجائحة كوفيد-19 تستوجب معالجة القضايا الرئيسة التي تواجهها المرأة عبر سياسات ممولة بشكل كافٍ". وقالت عن المرصد إنه "يسمح بتحديد التدابير المُتخذة في جميع أنحاء العالم والتعلم منها ومقارنتها بغرض الاستفادة منها". وأشارت إلى "أن المعلومات المتوافرة تؤكد أن مشاركة المرأة العربية في القيادة وفي فرق العمل الوطنية للاستجابة لجائحة كوفيد-19 مهمة لمواجهة آثار الجائحة بشكل عملي، لكنها ضعيفة جداً".

النساء والقيادة والجائحة

الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ومديرة المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خالدة بوزار كشفت قبل أيام أن أزمة وباء "كوفيد-19" أظهرت أن البلدان التي شغلت فيها النساء مراكز القيادة الوطنية حققت نجاحات أكبر نسبياً في المعركة الصعبة للحد من تفشي الجائحة والتخفيف من آثارها. وقالت إن "الوضع نفسه ينطبق على الأصعدة المحلية ومختلف المؤسسات، إذ تُبرهن المنظمات النسائية عملياً على امتلاكها المعرفة والقدرات اللازمة لتأمين نتائج أفضل للأفراد والمجتمعات".

وأشارت بوزار إلى أنه على الرغم من افتقار المنطقة العربية لأعداد كافية من النساء في مواقع صنع القرار في القطاع العام، إلا أنه لم يكن هناك نقص في القيادات النسائية القوية التي تدفع على جميع المستويات نحو التغيير للأفضل خلال الجائحة.

وأضافت أن النساء العربيات يقفن على الخطوط الأمامية للتصدي للأزمة، سواء من خلال عملهن كعاملات أساسيات في القطاعين الصحي والاجتماعي، أو مساهماتهن داخل أسرهن ومجتمعاتهن، مشيرة إلى أنه على الرغم من كل تلك الجهود إلا أنها تظل غير مرئية في أغلب الأحيان. كما أن الأعباء التي تتحملها المرأة العربية تضاعفت في زمن الوباء، إذ توجب عليها بذل المزيد من الجهد في عملها في داخل البيت وخارجه، وفي الوقت نفسه تحمل وطأة الآثار الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن الجائحة.

المطلوب حالياً هو الاستماع إلى أصوات النساء في المنطقة العربية، لا سيما في ضوء دورهن القيادي في زمن الجائحة (وإن ظل غير مرئي وغير معترف به)، إضافة إلى متابعة أعمال المرصد الافتراضي والذي يتم تحديثه أولاً بأول لمعرفة تفاصيل الاستجابة المعنية بالنوع الاجتماعي لجائحة "كوفيد-19" المتعايشة معنا، وذلك بغرض المعرفة والتحليل والتصويب.