Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإعلام السعودي بعد 11/9 "عنقاء بين الرماد"

أحداث سبتمبر 2001 لم تكن سبباً وحيداً في التحولات التي مرت بها الحركة الصحافية في العقدين الماضيين إلا أنها كانت لحظة يمكن البدء منها بتوثيق مرحلة أعقبتها

ساهمت أحداث سبتمبر في رفع جرأة النقد أكثر تجاه الحركات المتشددة في الإعلام السعودي (اندبندنت عربية)

قالت نميمة، إنه في الساعات الأولى من صبيحة الـ 11 من سبتمبر (أيلول) 2001، الساعات الأخيرة قبل أن يقلب العالم الصفحة على نظام جديد، عاد أسامة بن لادن بعد صلاة الفجر ومعه الظواهري ومجموعة صغيرة من كبار قادة تنظيم القاعدة إلى "المأسدة" في جبال خوست بأفغانستان، الوكر الذي بناه فترة الاحتلال السوفياتي. جلس أسامة محاطاً برجاله المحبطين ليخبرهم أن شيئاً عظيماً سيحدث، ثم أطرق برأسه ساكناً لم ينبس ببنت شفاه في حين اعتادوا أن يرووا عليه مناماتهم في هذا الوقت من اليوم ويبادلهم تأويلها.

في هذه الأثناء كان محمد عطا وعبدالعزيز العمري والشقيقان وائل ووليد الشهري وسطام السقامي قد استقلوا فعلاً الرحلة رقم 11 في مطار بوسطن، في حين كانت طائرة الرحلة رقم 175 المجاورة لها قد باتت تحت سيطرة مروان الشحي ومهند الشهري وأحمد وحمزة الغامدي، وتم إعادة توجيه الطائرتين من لوس أنجليس إلى مانهاتن، أما الرحلة رقم 77 التي تولى اختطافها خالد المحضار وهاني حنجور ونواف وسالم الحازمي فقد كانت مغادرة من واشنطن باتجاه أنجليس أيضاً لكن تم اقتيادها عنوة إلى أرلنغتون بفيرجينيا، في حين تولى الغامديان أحمد وسعيد، وزياد جراح وأحمد النعمي اختطاف الرحلة 93 التي سيقت من خط سان فرانسيسكو إلى حيث سقطت في بنسلفانيا. 

كان ابن لادن الذي حافظ على صمت أثار المقربين منه يراقب محاولة تشغيل جسم غريب على المأسدة، وهو جهاز تلفزيون مرتبط بطبق لاقط يحاول بيأس الحصول على إشارة الأقمار الصناعية في تلك المنطقة المعزولة.

الذي حاول قائد تنظيم القاعدة أن يريه رجاله عبر القنوات الفضائية، كان من يجلسون في مكاتب برج "إمباير ستيت" المطلة على قلب مانهاتن يرونه مرأى العين من خلف النوافذ، بعد أن تحول الطابق الـ 92 من البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي إلى كرة لهب إثر ارتطام طائرة الرحلة 11 به. في هذه الأثناء كان القاعديون قد تجمعوا حول مذياع يبث أخباراً من "بي بي سي" بعد أن تخلوا عن فكرة التلفاز، ليستمعوا للمرة الأولى إلى الخبر العاجل باصطدام طائرة بالبرج، فأخذوا يهللون فرحين حتى أشار إليهم أسامة بالانتظار، في هذه الأثناء كان مروان الشحي ورفاقه قد وصلوا ومعهم 9 آلاف غالون من الوقود تحملها الطائرة الثانية في رحمها، لترتطم بالبرج الجنوبي، ويبدأ الجميع بمعرفة الحقيقة، أميركا تتعرض للهجوم.

أسامة بن لادن الذي كان يعرف كل شيء، كان أقلهم تفاجئاً حتى عندما وصل الخبر بضرب مبنى "البنتاغون" بالطائرة الثالثة، نظر إليه رجاله فأشار لهم بأربعة أصابع، ليعيدوا النظر إلى المذياع الذي كان نافذتهم على عالم جديد سيبنى على الرماد الذي تسببوا به، إلا أنه حمل لهم بعد ساعات طويلة خبر سقوط الطائرة الرابعة فوق أحد حقول بنسلفانيا ولم تضرب مبنى "الكونغرس" كما كان مخططاً.

هذه النميمة التي نقلناها بتصرف على ذمة لورانس رايت، صاحب الكتاب الأشهر عن قصة القاعدة منذ التأسيس وحتى ضرب البرجين "the looming tower"، صورت بشكل جلي التحول الذي ملأ صدور الرجال المنفيين في الجبال بعد أن نظر إليهم الأفغان على أنهم عرب فشلة غير متمرسين على الحرب، ونظرت لهم بلدانهم العربية التي تركوها خلفهم على أنهم إرهابيون لا مجاهدين كما تمنوا.

الشأن الداخلي لم يعد شأناً داخلياً بعد اليوم

خاتمة شهادة رايت كانت مقدمة مناسبة لشهادتنا، ليس لشيء سوى أن هذا الكتاب كان إفرازاً للمساحات التي خلقتها الحادثة في الفضاء العام في السعودية، إذ تجول مؤلفه بين المسؤولين والصحافيين وسادة المجتمع وطرح عليهم أسئلته بشكل غير مسبوق أثناء إعداده هذا الكتاب بعد أن قررت الحكومة أن تكون أكثر مرونة في التعامل مع الرأي الآخر الذي بات يرى الانغلاق الشديد على الذات تهمة تعني أن لدى السعودية ما تخفيه بشأن الحادثة.

هذا الحكمة في التعامل مع الهجمة الدولية كانت ضرورة في خضم التحولات الكبيرة حينها، فأنظمة السفر والطيران وصورة المسلمين والعرب في العالم بوصفهم قنابل موقوتة، والصورة العامة للإسلام كدين والمسلمين المهاجرين كأقليات والعرب كعرق، وبلدان المهاجمين أيضاً كانت بحاجة إلى تعامل مختلف، هذا التعامل كان جلياً على أوراق أشبع حبرها طوال عقود بخط تحريري ثابت، لتضطر بعده لإعادة تقديم محتواها الصحافي بما يتناسب مع مقتضيات العالم الجديد.

المساحات الجديدة التي خلقتها الأزمة للورانس رايت ورفاقه، تحسستها سريعاً الحركة الصحافية السعودية، فعندما كانت الصحف السعودية كما بقية صحف العالم تحضر طبعة اليوم التالي، 12 سبتمبر (أيلول) 2001، واضعة صورة البرجين المشتعلين على غلافها تحت عناوين رنانة، كان الصحافيون الأميركيون بالدرجة الأولى والغربيون بالعموم يحزمون حقائبهم للسفر إلى دول المهاجمين في الشرق الأوسط، السعودية مثلاً، دولة كان نقل أخبارها جزءاً من الترفيه، لكن اليوم بات حرياً أن تكون على رأس النشرة، وأن يكتشفوا كيف تنتج أشخاصاً معدودين قادرين على تدمير رمز القوة الاقتصادية الأميركية، وهو ما خلق المتغير الأساس، إذ لم يعد الشأن الداخلي السعودي شأناً داخلياً سعودياً بعد هذه اللحظة، بل باتت كل كلمة تقال على منبر أو سلوك يمارسه متشدد أو سياسة تتخذها مؤسسة رسمية كفيلة بأن تصنع إرهابياً عالمياً بعد أن كانت سلوكياته لا تتجاوز حدود بلاده التي تستوعب رجعيته.

 

لم يكن صعباً اكتشاف وجود الوافدين المفاجئ، فالصحافي السعودي خالد الفاضلي، المدير السابق لمكتب قناة العربية في جدة، والذي كان في حينها صحافياً في صحيفة الوطن، بدأ نهاره في اليوم الثالث بعد الهجوم بمكتب الصحيفة في جدة برؤية مراسلي "وول ستريت جورنال" وشبكة "سي أن أن" وقناة "بي بي سي" وغيرهم من مراسلي وسائل الإعلام العالمية، وقد زاحموهم مكاتبهم في مؤسسة عسير للصحافة والنشر، ويفسر هذا الوجود في مكتب الوطن تحديداً "الصحيفة في حينها كانت متهمة محلياً بكسر الحدود، فالمراسلون الأجانب كما القراء المحليين كانوا يتوقعون أن يجدوا كل شيء عند الوطن التي يفترض أن تقول كل شيء"، هذا وضع الوطن في صراع لم تكن بحاجته، "كان علينا أن نتعامل مع متطلبات الوافدين الجدد، مهمتنا أن نمرر لهم المعلومات التي نراها صحيحة والتي هي بالضرورة مناقضة للفكرة النمطية التي أتى لإثباتها، من دون أن نبدو متعصبين نحاول فرض آراءنا وأفكارنا عليهم"، فقد امتدت معركة المحررين الناعمة مع الصحافيين الغاضبين حتى خارج المكاتب، فالجولة التي يجريها المراسل بحثاً عن متشدد يتجول بسلاحه في الشوارع أو حملات الاعتقالات القمعية كما كان يتخيل البيئة التي أخرجت الـ15 سعودياً كانت تتم برفقة صحافيي المؤسسة الذين شاءت لهم الصدف أن يكون مكتبهم مجاوراً للحواضن الاجتماعية التي خرج منها معظم المنفذين.

هذه الحال اللصيقة التي عاشها المراسلون الأجانب وفقاً لما رواه الفاضلي كانت سبباً إضافياً للصورة النمطية التي لازمت الحياة العامة في السعودية والتي كانت مثار كثير من الأساطير على الرغم من حقيقة بعضها المتعلقة بالتشدد، لكن الحصول على فرصة العمل الميداني على طريقة الجواسيس داخل السعودية بالنسبة إلى الأجانب أثارت خيال من تعثر عليهم التسلل، وهو ما حول مهماتهم إلى ما يشبه رحلات المستشرقين الذين زاروا المنطقة بحثاً عن دليل يثبت يهودية المكان، "كل الصحافيين الذين قابلتهم تلك الفترة كانوا يبحثون عن حدث توقعوا وجوده لكن الصحافيين السعوديين لا يتحدثون عنه".

علينا إطعام الوحش

جموع الصحافيين الغربيين هؤلاء كانوا يجولون بحثاً عن إجابة لسؤالين، لماذا يكرهوننا؟ ولماذا كانت هذه البيئة خصبة لإخراج عدد استطاعوا هز قلب أميركا والعالم؟ كان أحد هؤلاء المراسلين الذين تم إيفادهم إلى الصحراء يعرف الإجابة لكن رغماً عن ذلك تم إرساله، ربما لأنه كان يعرف لذلك كان مناسباً أو مناسبة.

فايزة أمبه، التي تشغل اليوم منصب مديرة البرامج الخاصة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، كانت في ذلك الوقت صحافية في وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية، كانت الخيار المثالي للوكالة التي أخذت على عاتقها تزويد صحف العالم بما تريد من أخبار.

تقول فايزة إنها منذ وصولها إلى السعودية لمواكبة انتقال معركة الإرهاب إلى الداخل السعودي بعد 2002 تقريباً، كنت مضطرة لتقديم خبر يومي لتغطية ضغط الطلب على أخبار الدولة التي اكتشفها العالم فجأة، "كانت الوكالة تطلب مني قصة أو أكثر في اليوم، كان العالم يتوق لمعرفة كل ما يحصل في هذا البلد"، هذا الانتداب الذي استمر لأشهر على غير العادة التي جرت أن تنتهي فيها العملية بإنهاء المهمة في أسابيع بلغت مرحلة من طلب الأخبار يفوق المتوافر، إذ تحكي لنا رد فعل مسؤولة قسم الشرق الأوسط في الوكالة عندما أبلغتها بألا أخبار اليوم من السعودية فكان ردها "faiza, the beast is hungry, we have feed the beast"، أي أن الوحش جائع وعلينا إطعامه، وهو ما يفسر ربما التركيز الكبير الذي تحظى به الأحداث في السعودية عبر الصحافة العالمية.

 

هذا النهم كان واضحاً لخالد المعينا، الذي كان يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة "عرب نيوز"، والسبب اسم الصحيفة، الذي يشرح تلك الأيام قائلاً "اسم الصحيفة سهل الوصول إلينا حتى لغير القارئين، فالغاضبون في أميركا كانوا يكتبون في محرك البحث كلمة (عرب) ثم يتبعونها بكلمة (أخبار) بنية الإطلاع على المستجدات في منطقة الـ19 إرهابي، فيجدون صحيفة عرب نيوز على رأس قائمة البحث ويصبون عليها جام غضبهم"، ويضيف، "بين سبتمبر 2001 وحتى 31 ديسمبر من العام نفسه تلقينا 70 ألف رسالة على إيميل الصحيفة، مليئة بالسباب والشتائم والكراهية، مما دفعنا لتكوين فريق للرد عليها".

وبالعودة لأمبه لم يستمر عملها في الوكالة الأميركية كثيراً بعد هذا التاريخ، لتنتقل بعدها إلى "The Christian Science Monitor"، التجربة فيها كانت مختلفة من حيث توازن الأخبار وبعدها عن البروباغاندا، إلا أن المتغير الأكبر كان في المرحلة التي تلتها عندما انتقلت إلى "واشنطن بوست" وسافرت إلى الرياض لتأدية أولى مهماتها بحضور مؤتمر صحافي لوزارة الخارجية في 2005 "أتاني منسق المؤتمر ليسأل عن مقعدي حتى يعطيني الوزير فرصة طرح سؤال في المؤتمر، هذا بالنسبة إلي يعني أمرين، الأول أن الحكومة باتت متصالحة مع الإعلام بعد أن كانت لا تتعاون معه، والثانية هو أن الصحافيين باتت لهم قيمة اعتبارية لم أكن أجدها سابقاً".

هذا المتغير كان في طريقة تعاطي الحكومة مع الإعلام، إلا أن متغيراً آخر طرأ على الصحافة الغربية تجاه نظيرتها المحلية أيضاً، إذ صدعت الحادثة جدار القصص التقليدية التي كانت تنشرها الصحف السعودية لمصلحة قصص أكثر جرأة أعطتها صدقية أكثر لدى قارئها الدولي، إذ تضيف فايزة "في السابق لم يكن مقبولاً منا في الوسائل الإعلامية الغربية أن نأخذ الصحف السعودية كمصدر جاد، إلا أن تغير المزاج العام رفع سقف التعبير في البلاد فصار من السهل نشر أخبار حساسة في ظل استيعاب الحكومة لهذا المستوى من الطرح وتعاطيها معه، وهو ما انعكس على الصحافة التي باتت تقدم محتوى حاد وناقد، فبات ما تطرحه ذا صدقية لدى المؤسسات الإعلامية الغربية ويستحق النقل".

سقف الرأي كان أعلى 

توقف الحديث مع فايزة عند سقف الصحافة المحلية وكيف أثر في تعاطي الإعلام الغربي معها، بعد أن دللت على ارتفاع السقف بتسمية ما كان يكتبه عدد ممن تتذكرهم، وهم كتاب ساهمت الحرب على الإرهاب في تقديم معظمهم بصفتهم أقلاماً رفعت سقف المحتوى، وكلهم من كتاب الرأي.

فعلى ما يبدو أن الحادثة وضعت المتشددين الذين كانوا يضمنون أحادية الخطاب العام في موضع دفاعي مما أسهم في ظهور الرأي الآخر، ويؤكد عبدالرحمن الراشد، رئيس مجلس تحرير قناتي العربية والحدث، الفكرة من حيث السياق، لكنه يرى جانباً آخر يتمثل في أن الأوساط العامة في السعودية اكتشفت فجأة ما ينقصها، "الخبر وإن كسب مساحات أكبر إلا أنه موجود منذ بداية الحركة الصحافية في البلاد، لكن الرأي مختلف، فالمملكة لم تعرف النقاشات الفكرية قبل ذلك"، الأمر الذي كان ملحوظاً تغيره لكونه شكلاً مستجداً غير مألوف بهذه الجرأة.

 

أمر آخر يشير إليه الراشد في هذا الصدد، "المجتمع السعودي بات تحت الرصد، ليس الإعلام فقط بل وحتى غرف الدردشة ومنصات الإنترنت صارت متابعة دولياً سواءً لاعتبارات استخباراتية أو حتى إعلامية من باب الفضول المعرفة والتحليل، ولم يعد نشر الخبر القادم من السعودية يحدث لغرض الترفيه فقط، صار ما يقوله شخص مجهول في مسجد ما في حي ما في السعودية ينشر في نيويورك تايمز، وما يكتب في صحيفة محلية يرد عليه في واشنطن بوست، هذا خلق طوفان حفز الناس على الطرح" وكان الإعلام وسيلة من وسائله، كونه أحد النوافذ القليلة على المجتمع.

المعينا أيضاً يرى الأمر ذاته لكن من زاوية أخرى، "مشكلة الصحافة السعودية والتي صعبت موقف الإعلام المحلي في مواجهة الهجمة الدولية هي أنه كان يفتقر للدراسات والتحليلات المعمقة، بخاصة في ما يتعلق بالتطرف بسبب الإرهاب الفكري الذي كان يمارس على من ينتقد سلوكاً متشدداً علناً، هذا تغير بعد 11\9 لكن احتاج بعض الوقت حتى تخرج الصحف من ربكة الصدمة"، وهو ما تجلى على شكل مقالات ركزت على تحليل وتشريح الحال المتطرفة.

لماذا لا يملك الإسلاميون السعوديون إعلاماً مشاهداً؟

وبالحديث عن تبدل المراكز بين الإسلاميين المتشددين والكتاب المتنورين، كان جلياً اصطفاف المؤسسات الإعلامية السعودية في معركة التطرف وتحولها إلى رأس حرب حتى باتت عدوة بالجملة للمتطرفين الذين كانوا يشتمونها على المنابر ويطلقون عليها وصوفاً من قبيل "الوثن" بدلاً من الوطن، و"عكاز الليبرالية" لوصف صحيفة عكاظ، و"العبرية" لقناة العربية، في حين كانت الشرق الأوسط تشتم بلونها الأخضر بـ "خضراء الدمن" إسقاطاً على الحديث المنسوب لنبي المسلمين محمد (إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال المرأة الحسناء في منبت السوء).

 

هذه النعوت لم تكن تكتب في صحيفة ولا قناة أو إذاعة، بل على المنابر والمنشورات، إذ لم يكن للإسلاميين قناة مشاهدة أو صحيفة مقروءة، وهو ما يطرح تساؤلاً حول سبب فشل الإسلاميين في تأسيس وسيلة إعلامية متابعة توازي شعبيتهم، توظف مريديهم الكثر في حينها كجمهور، الأمر الذي لا يصعب على عبدالرحمن الراشد تفسيره، فالأيديولوجيا لا تصنع إعلاماً قابلاً للاستمرار برأيه، "الإسلاموية كما الشيوعية التي صرفت في الحقبة السوفياتية على الإعلام أكثر من الأميركيين ربما، إلا أنها فكرة تحاول أن تفرض نفسها على المتلقي وهذا ما يجعلها غير قادرة على أن تكبر وتستمر"، أما الليبرالية التي تشكل هوية الإعلام في السعودية فهي برأيه "حال وليست فكرة، قد تعني أكلة ما أو قهوة معينة أو موضة ملابس، لذلك الليبرالية في أي شيء قادرة على أن تستمر لأنها أسلوب حياة قد تصل أيضاً إلى الإسلامي ذي الروح المتفتحة".

نظام المؤسسات الصحافية

بالحديث عن التغيير، يصعب اختزال التحول في أحداث سبتمبر وارتفاع حدة النقد للتطرف، إذ تزامن مع المتغير السالف ذكره متغيرات صادفت أن تضرب في العام نفسه وإن كان لا يرد ذكرها كثيراً.

فمن الضروري الإشارة إلى عامل ثان ظهر مطلع القرن، وهو نظام المؤسسات الصحافية، وقبل الحديث عنه يجب الحديث عن خط التطور الإداري للصحف قبل هذا التاريخ، فالحركة الصحافية السعودية بدأت مرحلتها الأولى بحسب بعض المراجع في حدود الـ1928 حتى 1958 وهو التاريخ الذي يعرف بـ"سنة دمج الصحف" عندما تم دمج عدد من التجارب الصحافية الضعيفة، والتي استمرت بعدها بضع سنوات تحت مسمى "صحافة الأفراد"، إلا أنه لم يصمد طويلاً ففي عام 1964 ولد ما بات يعرف بـ "نظام المؤسسات الصحافية الأهلية"، الذي صمد قرابة النصف قرن، قبل أن يحل بـ "نظام المؤسسات الصحافية" بمرسوم ملكي عام 2001 الذي حمل تفاصيل كثيرة كان أبرزها أن ما ورد في الفقرة (ب) من المادة الثانية للمرسوم، الذي حدد صلاحيات المؤسسة في إصدار دورية مطبوعة، وهو ما يراه موفق النويصر، رئيس تحرير صحيفة مكة ضاراً بقدرة الصحيفة على تنويع استثماراتها، "خلق هذا النظام قيوداً على المؤسسات الصحافية، أبرزها أنه حدد الأنشطة التي بمقدور المؤسسة القيام بها في طباعة جريدة فقط"، ليتعذر على الصحف استثمار فوائض مالية انهالت عليها حينها بشكل مرن.

إلا أن صحفاً نجحت في الاستثمار خارج قطاع الصحافة، وتم هذا بحسب النويصر كالآتي، "الصحف لا تحصل على سجلات تجارية على الرغم من خضوعها لنظام وزارة التجارة، فالاستثمارات التي تملكها صحيفة اليوم مثلاً والتي تجعلها اليوم بوضع مالي متوازن هو أنها أسست شركة أم تدعى (دار اليوم) تملك أنشطة جانبية من ضمنها الصحيفة"، إلا أن هذا النموذج يجعل الصحيفة جزءاً من مداخيل ملاك الشركة، لا مستفيداً من مداخيل الأنشطة الجانبية، بحسب النويصر.

هذا ما يفسر نجاح الإعلام المهاجر الذي يملك تصريح عمل مختلف في الاستمرار سواء من طريق المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام أو مجموعة "إم بي سي"، لذلك يفضل أن يؤرخ للبداية الحقيقية للصحافة السعودية بـ1975 "في هذا التاريخ انطلقت صحيفة عرب نيوز، وتلتها الشرق الأوسط في 1978 من طريق المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق، كما كان اسمها، كان هذا بداية المد الإعلامي السعودي، فالأبحاث باستثماراتها المتنوعة كانت تطبع صحيفة "أساهي شيمبون" اليابانية لتوزيعها في نيويورك وهي صحيفة عملاقة تبيع يومياً أكثر من 11 مليون اليابان، كما أسهمت في إصدار طبعة (USA Today) الأميركية الشهيرة الخاصة بجنيف من طريق مكتب المجموعة في لندن"، هذا كان نتيجة قدرتها على تنويع استثماراتها لعدم وقوعها تحت نظام المؤسسات الصحافية، وهي الحال التي يمكن إسقاطها على "إم بي سي" التي انطلقت من لندن أيضاً ثم دبي بعيداً من هذا التشريع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن عبدالرحمن الراشد يحمل المؤسسات الصحافية المحلية جزءاً من مسؤولية فشل توظيف فوائض الإعلانات المالية "الإعلان في الصحافة ضخم منذ السبعينيات، فأرباحها في ذلك الوقت تجاوز الـ100 مليون ريال (26 مليون دولار) سنوياً يتقاسمها مجموعة قليلة من المساهمين في شركات مغلقة، فالمشكلة لم تكن في مصادر الدخل بقدر ما كانت في توظيف الأرباح". ويضيف، "للأسف الصحف السعودية ليست نموذجاً جيداً في التطوير بخاصة ما يتعلق بمجالس الإدارات، إذ يجتمع أعضاء المجلس مرة أو اثنتين في العام ليتاقسموا جل الأرباح المليونية من دون الاستثمار في تطوير أدوات المؤسسة، لكن بالنظر إلى النموذج الناجح في المجموعة السعودية فإدارتها منذ الملكية المحدودة وحتى طرحها للمساهمة المفتوحة وهي تملك سياسة رشيدة في إدارة الأرباح عبر تدويرها مرة أخرى في تطوير المؤسسات التي تملكها وإصدار مطبوعات جديدة"، وهو ما يتفق معه النويصر بشكل كامل.

فقاعة الإعلان الدولي و"ميركاتو" الإعلاميين

في بداية كتابة هذه القصة، حرصت أن أتحدث مع صحافيين كانوا في بداية حياتهم المهنية عندما هبت العاصفة، كان أحدهم هادي الفقيه الذي حكى قصة تلقيه عرض الانتقال إلى صحيفة الحياة عند إطلاق نسختها المحلية عندما كان يعمل في الاقتصادية، حين قال له أحد المسؤولين فيها، "لماذا لا تنتقل إلى ريال مدريد؟"، يتذكر هادي هذه العبارة بوصفها تعبيراً جيداً عن المرحلة، "عاشت المؤسسات الصحافية مطلع القرن طفرة مالية مدفوعة بدفق ملايين الإعلانات، بدأت بفعلها تتنافس في سوق الاستقطاب بعروض ضخمة صنعت (ميركاتو) للصحافيين ارتفعت فيه الأجور لأرقام عالية".

هذه الدردشة هي فاتحة جيدة للحديث عن العامل الثالث بجوار سقوط البرجين وقيام نظام المؤسسات، وهو نمو مداخيل الإعلانات لدى الصحف الذي يعزوه الفقيه إلى عوامل هي "11 سبتمبر وما تلاها من هجمات إرهابية، أعطت مبرراً للإعلام السعودي لينتقد أموراً كان انتقادها جريمة مثل حلقات التحفيظ ومخيمات الدعوة ورجال الدين، وهذا نقل مستوى الصراع والاصطفاف إلى مستوى آخر صار مثيراً تتبعه في الصحف أو المنتديات".

 

ويشدد هادي على الفوائض المالية لدى اقتصاد الدولة الذي انعكس على قطاع الإعلان وبالتالي على منصاته، إلا أن موفق النويصر يرى بأن الأرقام المليونية للصحف وقتها كانت حقيقة مخادعة، فلم يكن في البلد حينها وسائل يسمح بنشر الإعلانات فيها سوى الصحف، ويضيف سبباً آخر تزامن مع بداية القرن، "بطريقة ما تم تسليم المشهد الإعلاني بالكامل لعصبة شركات أجنبية، تمثلت في أنطوان شويري ومروان ديماس وبشار كويني، وهي شركات لبنانية وسورية"، وهي الفترة التي تعرف بحقبة "الإعلان الدولي" بعد أن كان جل الإعلانات في الصحف قبلها يتلخص في تأجير الصفحات على محتوى محلي وناشري المناسبات. ويضيف، "هذه الشركات التي كانت تتخذ من دبي مقراً إقليمياً لها حصلت على حق الامتياز للمؤسسات الإعلامية السعودية بعد أن أغرتها بمبالغ كبيرة صارت بموجبها وكيلها الإعلاني الوحيد سواء بشكل مباشر أو من طريق وكلاء إعلان محليين"، ونتيجة هذا "تحكم الثلاثي بالإعلان التجاري والحكومي حتى تحولت دبي إلى السوق رقم واحد لشركات الدعاية والإعلان على الرغم من محدوديتها، والسبب أن مبالغ الإعلان المليارية كانت ترسل إلى الشركات التي تتخذ من المدينة الإماراتية مقراً لها من طريق وكلاء محليين متسترين، حتى باتت تتحكم بأسعار الإعلانات وبدأت بمساومة المعلن".

هذه الحالة لم تصمد طويلاً، فبعد التضخم أسعار الإعلان لأرقام لا تقوى الشركات على دفعها اتجهت كثير منها إلى المنصات الرقمية التي قدمت بديلاً مشاهداً ونامياً بأسعار معقولة، مما أدى إلى انفجار الفقاعة بشكل مفاجئ مع بداية العقد الثاني من القرن، ووجدت الصحف نفسها أمام عقود موظفين أضخم من قدرة عقود الإعلان على تغطيتها. 

سهلة في التكتل صعبة الاختراق 

فكرة النويصر حول احتكار الإعلان لم تكن السبب الوحيد في تضخم الأجور، فمحدودية المقاعد الوظيفية في الإعلام حد من بروز صحافيين جدد، مما أنتج نخبة صحافية محدودة تصارعت المؤسسات على ضمها فترة الوفرة، فقد كان إنشاء صحيفة الوطن عام 2000 فتحاً كبيراً بالنسبة للوسط الإعلامي التي يفصلها حينها عن آخر صحيفة أطلقت في البلاد 25 عاماً، وهذا المعدل المنخفض جداً في توليد المؤسسات الجديدة في بلد لا تتجاوز عدد صحفه اليومية الـ20 صحيفة، إذا ما أخذنا الرقمية منها في الحسبان، وفي ظل غياب شبه تام للصحف المحلية الخاصة بالمدن والمناطق، كان قاتلاً للمهنة، إذ يقابل هذا العدد الضئيل للفرص آلاف خريجي كليات الإعلام سنوياً من دون أن يحصلوا على فرصة عادلة لاختبار كفاءتهم، مما يدفعهم للتحول إلى العلاقات العامة والمراكز الإعلامية.

 

فضلاً عن هذا، فالمؤسسات الإعلامية في السعودية صعبة الاختراق، فلا تملك خطة توظيف واستقطاب واضحة بمسارات التحاق وتأهيل يمكن أن تضمن ديمومة إنتاج الصحافيين، الأمر الذي يدفع قادة أي مشروع جديد نحو استقطاب الأقلية الكفؤة التي امتلكت حظ اختراق الجدار السميك وجَلد تسلقه. هذا العامل وذاك خلقا شكلاً من التكتل بين قادة المؤسسات لاحتواء حمى الاستقطابات فترة الوفرة، فقلة المؤسسات وسهولة التنسيق أسهما في وقف الدورة الأولى لحرب الاستقطابات التي قادتها "الوطن" الوليدة مطلع القرن، واتصال هاتفي بين مسؤولين رفيعين في مؤسسة عسير للصحافة والنشر والمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام أوقف الدورة الثانية التي ولدت نتيجة التوسع في مكاتب الشرق الأوسط المحلية في 2003، ومحادثات ودية بين رؤساء التحرير وجميل الذيابي الذي كان مديراً عاماً لتحرير "الحياة" في السعودية أوقف الدورة الثالثة التي قادها الرئيس الشاب لمسابقة المهلة الضيقة لإطلاق الطبعة المحلية للصحيفة الدولية.

اتفاقات الـ"gentleman" الثنائية شاعت بعد هذا، إذ كان مثيراً للطرافة أن الصحف حاولت معالجة مزايدات الموظفين وحمى الاستقطابات بالطريقة التي حاولت فيها أندية كرة القدم السعودية احتواء حرب الاستقطابات بين أنديتها الغنية، والمفارقة أنها فشلت بالطريقة نفسها، إذ استخدمت الأندية ما عرف لاحقاً بالـ"كوبري" بنقل اللاعب إلى ناد خارجي صغير ثم استعادته من دون الحاجة للتواصل مع ناديه المحلي الأم، وهو ما حصل صحافياً عن طريق نقل الصحافي إلى جهة ثالثة يتحلل فيها من التزام رئيسي التحرير المتهادنين قبل انتقاله إلى الصحيفة الجديدة.

ليست إنفلونزا بل سرطان مميت

قاومت الصحف السعودية عملية التحول الرقمي بشكل لافت، فعلى الرغم من وجود عيوب تشريعية تسمح بظهور أنصاف الصحف على الإنترنت وسارقي المحتوى من دون قوانين صارمة لحماية الملكية الصحافية، إلا أن وجهة النظر التي ترى انتهاء عصر الإعلام التقليدي لا تواجهها المؤسسات إلا بالتمسك بالورق.

ويقول الراشد حول ذلك، "لا يمكن الاستغناء عن المؤسسات، فالسوق لها قواعد عمل، إحداها أن أي عمل يحتاج إلى مؤسسات وشركات لا أفراد، لذلك المؤسسات الصحافية تبقى ضرورية كمزود رئيس للمحتوى الخبري مع تغير المنصة، لكن هذا لا يجب أن يواجه بمقاومة التحول، مشكلتي مع التقليديين أنهم يرون أن الإعلام يمر بوعكة اقتصادية وأن المداخيل ستعود، يجب أن يفهموا أن ما يمر به الإعلام ليس إنفلونزا، بل سرطان مميت". 

وانطلاقاً مما قاله الراشد، يمكن تلخيص حال المقاومة إلى حين زوال الإنفلونزا الموسمية التي تعيشها الصحف في تمسكها بكونها مصدراً رئيساً للخبر، إذ استثمرت في هذا الدور طوال مسيرتها حتى ظهرت المنصات الرقمية التي بات بفضلها كل من يمر بجوار حدث وفي جيبه هاتف نقال قادر بدوره على أن يكون مصدراً للخبر، فبات الآلاف الذين يسيرون في الشارع بجوار الحريق أو الانفجار أو مياه الأمطار التي غطت النفق قادرين على أن ينتزعوا من المؤسسة ريادة نقل الخبر، إلا أن الصحيفة تحافظ في هذه الحال على قدرتها الحصرية على تناول ما وراء الخبر من طريق صفتها الاعتبارية التي تخولها التواصل مع المؤسسات الحكومية والحصول على تصريحات خاصة، بخلاف ما يمسى "الصحافي المواطن" الذي يبث الخبر على حسابه الشخصي من دون صفة تخوله التواصل مع المراكز الإعلامية، لكنها لا تفعل ذلك وتكتفي في مجملها بالركض وراء الأخبار في غياب ملحوظ للقصص الاستقصائية.

وفي زحام التنظير حول التحول الرقمي، تجدر الإشارة إلى أن مداخيل الصحف الورقية عبر مطبوعاتها في السعودية أعلى من نظيراتها الإلكترونية، إذ تفشل المنصات الرقمية بما فيها الرائدة في صناعة نموذج مربح قادر على تغطية صناعة الخبر المكلف، الأمر الذي يفسره خالد العريفي المدير العام لمؤسسة اليمامة الصحافية قائلاً، "مؤسسة اليمامة أنشئت عام 1963، وحققت مع نظيراتها الورقية مكانة كبيرة نتيجة عمل طويل، وليس من السهل على الصحف الإلكترونية أن تكون حاضرة بالقوة نفسها من دون خبرة، وهو الأمر الذي تملكه الصحف الورقية مما يجعلك تعرف دائماً كيف تحقق دخلاً إعلانياً من مواقعها الإلكترونية أكثر بكثير من الصحف الإلكترونية"، إضافة إلى عامل آخر متعلق بقوة العلامة التجارية التي صنعتها الصحف التقليدية، بحسب العريفي.

هذه الفكرة قد تكون تفسيراً منطقياً لمقاومة الصحف الورقية عملية التحول بالنظر إلى المقارنات المالية، إلا أن العريفي يلفت النظر إلى دور المحتوى في تسرب الإعلان من الصحف "الطفرة الإعلانية التي بدأت بالانحسار أواسط عام 2013 كانت بسبب حضور الصحافة القوي في ذلك الوقت، الأمر الذي جعلها مقصداً للمعلن الذي فضلها على بقية الوسائل المتوفرة مثل التلفزيون والإذاعة"، الأمر الذي يحد من تطوير أدوات جديدة للمداخيل "كثير من الصحف الغربية نجحت في تحقيق مداخيل إضافية من طريق المحتوى المدفوع، وكان حلاً لسد فجوة تراجع الدخل، لكن نتائجه لن تكون مشجعة بالنسبة إلينا، لأنه يتطلب استكتاب أقلام إضافية نوعية ومتخصصة"، الأمر الذي يعيدنا نحو المحتوى.

هذه التحولات التي شهدتها الصحافة السعودية خلال العقدين الماضيين كانت بفعل عوامل ضاغطة وأخرى ذاتية، كانت أحداث الـ 11 من سبتمبر إحداها مع عوامل أخرى اختفت.

في ظل الحادثة الكبيرة جاء هذا التحقيق على ذكر بعض منها، إلا أننا اخترنا أن يكون تاريخ الهجمات بداية للانطلاق كلحظة وليس كحادثة ذات تأثير مباشر فقط، فهذه الأزمات أنجبت شكلاً مختلفاً للصحافة السعودية كما تقول الأسطورة عن العنقاء التي تخرج من وسط الرماد، إلا أن الخلاف بعد الحديث مع عدد من الصحافيين والقيادات الذين ورد ذكر بعضهم في القصة هو في موضع العنقاء وسط كومة الرماد، هل حلّقت فوقه أم دفنت تحته؟ هذه القصة كُتبت ناقصة حتى تثير الصحافيين لإكمالها.