Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طبيب وممرض وكلب... "دعابة أم إهانة" في مصر؟

فيديو يوثق طلب الأول من الثاني نط الحبل والسجود للحيوان فجر حمماً طبقية ودينية وأخلاقية

إهانة طبيب مصري لممرض تتصاعد إلى القضاء بعد غضب شعبي في البلاد (أ ف ب)

انقلبت الأوضاع رأساً على عقب، وانشغل ملايين البشر بأخبار عجيبة غريبة مريبة، ووقوع أحداث وحوادث كانت مصنفة حتى الأمس القريب باعتبارها "غرائب وعجائب" بشكل متواتر، باتت سمة من سمات الحياة، وأحدث ما يجري في مصر واقعة الكلب والممرض والطبيب.

حديث الجميع

الطبيب البشري والأستاذ الجامعي ذو الاسم الكبير في عالم العظام وممرضه وكلبه وشخص ما قام بالتصوير بكاميرا هاتف محمول أصبحوا حديث القاصي والداني في مصر، والشغل الشاغل للنائب العام ونقابتي الأطباء والتمريض وجامعة عين شمس ووزارات الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي والداخلية والأزهر ودار الإفتاء والبرلمان ومجلس الشيوخ والقاعدة العريضة من الشعب المصري في الشارع، وعلى أثير العنبكوت وعلى شاشات الفضائيات وصفحات المواقع الإلكترونية.

المواقع الإلكترونية الصحافية تحوي سؤالاً يستطلع آراء المتابعين، ما هي العقوبة المناسبة للطبيب الذي أمر ممرضاً بالسجود للكلب؟ وهو السؤال الذي تم تخفيف حدته "الدينية" في مواقع أخرى فجاء، ما العقوبة المناسبة للطبيب الذي أجبر ممرضاً على الاعتذار لكلبه؟

الأسئلة المطروحة لغرض الإثارة والاستزادة حيث في كل "كليك" (كبسة زر) منفعة ومكسب للموقع، تفتئت على واقعة اقتحمت كل بيت مصري من بوابة "السوشيال ميديا" أو منصات التواصل الاجتماعي التي ترفع شعار "قوة السوشيال ميديا غير القابلة للترويض أو التحجيم".

التحجيم المستحيل

تحجيم أثر الدقائق الأربع التي انتشرت انتشاراً فيروسياً على منصات التواصل الاجتماعي بأنواعها وأشكالها، ومنها إلى المنصات الإعلامية التقليدية على الإنترنت والشاشات وبالطبع صفحات ملايين البشر من سكان العالم الافتراضي بات شبه مستحيل.

استحالة تنفيذ المطالبات البرلمانية والشخصية المتصاعدة بحذف الفيديو القنبلة تشي بطبيعة العصر، فقبل أيام قليلة انتشر مقطع فيديو لطبيب مصري وشخصين يبدو أنهما من الأمن الإداري وممرض في مستشفى، حيث يمسك فردا الأمن بطرف حبل، بينما الطبيب يطلب من الممرض أن "ينط الحبل"، ويظهر الطبيب وهو يلوم الممرض على إهانته لكلب الطبيب، ثم يطلب منه أن يسجد للكلب بسبب هذه الإهانة، وتظهر في الفيديو ممانعة الممرض لتنفيذ طلب الطبيب قائلاً إن توصيله بالكهرباء أهون من أن ينفذ طلب الطبيب، بينما الأخير مستمر في طلبه.

ثورة هادرة

طلب السجود وقبله الاعتذار وكذلك "نط الحبل" في داخل مستشفى أثارت ثورة هادرة في مصر، وانتقلت منها إلى دول مجاورة وغيرها.

ملايين تداولوا الفيديو وملايين دونوا وغردوا وتفاعلوا حيث الغضب مصبوب على الطبيب، وردود فعل متضاربة متراوحة بين الأسى والتعاطف والغضب والحنق على الممرض الذي وقع عليه الفعل "الشائن".

كتب أحدهم تغريدة يقول فيها إن "المشين هو أن طبيباً ميسوراً أمضى سنوات طويلة في الدراسة ويفترض التربية ومنها إلى ممارسة مهنة الرحمة والإنسانية، لكنه يتعامل بحيوانية مع ممرض مسكين".

المعنى الرئيس في التغريدة يقوم في الأساس على "الميسور" في مواجهة "المسكين"، وهي مواجهة باتت شائعة في مصر خلال السنوات القليلة الماضية. أحداث وحوادث عدة باتت تتعرض للتنصيف الطبقي المفترض أن الميسور بالضرورة شرير وأن المسكين حتماً مقهور، وهذا التصنيف يهيمن على الجانب الأكبر من ردود الفعل الشعبية تجاه الواقعة الملتهبة، لكن مواضع الالتهاب في الحادثة كثيرة ومواطن الاحتقان عديدة.

هرولة للتضييق وتبييض الوجه

تعدد الجهات التي هرولت لتضييق الخناق على الطبيب وربما لتبييض وجهها وإبراء ذمتها، يكشف فداحة ما جرى بعدما تناثرت شظاياه في البداية بجنبات نقابة الأطباء، باعتبارها الجهة المنظمة لأخلاقيات العمل الطبي والمسؤولة عن المستشفيات.

 نقابة الأطباء سارعت بعد ساعات قليلة إلى اتخاذ ما ينبغي اتخاذه من خطوات، فعلى الرغم من أن "أحداً" (الممرض)  لم يتقدم بشكوى للنقابة حول الفيديو، إلا أن وكيل النقابة أسامة عبدالحي قال إن الفيديو المتداول يحوي تجاوزات إدارية، وأنه لا يحق لأي طبيب توقيع عقوبة على أحد إلا عبر المسار القانوني. وأضاف أنه في حال حدوث التجاوز في مستشفى حكومي فإن الأمر يحال إلى النيابة الإدارية، أما إذا وقع في مستشفى خاص فإن الأمر يكون مسؤولية إدارة العلاج الحر في وزارة الصحة. وناشد وزارة الداخلية سرعة إحالة الطبيب إلى جهات التحقيق.

 وزارات وإجراءات

ولما اتضح أن المستشفى خاص لكن الطبيب رئيس قسم في كلية جامعية مرموقة هي الأشهر في عالم الطب في مصر، فقد استمرت رحلة الهرولة لتقفي أثر "الجاني المشكوك في اقترافه تجاوزاً"، وإبراء ذمة الجهة المسؤولة بمن في ذلك "الجاني" نفسه.

وزيرة الصحة والسكان هالة زايد أمرت بتشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة، وصدر عن الوزارة بيان أوضحت فيه أنه تم إيقاف الطبيب عن العمل في المستشفى الخاص وكذلك عيادته لحين الانتهاء من التحقيق.

تحقيق آخر تنتظر جامعة عين شمس التي يترأس الطبيب قسم العظام فيها نتائجه. وبينما تنتظر إدارة الجامعة وكلية الطب فيها النتيجة، عبرت عن الاحترام الكامل لكل العاملين والمترددين عليها، وأكدت تطبيق كل مواثيق شرف المهنة وفقاً للمعايير الإنسانية والأعراف الجامعية.

تحقيق ثالث بطله الطبيب نفسه، ولكن يجري في نقابة الأطباء التي صعدت من رد فعلها عقب الكشف عن تفاصيل إضافية وهوية الطبيب، إذ أحالته إلى لجنة آداب المهنة للتحقيق معه فيما ورد بالفيديو، وذيّلت الإعلان عن التحقيق بالتعبير عن الاستياء الشديد من المحتوى لما فيه من إهانات من الطبيب للممرض.

الدق على أوتار الطبقات

ولأن الدق على وتر "الناس اللي فوق" حيث مجتمع الأطباء والطبيبات و"الناس اللي تحت" حيث مجتمع الممرضين والممرضات على أشده، فقد سارعت نقابلة التمريض كذلك إلى اللحاق بالركب، فنقيبة الممرضين وعضو مجلس الشيوخ المصري كوثر محمود شجبت في تصريحات صحافية تصرفات الطبيب مع الممرض، وقالت إنه تم إرسال الفيديو لوزير التعليم العالي والبحث العلمي خالد عبدالغفار لاتخاذ ما يلزم، وطالبت بتوقيع الكشف النفسي على الطبيب إذ إن "ما فعله لا يصدر عن إنسان عاقل ومتزن".

بيان متزن أدلى به وزير التعليم العالي والبحث العلمي خالد عبدالغفار يصب بشكل أساس في محاسبة الطبيب إذا ثبت خطؤه مع حفظ السلم الاجتماعي والتناغم الطبقي، حيث توجيه بسرعة التحقيق و"اتخاذ الإجراءات الكفيلة بصون كرامة أعضاء هيئة التمريض والحفاظ عليها"، مع التأكيد مجدداً على "احترام وتقدير جميعهم لما لهم من دور وطني وإنساني راق في دعم المنظومة الصحية".

الصحة في مواجهة الأخلاق

المنظومة الصحية وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه أمام حزمة من المنظومات الأخرى مثل الأخلاقية والطبقية وكذلك الدينية، فإذا كان راصدو ومتابعو ومحللو النظام الطبقي، سواء كانوا مع "الناس اللي فوق" ضد "الناس اللي تحت" أو العكس، أو من أنصار تساوي الرؤوس وتطابق الحقوق يفتكون بالطبيب ومن عاونه منذ ظهر الفيديو على الأثير العنبكوتي، فإن المنظومة الدينية تم الدق على أوتارها بشدة حتى يتم الزج بها في الحراك الهادر.

 قاعدة عريضة في المجتمع المصري مشبعة بفتاوى وتفسيرات دينية سادت في البلاد منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، شيطنت الكلاب وجعلت ذكرها دائماً مقترناً بالنجاسة ونقص الأجر عند الله ودعوة الشياطين لسكنى الدار.

وعلى الرغم من أن دار المؤسسات الدينية الرسمية في إطار جهود تجديد الخطاب الديني المضنية وتنقيته مما شابه من تطرف وتشدد، والقول إن الكلاب ليست نجسة، حتى إن مفتي الديار المصرية شوقي علام قال العام الماضي إن الكلاب طاهرة ولا حرج في التعايش معها والعبادة والصلاة في الوقت نفسه، إلا أن الثقافة الكارهة للكلاب التي تم زرعها بتفسيرات دينية متشددة على مدى نصف قرن ما زالت سائدة.

"الإفتاء" على الساحة

دار الإفتاء اقتحمت الساحة، لا سيما أن جانباً كبيراً من الحراك تركز على جزئية "السجود" لغير الله، بل إن الطبيب اختار الكلب الذي هو "نجاسة وبعد من الخير وقرب من الضرر والأذى"، كما كتب أحدهم في تعليق على موقع خبري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكرت الدار في تعليقها أن "الله أكرم الإنسان وجعله خليفته وأكرم مخلوقاته عليه وأوجب حفظ حقوقه، وجعل ذلك التكريم والحفظ مدار مقاصد الشرائع، فحرّم امتهانه أو التعدي عليه بأي شكل من أشكال التعدي والإهانة. واستشهدت الدار بالآية الكريمة "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء: 70). ومضت في تعليقها بأن "من يعتدي على إنسان بالتعذيب أو الإهانة فهو مصاب بداء الكبر والغرور، وذلك مرض إبليس اللعين الذي رفض السجود لآدم".

الطبيب مدافعاً

رفض الطبيب بطل الفيديو وهو رئيس قسم في كلية طب جامعة عين شمس عمرو خيري الاعتراف من قريب أو بعيد بأنه اقترف خطأ أو أتى بفعل غير لائق أو أساء معاملة الممرض أو استهان بالأديان، وظهر خيري على شاشات فضائية ليقول إن الفيديو يعود إلى ثلاث سنوات، وفي أحاديث أخرى ستة أشهر، وأنه كان على سبيل الدعابة وأن الجزء الأخير منه "مفبرك".

وأضاف أن تحميل الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي حلقة ضمن سلسلة طويلة من ابتزاز يتعرض لها منذ شهرين، وتحديداً منذ تعرض حسابه على "واتساب" للسرقة على أيدي أشخاص من أذربيجان، وأنهم يساومونه ليتقاضوا منه مبالغ مالية بعدما حصلوا على كل ما يحويه الهاتف من صور وفيديوهات.

وأشار إلى عدم قيامه بإبلاغ الجهات الأمنية بما جرى، لكنه تواصل مع مسؤولي "واتساب" لاستعادة الحساب، وهو ما حدث بالفعل قبل أسبوع. وأكد خيري مراراً أن الفيديو دعابة بين "أصدقاء" و"زملاء عمل" تجمعهم صداقة وزمالة عمرها 30 عاماً.

إهانة وغصة وتعاسة

لكن ما قاله الممرض عادل سالم، الذي كان أحدث من تم الكشف عن شخصياتهم في الفيديو القنبلة، حين تحدث عما جرى ولكن من دون علامات أو أمارات تشير إلى "صداقة" أو "زمالة" أو "دعابة"، بل تحدث عن "إهانة" و"غصة" و"تعاسة". وعلى الرغم من محاولات عدة للمذيعين الذين حاوروه هاتفياً لـ "جر رجله" وتوجيه اللوم للطبيب وتهييج مشاعر الغضب والحسرة لديه على الهواء مباشرة، إلا أنه كان بالغ التحفظ على الرغم من نبرة الانكسار الشديدة في صوته، حتى أنه بكى بحرقة أثناء حديثه قبل يومين ولم يكمل الحوار.

جانب من الحوار الشعبي الذي وصل أوجه حول الطبيب والكلب والممرض يتطرق إلى علاقات العمل، وتحديداً بين الرئيس والمرؤوس، ولأن نسبة الفقر في مصر تبلغ نحو 30 في المئة وتحديداً 29.7 في المئة خلال العام المالي الحالي (2021-2022)، بحسب ما أعلنت وزارة التخطيط، ولأن هناك ثقافة شعبية راسخة عن كون "أكل العيش مر"، وأن تحمل أحدهم المر يعني أنه مرّ بما هو أكثر مرارة، فإن بعضهم يرى أن على المرؤوس الذي لا بدائل له في فرص العمل أن يتحمل سوء معاملة الرئيس.

الإعلامي عمرو أديب دق على هذا الوتر أثناء حواره مع الممرض، وعلى الرغم من تحفظ الممرض الشديد ورغبته الواضحة في تضييق الأزمة واحتوائها "خوفاً على لقمة العيش"، إلا أن أديب قال له "أريدك أن تشرح لأبنائك أن أكل العيش مرّ. عليهم أن يفهموا أن بعضاً من الناس يفتري في العمل وأن النائب العام سيسترد لك حقك".

الحق المبتغى

الحق الذي يبتغيه الممرض هو إزالة الفيديو "الذي فضحني في القرية كلها" وأحرجه أمام أبنائه الحاصلين على شهادات جامعية وإغلاق الموضوع برمته، الذي صار أمام النائب العام بحسب ما أعلنت النيابة المصرية، لكن هوامش الموضوع وكواليسه وأعراضه الجانبية لم تصل إلى النائب العام.

حوارات ساخنة تدور رحاها بين مندد بأن يشتري أحدهم كلباً ثمنه 20 أو 30 ألف جنيه مصري (1273 أو 1900 دولار أميركي) بينما ثلث المصريين يعانون الفقر، ومعارض للتدخل في تفاصيل إنفاق الأثرياء لما يملكون.

 حوارات أخرى أكثر سخونة تدور أيضاً بين فريقين أحدهما يؤيد فكرة مرارة أكل العيش وضرورة الانحناء أمام قهر الرؤساء وظلم المديرين، والآخر يرفع راية الثورة على القهر والمجاهرة برفض الظلم، وتستمر الهوامش والكواليس والآثار المترتبة على الفيديو المثير لحين إشعار آخر أو أن يجد في الأمر جديد.

المؤكد أن فيديو الطبيب والكلب والممرض أثار زوبعة لكن ليست في فنجان، بل في بركان يتفجر حمماً طبقية واجتماعية ودينية وأخلاقية.