Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العرب يختلفون افتراضيا حول جنس "طالبان"

أثير التواصل الاجتماعي العربي حافل بنقاش صدامي حول تصنيف "طالبان"

الأفغان نزحوا إلى الحدود بعد استيلاء طالبان على كابول  (أ ف ب)

لسبب ما، تحلق كلمات رائعة للمطرب محمد عبده في الأجواء معبرة عن حالة شد وجذب بين عشق مكتوم وكره مغلول، ومجاهرة فرضتها الأحداث على مشاعر حرص أصحابها على إبقائها حبيسة الصدور خوفاً من اتهامهم بتطرف أو تشدد أو خصام للقرن الـ21 وتعلق بتلابيب الماضي البعيد.

"أبعاد أنتم كنتم ولا قريبون، المراد أنكم دايماً سالمون. ما أقول غير الله، الله يكون بعون كل العاشقين". ابتعاد حركة "طالبان" عن السلطة في أفغانستان طيلة السنوات العشرين الماضية، لم يعنِ أبداً ابتعاد الفكرة عن قلوب اعتنقت الدين السياسي وعقول نضجت في كنف خلطة الدين بالسياسة بفكرة الوطن ومفهوم الحدود.

نقاشات صدامية

أثير منصات التواصل الاجتماعي حافل هذه الآونة بحراك نقاشي كثيراً ما يتحول إلى صدامي في ضوء الوضع في أفغانستان، وما جرى وما كشف عنه الانسحاب الأميركي "الفوضوي" كما ينعته الإعلام. ولأن منصات التواصل الاجتماعي لا تقر بحدود وطنية أو تعمل حساباً لما ينبغي قوله أو التعبير عنه أو الإفصاح عنه لدواعي العادات أو التقاليد أو الأجهزة الرقابية، فإن "انتصار طالبان" ومنافستها القوات الأميركية في سرعة السيطرة على البلاد، بينما الأخيرة تنسحب فجأة ومن دون سابق إنذار وعلى ما يبدو دون سابق تخطيط، أطلق العنان لمشاعر بهجة دفينة بين البعض لهذا "النصر".

وعلى الرغم من تداخل بهجة "انتصار الإسلام" ببهجة "إخفاق الأميركان" أو "غير المسلمين"، تظل ذبذبات البهجة واضحة لا ريب فيها. "خروج القوات الأميركية بهذا الشكل الفضائحي، ونجاح قوات طالبان ورجالها الأشاوس في إحكام السيطرة على البلاد خلال أيام قليلة، دليل واضح على أن الله لا يضيع صبر الصابرين أو يتجاهل جهاد المجاهدين"، تغريدة كتبها أحدهم ليعكس وجهة نظره في عودة سطوة "طالبان" في مقابل انسحاب الأميركان، وهو الانعكاس الذي أفضى إلى انعكاس أكبر وأوسع متمثلاً في إعادة مشاركة التغريدة آلاف المرات.

مؤشر السعادة

آلاف، وربما ملايين المغردين والمدونين المرابطين على ضفة السعادة الغامرة أو المتوسطة أو حتى الخافتة لـ"انتصار طالبان"، يكشفون بسعادتهم تلك عن كثير من المسكوت عنه في شأن الإسلام السياسي من جهة، والموقف من الغرب عموماً وأميركا على وجه التحديد من جهة أخرى.

الإسلام السياسي الذي يحكم قبضته، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، على كثير من مفاصل الحياة في عدد من الدول العربية، يعبر عن نفسه من دون قصد بين حدث جلل وآخر. وحيث إنه ليس هناك ما هو أكثر جللاً من الانسحاب الأميركي "الفوضوي" المباغت و"الاستيلاء الطالباني" الأكثر مباغتة على ربوع أفغانستان، فقد جاء رد الفعل الشعبي العربي على أثير التواصل الاجتماعي طبيعياً مباغتاً هو الآخر. رد الفعل الشعبي العربي لا يتصل بالضرورة بردود الفعل العربية الرسمية. وبعيداً عن تهنئة سياسية رسمية باستلاب مقاليد الحكم هنا، أو دعوة دينية رسمية أيضاً بالحفاظ على النصر العظيم ودعاء بأن تحذو شعوب العالم الإسلامي الأخرى الواقعة تحت تدخل غير إسلامي الحذو نفسه، فإن ردود فعل الشارع العربي على أثير العنكبوت تختلف وتتراوح عاكسة انتماءات أيديولوجية وتوجهات سياسية وأخرى دينية وثالثة خالطة بينهما كما جرت العادة.

أفغانستان الإسلامية الحبيبة

"اعتاد العرب التهليل لكل تدخل غربي عدو للإسلام في شؤونهم. ندعو الله العلي القدير أن ينعم علينا بنعمة الاستفادة والعبرة من الدرس المستفاد من أفغانستان الإسلامية الحبيبة". "أفغانستان الإسلامية الحبيبة"، كما لقبها شخص يسمي نفسه "الملا ميدو" على "تويتر"، تعيد إلى الأذهان فئة "عربية" ابتلعهتا 20 عاماً من الوجود الأميركي. العرب الأفغان أو الأفغان العرب يعاودون الظهور، إن لم يكن بالجسد فبالفكرة واستدعائها.

العرب الأفغان الذين تقدر أعدادهم التقريبية، نظراً لاستحالة التقدير الرسمي، بنحو 35 ألف شخص، وفي أقوال طالبانية متطرف، يجدون أنفسهم اليوم قيد الاستدعاء الذهني. هذه المجموعات التي انضمت إلى التنظيمات المسلحة في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي لأفغانستان في ثمانينيات القرن الـ20، كانت ملء السمع والأبصار عربياً. ليس هذا فقط، بل تعامل معها كثيرون ، بمن فيهم ليبراليون بعيدون كل البعد عن الإسلام السياسي، باعتبارهم أبطالاً خارقين ومخلصين محترمين يقفون في وجه المحتل السوفياتي بعتاد بدائي، وفي كهوف وجبال ووعورة يتقنون مداخلها ومخارجها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أثير التواصل الاجتماعي العربي حافل هذه الآونة بنتائج التنقيب عن "العرب الأفغان". لكن التنقيب لا يتوقف عند الاستدعاء فقط، فهناك من يشير إلى ضرورة تذكر هؤلاء والاعتراف بفضلهم في "انتصار طالبان العظيم". وهناك من يدعو إلى ضرورة الاستعداد لصد الخطر الداهم الناجم عن هؤلاء، والذين سيفاخرون حتماً باستعادة شوكتهم في أعقاب الأحداث الأخيرة.

التنقيب العنكبوتي

حملات التنقيب العربية على "تويتر" و"فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك" تحرك مياه العرب الأفغان الراكدة. فمن بضعة آلاف هاجرت لتلبي نداء التطرف إلى جماعات منشطرة، منها ما حمل فكر "طالبان" مضيفاً إياه إلى فكر جماعات محلية، ونقل التجربة لبلاده مستفيداً كذلك من تبادل الخبرات عبر تقاربات مع تنظيمات شقيقة مثل "داعش" و"القاعدة" وغيرهما، تحفل منصات التواصل الاجتماعي بتحليلات شعبية واجتهادات فردية حول المستقبل القريب في ظل الحدث الرهيب.

الحدث الرهيب فتح كذلك أبواب السجال بين فرق أخرى داعمة ورافضة للاستعانة بالمحتلين، وفي أقوال أخرى الأصدقاء لإدارة شؤون البلاد والنهوض بها وإخراجها من كبواتها. جانب من الحراك العربي العنكبوتي يتطرق إلى الموقف من الغرب عموماً وأميركا على وجه الخصوص، باعتبارها "جندي العالم" و"رامبو" الضعفاء.

وجبات الخنزير

وضمن التغريدات "المثيرة" الجاري تداولها تغريدة كتبها مغرد أفغاني بالإنجليزية، يقول فيها "الأميركيون يقذفون من الطائرات وجبات مصنوعة من لحم الخنزير كي يأكلها الأفغان المسلمون، منتهزين فرصة عدم معرفة كثيرين للغة الإنجليزية. انتبهوا". التغريدة جذبت العديد من ردود الفعل من قبل معسكر معاداة التدخل الأميركي. لكنها جذبت كذلك ردود فعل ساخرة كثيرة.

آخرون مالوا بدفة السجال صوب فكرة تحرر الشعوب من سطوة الاحتلال الأجنبي، حتى وإن كان الثمن الوقوع في براثن جماعة دينية أو حركة متطرفة. هذا السجال أعاد فتح أبواب موقف العرب من الإسلام السياسي على مصاريعها، وهو الفتح الذي وصل مداه إبان انقلاب الإرادة الشعبية في مصر على حكم "جماعة الإخوان المسلمين"، الذين وصلوا إلى الحكم عبر صناديق الانتخاب.

وإذا كانت صناديق الانتخاب بعيدة هذه الآونة عن القاعدة العريضة، فإن غرف الدردشة المغلقة والمفتوحة قريبة جداً. نقاشات عدة تدور رحاها حول دور "جماعة الإخوان المسلمين" في دول مثل مصر وتونس، واحتمالات عودتها لتصدر الساحة أو دمجها على أنها "فصيل وطني"، أو دهسها تماماً باعتبارها مشروع إرهاب يمشي على آلاف وربما ملايين الأقدام. المؤكد أن "انتصار طالبان" الأخير بث كثيراً من الأمل في النفوس المنهكة لأتباع ومريدي ومؤيدي الإسلام السياسي المنهكة. والمؤكد أيضاً أنه بث كثيراً من القلق والوجل في قلوب الكارهين والمعارضين لتيارات الإسلام السياسي، ما ظهر منها وما بطن.

طالبان الملهمة

وسواء كان "انتصار طالبان" ملهماً للموؤودة طموحهم والمجهضة آمالهم في وصول جماعات الإسلام السياسي بدرجاتها إلى سدة الحكم، أو مفجعاً لاحتمال تحقق هذا الطموح، تبقى الأحداث المتسارعة والأفكار المتصارعة في أفغانستان مجالاً خصباً ينبئ بتوفير التربة الخصبة المواتية لصناعة أجيال جديدة من صغار المتطرفين، حيث "التطرف فكرة، والفكرة لا تموت لا باحتلال أميركي أو بانسحاب عشوائي أو بفتح باب هجرة ولجوء على سبيل الترضية"، كما يغرد أحدهم مختتماً تغريدته بـ"مافيش أمل". (لا مجال للأمل).

أغنية محمد عبده تثبت صدق كلماتها يوماً بعد يوم. فسواء كانت "طالبان" وقواتها بعيدة أو قريبة، في داخل المدن أو كهوف الجبال، في سدة الحكم أو بؤرة الترقب، تظل "سالمة" سواء بالروح حيث قاعدة داعمين ومشجعين حية ترزق، أو بالجسد كما يتضح بعودتها سالمة غانمة. يختلف العرب كثيراً هذه الآونة في شأن موقفهم من عودة "طالبان" وانسحاب الأميركان. لكنهم يتفقون على صعوبة المرحلة وعشوائيتها وضبابية المستقبل القريب.