Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نحو عقيدة أميركية قوامها الاكتفاء بالجيد إلى حد كاف

هل نشهد اعتماد واشنطن استراتيجية للتعايش مع الإرهاب بعد الانسحاب من أفغانستان؟

التعايش مع حركة "طالبان" وما يشبهها ربما يصبح جزءاً من الرؤية الأميركية الآن (رويترز)

في السنوات العشرين التي تلت هجوم 11 سبتمبر (أيلول)، حققت سياسة مكافحة الإرهاب الأميركية بعض النجاحات المذهلة لكنها عانت أيضاً من بعض الإخفاقات المروعة. من الناحية الإيجابية، إنّ المنظمات الإسلامية المتطرفة، على غرار "القاعدة" وتنظيم "داعش"، باتت الآن ظلالاً لما كانت عليه في السابق، وكذلك تجنّبت الولايات المتحدة هجوماً كارثياً آخر بحجم حوادث 11 سبتمبر. في الواقع، لم تتحقق المخاوف الأسوأ التي انتابت مسؤولي مكافحة الإرهاب الأميركيين، أو حتى تلك الأكثر تواضعاً [بمعنى أنها أقل سوءاً]. واستناداً إلى أنّ الإرهاب أقل إثارة للقلق الفوري، حوّل الرئيس الأميركي جو بايدن تركيز واشنطن نحو الصين، وتغيير المناخ، وقضايا أخرى، حتى أنّه سحب القوات الأميركية من أفغانستان كجزء من محاولة ترمي إلى إنهاء ما سُمّيَ حروباً أبدية.

وفي الوقت نفسه، إن جهوداً مختلفةً اعتُبِرَت أكثر طموحاً وقد بذلتها السياسة الخارجية الأميركية باسم مكافحة الإرهاب منذ 11 سبتمبر، على غرار إحداث تغيير في نُظُم الشرق الأوسط وكسب تأييد المسلمين في جميع أنحاء العالم، [تلك الجهود] قد باءت بالفشل أو حتى أنها أتت بنتائج عكسية. على الرغم من أن تنظيمي "القاعدة" و"داعش" أضعف بكثير مما كانا عليه إبّان ذروتيهما، إلا أنهما قد صمدا في وجه ضغوط هائلة، ولم يتوقّف انتشارهما عن النمو منذ 2001، حتى لو حمل ذلك فعليّاً في بعض الأحيان، طموحاً أكثر من واقع قدرتهما. وحاضراً، تواجه دول أخرى تهديدات إرهابية قوية، بينما يبقى تنظيما "القاعدة" و"داعش" ومختلف أتباعهما وحلفائهما منخرطين بنشاط في حروب أهلية تشمل جميع أنحاء العالم.

وبدلاً من تحقيق نصر حاسم، يبدو أن الولايات المتحدة قد اكتفت بشيء أقل طموحاً يتمثّل في تحقيق نصر جيد بما فيه الكفاية. وباتت تدرك أنه على الرغم من أن القضاء على الإرهاب المتطرف بشكل كامل ودائم قد يكون مستحيلاً، أو أن تكاليف محاولة تحقيق ذلك ستكون باهظة للغاية، إلا أنه من المستطاع تقليل درجة الخطر كي ينحصر في قتل عدد قليل نسبياً من الأميركيين، بدلاً أن يصبح عنصراً يتولى رسم الحياة اليومية في الولايات المتحدة. وبالنظر إلى أن واشنطن أصبحت أكثر تشككاً في عمليات مكافحة التمرد الواسعة النطاق المصممة بغرض إعادة تشكيل مجتمعات بأكملها، فقد ركزت الإدارات الثلاث الأخيرة، أي إدارات الرؤساء باراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن حاضراً، على إبقاء المنظمات المتطرفة ضعيفة وغير متوازنة. ومن خلال مزيج من جمع المعلومات الاستخبارية والعمليات العسكرية وجهود الأمن الداخلي، نجحت في الغالب في إبقاء القتال "هناك". وفي درجة ملحوظة، استمرت الولايات المتحدة بحد ذاتها محميّة من التهديد. في الخارج، لا تزال الحركات المتطرفة حيّة ونشيطة، وكذلك فإنها لن تختفي في وقت قريب. في المقابل، تشكّل العقيدة الأميركية الحالية طريقة مجدية سياسياً وفاعلة نسبياً في إدارة المشكلة. إذاً، لقد اتضح أنّ "الجيد بما فيه الكفاية" يشكل فعلاً أمراً جيداً بما فيه الكفاية.

والجدير بالذكر أنّ شدة التهديد الذي تشكله الجماعات المتطرفة على غرار "القاعدة" و"داعش" تعتمد على مكان وجودك. إذ تشير بيانات صادرة من مركز بحوث "نيو أميركا" إلى مقتل 107 أميركيين في هجمات إرهابية على الأراضي الأميركية منذ 11 سبتمبر، نصفهم تقريباً في ملهى "بالس" الليلي في أورلاندو بولاية فلوريدا عام 2016، على يد عمر متين الذي أعلن الولاء لـ "داعش" في نوبة من الغضب. على النقيض من ذلك، عانت أوروبا عنفاً أكثر من ذلك بكثير. في إحدى الأمسيات المرعبة في 2015، عمد انتحاريون ومطلقو نار تابعين لتنظيم "داعش" إلى قتل 130 شخصاً في باريس وحدها، عِبْرَ سلسلة منسقة من الهجمات. كذلك شهدت أوروبا عدداً أكبر [مما حدث في أميركا] من عمليات الطعن والهجمات الأخرى التي تولّد قليلاً من الإصابات، ويرجع ذلك جزئياً إلى اعتمادها قوانين أكثر صرامة بشأن الأسلحة. وفي المقابل، مع تضاؤل ​​قوة "داعش"، تراجعت الهجمات على جانبي المحيط الأطلسي. واعتباراً من منتصف يوليو (تموز) 2021، لم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم إرهابي منذ ديسمبر (كانون الأول) 2019، حينما قتل طالب مرتبط بتنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" ثلاثة بحارة في قاعدة للبحرية الأميركية في فلوريدا. وتكبّدت أوروبا عدداً أقل من الضحايا بالمقارنة مع عامي 2015 و 2016 اللتين تعتبران فترة الذروة.

في الصدد نفسه، تبدو تلك الأرقام تافهة بالمقارنة مع تلك المسجّلة في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، حيث الجماعات المتطرفة أكثر نشاطاً بكثير مما كانت عليه قبل 11 سبتمبر. في الواقع، ثمة وجود لتنظيم "القاعدة" في أفغانستان والجزائر وبنغلاديش ومصر والهند وإيران وليبيا ومالي وباكستان والصومال وسوريا وتونس وتركيا واليمن، من بين دول أخرى. كذلك يحضر تنظيم "داعش" أيضاً في معظم تلك البلدان، إضافة إلى الكاميرون وتشاد والعراق وموزامبيق ونيجيريا وروسيا. ويعاني عدد من تلك الدول حروباً أهلية تشارك فيها تلك الجماعات بنشاط، مع الإشارة إلى أنّ مئات الآلاف قد لقوا حتفهم في تلك الصراعات.

في المقابل، تُعتبر الجالية المسلمة الأميركية أحد العوامل الحاسمة التي تحافظ على أمن الولايات المتحدة. بعد 11 سبتمبر، خشي المسؤولون الأميركيون أن تشكّل البلاد موطناً لسكان مسلمين غاضبين تكتظ صفوفهم بمتعاطفين مع "القاعدة" وعملاء سريين لها على هيئة خلايا نائمة. في عام 2003، حذّر روبرت مولر، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي "أف بي آي"، من أن "التهديد الأكبر المحدق بالولايات المتحدة يأتي من خلايا "القاعدة" التي لم نتمكن من تحديدها بعد". وفي المقابل، تبيّن أن ذلك الخوف لا أساس له في الواقع. وبالمقارنة مع المسلمين الأوروبيين، فإن المسلمين الأميركيين مندمجون جيداً في المجتمع. أكثر من ذلك، يعادل متوسط ​​مستوى التعليم والدخل لديهم (أو يتجاوز) المتوسط المسجّل لدى غير المسلمين. وعلى الرغم من أن بعضاً منهم حاول السفر إلى الخارج بغية الانضمام إلى "داعش"، فقد فعلوا ذلك بمعدلات أقل كثيراً من المسلمين الأوروبيين. والأهم من ذلك، تعاون المسلمون الأميركيون بشكل وثيق مع أجهزة إنفاذ القانون و"مكتب التحقيقات الفيدرالي"، ما جعل من الصعب على الخلايا الإرهابية وأفرادها تنظيم عمليات والتخطيط لها.

في سياق متصل، تعاني تلك الحركة المتطرفة نقاط ضعف متنوعة تعيق قدرتها في تنفيذ الهجمات. ومثلاً، حتى في ذروة قوة تنظيم "القاعدة"، حدث تضارب في أولويات الحركة التي سعى التنظيم إلى قيادتها. [إذ برزت أسئلة من نوع] هل يجب أن تقاتل الغزاة الأجانب، أو تطيح بالأنظمة التي يفترض أنها ملحدة في الشرق الأوسط، أو تنقل الحرب إلى داخل الولايات المتحدة؟ أصبحت تلك الانقسامات أشد وضوحاً اليوم. إذ تختلف الفصائل المختلفة بشأن وجوب إعلان دولة إسلامية، وكذلك توقيت ذلك الإعلان، وكيفية التعامل مع غير المؤمنين وغير المتدينين بشكل كافٍ، وما هو العدو الذي ينبغي استهدافه قبل غيره، وبالطبع من يجب أن يكون القائد العام للحركة. في العراق، دفعت تلك الخلافات بعض المتطرفين الآخرين إلى إدانة "القاعدة"، وفي سوريا، وَلَّدَتْ انقساماً قاد إلى ظهور "داعش" ونشوب حرب أهلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ملاذات ليست آمنة بشكل كافٍ

في سياق متصل، تفتقر تلك الحركة أيضاً إلى ملاذٍ مشابهٍ لذلك الذي تمتعت به قُبيل 11 سبتمبر. في الواقع، سافر أكثر من عشرة آلاف متطوع إلى أفغانستان حينما وقعتْ تحت حكم "طالبان"، بهدف تلقّي تدريب في معسكرات تديرها "القاعدة" ومنظمات مسلحة أخرى. لقد شكّل ذلك الملاذ الآمن قوة تجميع هائلة جعلت "القاعدة" أكثر فتكاً. إذ أتاح أمام قادتها حشد الجماعات المتطرفة والمقاتلين المتطرفين معاً من جميع أنحاء العالم، وتدريبهم على القتال، وتلقينهم أجندة مشتركة، وإعطاء تدريب إضافي لأولئك الذين يتمتّعون بمهارات لغوية خاصة أو مواصفات واعدة.

حاضراً، تحاول تلك الحركة [المتطرفة] الاكتفاء بعدد من الملاذات الآمنة الأصغر حجماً، لكن لم يثبت أي منها أنه يشكّل منصة انطلاق فاعلة على غرار ما كانته أفغانستان قبل 11 سبتمبر. في الحقيقة، يحضر تنظيما "القاعدة" و"داعش" وجماعات تابعة لهما وجماعات جهادية أخرى، في مناطق الحرب ضمن جميع أنحاء العالم الإسلامي. وفي تلك الحروب، يتعلم أعضاء تلك المنظمات استخدام الأسلحة وعقد روابط قوية بعضهم مع بعض. في المقابل، إنهم يشاركون بشكل أساسي في حرب أهلية، لا في إرهاب دولي. ونتيجة لذلك، لا يتلقون التدريب نفسه الذي تلقّته الأجيال السابقة من المقاتلين المتطرفين، وكثيراً ما يعمد القادة المحليون إلى تخصيص المجندين المحليين الواعدين والمتطوعين الأجانب، لأدوار مهمة في النزاعات المحلية بدلاً من تكليفهم بمهمات جهادية دولية. ومثلاً، انضمت الغالبية العظمى من المقاتلين الأجانب البالغ عددهم أكثر من 40 ألفاً، إلى تنظيم "داعش" أثناء الحرب الأهلية السورية، وقاتلت للدفاع عن الخلافة في العراق وسوريا، وليس لنشر الإرهاب في الخارج.

علاوة على ذلك، تمارس الولايات المتحدة وحلفاؤها ضغطاً مستمراً على معظم المنتسبين المحليين، غالباً إلى حد يجعلهم يرفضون منظماتهم الأم. لنلقِ نظرة على "جبهة النصرة" التي كانت ذات يوم تابعة لتنظيم "القاعدة" في سوريا التي شكّلت أهم منطقة حرب للحركة المتطرفة في العقد الماضي. في 2016، نأت "النصرة" بنفسها عن "القاعدة" بشكل علني. وأعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني، أنه وتنظيمه يرفضان الهجمات على الولايات المتحدة وأوروبا. بالنسبة إلى "القاعدة"، شكّل ذلك نكسة عسكرية كبيرة وضربة أكبر لسمعتها، ما هدّد تزعّمها المحتمل للحركة الأوسع.

في السياق عينه، شكّلت إيران ملاذاً آمناً آخر من الدرجة الثانية لتنظيم "القاعدة". وبحسب ما أشارت وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي عام 2020 حول الإرهاب، فمنذ 11 سبتمبر، "استمرت طهران في السماح بتشغيل شبكة تسهيل تابعة لـ(القاعدة) في إيران، وأرسلت أموالاً ومقاتلين إلى مناطق الصراع في أفغانستان وسوريا، واستمرت إيران في السماح لأعضاء (القاعدة) بالإقامة في تلك البلاد". واستطراداً، ولأنّ إيران لديها نظام دفاع جوي فاعل وواشنطن تريد تجنب صراع أوسع مع طهران، لا تُنفّذ الولايات المتحدة ضربات بطائرات من دون طيار (درون) أو هجمات مباشرة أخرى ضد شخصيات منتمية لتنظيم "القاعدة" هناك، ما يمنحهم درجة من الحماية. وفي المقابل، ما زال متوجّباً على التنظيم أن يقلق بشأن عمليات مكافحة الإرهاب الأخرى في البلاد. ففي 2020، قُتل أبو محمد المصري، وهو مسؤول بارز في "القاعدة" يعيش في إيران، على يد عملاء إسرائيليين بأمر من الولايات المتحدة، وفق مقابلات مع مسؤولين استخباراتيين أجرتها صحيفة "نيويورك تايمز".

وفي الوقت نفسه، تفرض الحكومة الإيرانية نفسها أيضاً قيوداً عدّة على شخصيات "القاعدة" في البلاد. إذ كشفت وثائق من تنظيم "القاعدة" استولت عليها القوات الأميركية، أنّ بعض أعضاء التنظيم انتقلوا إلى إيران بعد 11 سبتمبر بدافع اليأس لا أكثر، واتّسمت علاقتهم بالحكومة الإيرانية بالعداء والشك. وأثناء معظم فترة ما بعد 11 سبتمبر، اعتُبِرَ أعضاء "القاعدة" في إيران غالباً أسرى أو على الأقل أوراق مساومة محتملة، وليس ضيوفاً مرحباً بهم. وإضافة إلى ذلك، فإن العلاقات مع إيران (التي تمثّل قوة شيعية يكرهها عديد من المتدينين السنة)، لا تحظى بشعبية بين المتطرفين وتشوه سمعة "القاعدة" إذا أُعلنت على الملأ. ومثلاً، لا يتّخذ "داعش " من إيران مقراً له، بل يدعم الهجمات على الجمهورية الإسلامية، وقد انتقد "القاعدة" بسبب علاقاتها بتلك الدولة [إيران].

في إطار متصل، قد يؤدي انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان إلى استعادة "القاعدة" بعضاً من حريتها في العمل داخل تلك البلاد. وعلى غرار ما فعلته قبل 11 سبتمبر، فإن "طالبان" قد تدعم أو تتسامح مجدداً مع وجود عدد كبير من قيادات "القاعدة" وتعطي تلك المجموعة حرية التدريب والتخطيط والتجنيد هناك. أو كحل بديل، قد تعمل "طالبان" ببساطة مع مقاتلي "القاعدة" ضد أعدائهما المشتركين في أفغانستان، ولكن مع تثبيط العمليات الإرهابية الدولية الأوسع نطاقاً. في الوقت الحالي، لا يزال من غير الواضح مَنْ مِنْ قادة "طالبان" الأفغان يدعم الهجمات المباشرة ضد الولايات المتحدة. وحتى قبل 11 سبتمبر، بدا أنّ عديداً من أنصار "طالبان" المخلصين لا يوافقوا على مثل تلك العمليات، حتى لو أنّهم لم يفعلوا شيئاً يذكر بغية وقفها.

يبقى تنظيما "القاعدة" و"داعش" ومختلف أتباعهما وحلفائهما منخرطين بنشاط في حروب أهلية تشمل جميع أنحاء العالم.

علاوة على ذلك، لن ينهي انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان قدرتها على التأثير في الوضع الموجود على أرض الواقع. ستحتفظ واشنطن بالخيارات الدبلوماسية، على غرار العقوبات والضغط المتعدد الأطراف، بهدف التأثير في سلوك "طالبان". وكذلك تعمل الولايات المتحدة أيضاً على مجموعة من الترتيبات المتعلقة بالوصول والتعامل مع تمركز القواعد، يكون من شأنها أن تتيح للجيش الأميركي ضرب أهداف في أفغانستان وباكستان بعد انسحاب جميع القوات الأميركية. استكمالاً، لن تشكّل ترتيبات من هذا النوع بديلاً كاملاً من الوجود الأميركي المباشر في أفغانستان، لكنها قد تجعل من الصعب على "القاعدة" التخطيط بِحرية أو إدارة معسكرات تدريب واسعة النطاق في تلك البلاد. باختصار، على الرغم من أن رحيل الولايات المتحدة يُعدّ بلا شك انتصاراً لتنظيم "القاعدة"، إلا أن حجم ذلك الانتصار لم يتّضح بعد.

وبعيداً من الملاذات الجغرافية الآمنة، غالباً ما يستخدم المتطرفون ملاجئ افتراضية. وحتى تلك الملاجئ باتت تُعتبر أقل أماناً مما كانت عليه من قَبْل. لقد استغل تنظيم "القاعدة" الإنترنت طيلة سنوات عدّة بعد حوادث 11 سبتمبر، مستخدماً البريد الإلكتروني وغرف الدردشة والمواقع الإلكترونية بهدف التواصل مع التابعين له، والترويج للحركة، والعمليات المباشرة. ولقد اعتمد "داعش" هذا النهج بشكل مبالغ به، مستخدماً منصات كـ"فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" للتجنيد على نطاق واسع، إضافة إلى نشر البروباغندا. في المقابل، حينما عاد "داعش" إلى الظهور خلال الحرب الأهلية السورية، وأثار حماسة الإسلاميين المتطرفين في جميع أنحاء العالم من خلال مقاطع فيديو قطع الرؤوس، وعمليات اختطاف الـ"هاشتاغ" على "تويتر" [بمعنى استخدام "هاشتاغ" معين في غرض مختلف عن غرضه الأصلي] وغيرها من النجاحات على وسائل التواصل الاجتماعي، بدا أن التكنولوجيا تسير مع الإرهابيين. ولم يعد الأمر كذلك اليوم. وعلى الرغم من أن الجماعات المتطرفة العنيفة لا تزال نشطة على المنصات الرقمية الرئيسة، إلا أن الشركات التي تسيطر على تلك المنصات باتت تزيل الآن المحتوى المتطرف وتحظر المستخدمين الذين يروجون له. والآن، تفرض حكومات عدة رقابة مشدّدة على الحسابات المرتبطة مع الإرهاب، بغية تحديد الأتباع وتعطيل المؤامرات المحتملة. بالتالي، غدت وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة للإرهابيين المحتملين مكاناً محفوفاً بالمخاطر.

ما الذي نجح؟

بعد سنوات من الخطط الكبيرة ذات الأهداف الطموحة، استقرت الولايات المتحدة على مجموعة من السياسات المصممة لإضعاف المقاتلين الأجانب وفي الوقت نفسه حماية الوطن الأميركي. ربما تكون الحملة الاستخباراتية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الجماعات الإرهابية هي أهم هذه السياسات، لكنها لا تنال سوى التقدير الأقل. بعد 11 سبتمبر، طوّرت الولايات المتحدة أو وسّعت شراكات أمنية مع أكثر من 100 دولة. وبذا، أصبحت وكالات الاستخبارات المحلية تملك القوى العاملة والسلطة القانونية والمهارات اللغوية والموارد الحيوية الأخرى، كي تُراقِبْ الإرهابيين المشتبه بهم وعرقلتهم واعتقالهم. لذا، يجد المقاتلون أنفسهم الآن مطاردين حينما يحاولون إنشاء خلايا، أو تجنيد أعضاء جدد، أو جمع الأموال، أو الاستعداد لشن هجمات. علاوة على ذلك، غالباً ما يؤدي اكتشاف خلية جهادية في بلد ما إلى اعتقالات في بلد آخر إذا حاول مقاتلون متطرفون التواصل أو مشاركة الأموال أو العمل معاً عبر الحدود. في المقابل، تتشارك وكالات الاستخبارات الأميركية المعلومات ذات الصلة، مع دفع الشركاء إلى التصرف بناءً عليها، وحين يفعلون، تحصل على معلومات جديدة فتستمرّ الحلقة المفرغة.

ومع ذلك، فإن بعض الحكومات أضعف من أن تضمن فاعلية عمل ذلك التعاون الاستخباراتي. في مثل تلك الحالات، تستخدم الولايات المتحدة هجمات "درون" والغارات الجوية، جنباً إلى جنب مع غارات قوات العمليات الخاصة، بغية مهاجمة "القاعدة" و"داعش" والجماعات المرتبطة بهما. وفي العادة، تنجز واشنطن تلك العمليات بموافقة الحكومات المحلية، على غرار ما تفعل في باكستان، أو تستفيد من عدم وجود حكومة فاعلة، على غرار الحال في الصومال واليمن. وإضافة إلى زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن، قتلتْ الولايات المتحدة وحلفاؤها زعيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية ناصر الوحيشي، والمروّجين الرئيسيين لبروباغندا التطرف باللغة الإنجليزية أنور العولقي وآدم غادان، وزعيم "القاعدة" في جنوب آسيا إلياس كشميري، وكذلك شخصيات مهمة مسؤولة عن العمليات، من أمثال رشيد رؤوف وصالح الصومالي، وهما العقلان المدبّران للهجمات في الغرب. كذلك اغتالت واشنطن وحلفاؤها زعيم "القاعدة" الجديد في اليمن قاسم الريمي، وزعيم فرع "القاعدة" في شمال أفريقيا عبد المالك دروكدال، وزعيم فرعها غير الرسمي في سوريا الملقّب بـ"أبو القسام". كذلك، شنت الولايات المتحدة حملة مماثلة ضد "داعش"، وقتلت خليفتها المزعوم أبو بكر البغدادي في 2019، ضمن عديد من القادة الآخرين.

بالطبع، لا تضع مثل تلك الجهود حداً للإرهاب، بل كثيراً ما تقتل أبرياء محاصرين في مرمى النيران. في المقابل، تبقى تلك الجهود فاعلة في إبقاء مثل هذه الجماعات  ضعيفة. إذ إنّ الضربات التي تقضي على الزعماء تسبّب اضطراباً مستمراً داخل تلك المنظمات، لا سيما أنّ جماعات إرهابية كثيرة لا تملك فريق احتياط من القادة المحتملين، ما يجعل من الصعب عليها استبدال القادة من أصحاب الخبرة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الخوف المستمر من الهجمات والغارات التي تشنّها الطائرات من دون طيار يقوض فاعلية الجماعات الإرهابية، بل ربما أكثر من موت القادة المنفردين. إذ لا يمكن للأعضاء أن يتجمّعوا بأعداد كبيرة خوفاً من اكتشافهم، ما يؤدي إلى صعوبة الحفاظ على معسكرات تدريب كبيرة. وفي المقابل، إذا تواصلت المجموعات، فإنها تخاطر بتعرّضها للتعقب. وهكذا، تتعرّض الجماعات الإرهابية المنعزلة والمشتتة لخطر التشرذم إلى خلايا متفرّقة يصعب تنسيقها. وقد تتعارض الخلايا مع رغبات القيادة العليا أو حتى، تتنافس بين بعضها. وفي غياب القدرة على التواصل، يفقد القادة أهميتهم أيضاً. في أواخر 2010، حينما بدأت احتجاجات "الربيع العربي"، أهم حدث في العالم العربي منذ جيل، انتظرت "القاعدة" أسابيع قبل التعليق. وعلى عكس ذلك، عرضت الأصوات المتنافسة في العالم العربي وجهات نظرها باستمرار، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي ذروة الحرب الأهلية السورية، بقي أيمن الظواهري، خليفة بن لادن كزعيم لتنظيم "القاعدة"، منعزلاً تماماً عن العالم الخارجي طيلة فترات طويلة من الزمن، ما دفع زعيم "جبهة النصرة" الجولاني والأعضاء الآخرين المنتسبين إلى إبعاد أنفسهم عن المنظمة الأساسية. في مقلب مختلف، نجح تنظيم "داعش" في البقاء أكثر نشاطاً، سواء في ساحة المعركة أو في جهوده الدعائية. لكنه يتضاءل أيضاً. إذ إنّ الضغط الأميركي أجبر قادة "داعش" على الاختباء، ما صعّب عليهم تنسيق العمليات العالمية وتوجيهها.

تعتمد شدة التهديد الذي تشكله التنظيمات المتطرفة على غرار "القاعدة" و"داعش"، على مكان وجودك

على نحوٍ موازٍ، إن مجموعة منفصلة من الجهود الأميركية في تعقب نشاطات سفر الإرهابيين، ومشاركة قواعد بيانات المشتبه بهم، وتشديد الرقابة على الحدود، قد استطاعت أن تجعل من العسير على الإرهابيين اختراق الولايات المتحدة. بعد 11 سبتمبر، أطلق "مكتب التحقيقات الفيدرالي" ("أف بي آي") حملة بعيدة المدى بغية تحديد الإرهابيين المحتملين على الأراضي الأميركية وعرقلتهم واعتقالهم، وتستمر تلك الحملة من دون هوادة حتى يومنا هذا. في كل الأحوال، بعض المؤامرات الإرهابية ما كان ليحقق أي شيء، لكن بعضها الآخر كان من الممكن أن يؤتي ثماره لولا تدخل الحكومة. وبطريقة موازية، ألقى المواطنون المتيقظون وضباط إنفاذ القانون القبض على إرهابيين محتملين آخرين. ومثلاً، في عام 2007 أحبطت الشرطة مؤامرة تفجير منشآت عسكرية في "فورت ديكس" Fort Dix، حينما ذهب جهاديون إلى متجر "سيركويت سيتي" Circuit City كي ينقلوا مقاطع فيديو ظهروا فيها وهم يطلقون النار ويصرخون "الله أكبر"، من شريط "في أتش أس" VHS إلى أسطوانة "دي في دي" DVD. آنذاك، اتّصل الموظف الذي أجرى التحويل بجهات إنفاذ القانون.

واستكمالاً، أصبح سفر المقاتلين المتشددين المحتملين أصعب بكثير مما كانه في العقود الماضية. خلافاً لفترة التسعينيات من القرن العشرين، لا يمكن للإرهابيين المحتملين السفر إلى ملاذ آمن كأفغانستان بهدف التدريب من دون التعرض لخطر كبير في أن ينكشفوا ويُلقى القبض عليهم. ونتيجة لذلك، لم يتلقَّ عديد من المقاتلين المتشددين الغربيين أي تدريب، ما يجعلهم أقل خطورة بكثير.

إعادة تصوّر 11 سبتمبر

بغية فهم التأثير التراكمي الناجم عن تلك الإجراءات في مكافحة الإرهاب، من المفيد النظر في المشكلات التي قد تواجهها "القاعدة" أو جماعة متطرفة أخرى إذا سعت إلى تنفيذ هجوم إرهابي شبيه بهجوم 11 سبتمبر. بدأ تنظيم "القاعدة" التخطيط لتلك الضربة في أواخر 1998 أو أوائل 1999 من قواعد في أفغانستان وباكستان، حيث أرسى "التنظيم" شبكات عميقة وحظي بدعم من الحكومات المحلية. بعد الحصول على موافقة بن لادن، شرع خالد شيخ محمد، وهو جهادي بارز ذو خبرة ومهندس الهجوم بصورة عامة، في تجنيد الأعضاء خلال 1999. في البداية، حاول محمد الاعتماد بشدة على قدامى المقاتلين، لكن قلة خبرتهم في الغرب جعلتهم مرشحين ضعفاء لقيادة العملية. وبدلاً من ذلك، اختار قادة "القاعدة" محمد عطا الذي عاش في ألمانيا سنوات عدّة، كزعيم مثالي للخلية. إذ لاحظوا طلاقة عطا في اللغة الإنجليزية وحماسته الدينية وارتياحه إلى العمل في الغرب، حينما سافر إلى أفغانستان في 1999.

استعد الخاطفون للعملية في أفغانستان، حيث تعلّم بعضهم خطف الطائرات ونزع سلاح الضباط الفيدراليين الجويين. في يناير (كانون الثاني) 2000، عقدت مجموعة من المخططين اجتماعاً في ماليزيا، حيث التقطت الاستحبارات الأميركية أجزاءً من مسارهم، لكنه لم يكن كافياً لاكتشاف المؤامرة. بدأ الخاطفون أنفسهم دخول الولايات المتحدة في العام نفسه، على الرغم من أن بعضاً منهم سافر أولاً إلى ألمانيا. في كاليفورنيا، تلقّى عضوان لديهما مهارات ضعيفة في اللغة الإنجليزية، بعض الدعم من المجتمع المسلم المحلي من طريق مساجد المنطقة على الأرجح. في المقابل، استعد آخرون من خلال أخذ دروس في الطيران والذهاب في جولات تدريبية، مسافرين في الدرجة الأولى داخل البلاد على متن طائرات من النوع الذي سيختطفونه لاحقاً. في صيف 2001، سافر عطا إلى إسبانيا للقاء رمزي بن الشيبة، أحد منسقي الهجوم. هناك، تلقى عطا مزيداً من التعليمات والخطط النهائية للهجوم. وتدفقت الأموال المخصصة للنفقات من خلال حسابات في دولة الإمارات العربية المتحدة. خلال عملية التخطيط، استفادت "القاعدة" من ميزة حاسمة في أوروبا والولايات المتحدة، تتمثّل في الإهمال الرسمي. إذ ركّزت أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون هناك على أولويات أخرى، ما أتاح للجهادييين مقداراً كبيراً من حرية التحرّك.

في 11 سبتمبر 2001، سارت العملية بدقة وانتظام، وساعد في ذلك وجود نظام أمن في المطار غير مدرك لإمكانية حدوث هجوم من ذلك النوع. واستقل الخاطفون أربع طائرات من دون إثارة الشكوك. وعلى الرغم من أن السلطات اختارت بعض الخاطفين كي يخضعوا لمراقبة إضافية، إلا أن معنى ذلك ببساطة أن حقائبهم قد تلقت فحصاً أكثر شمولاً. ومن المحتمل أنهم حملوا سكاكين صغيرة متعددة الاستخدامات أو سكاكين جيب مسموح بها بموجب الإرشادات السائدة في ذلك الوقت. وكذلك تشير تقارير عدة إلى أن الخاطفين حملوا أيضاً هراوات صغيرة برؤس شائكة ومشارط مكتبية، ربما لم يكتشفها مفتشو أمن الركاب. بعد الإقلاع، اقتحم المهاجمون قمرات القيادة ونجحوا في تحويل ثلاث من بين الطائرات الأربع إلى تفجيرات انتحارية ضخمة، ما أسفر عن مقتل ما يقرب من 3000 شخص.

في كل خطوة على طول الطريق، سيكون تنفيذ مؤامرة بحجم 11 سبتمبر أصعب بكثير اليوم. مع عدم وجود ملاذٍ في نفس مستوى أفغانستان ما قبل 2001، يحظى المتطوعون بفرص تدريب قليلة، وفرص أقل لتخطيط هجمات مباشرة ضد الولايات المتحدة. في الواقع، يتعرض الإرهابيون المحتملون لخطر الاعتقال في بلدانهم الأم وأثناء تنقّلهم. إذا نجحوا في نهاية المطاف في الوصول إلى منطقة حرب أو ملاذ آخر، فسيجدون أيضاً صعوبة أكبر في التجمع بأمان أو التواصل من دون أن تكتشفهم وكالات الاستخبارات المحلية أو الأجنبية. إذ يمكن للسلطات في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر القبض على شخصيات بارزة قد تفصح عن تفاصيل عملياتية مهمة. وقد يُقتل زعماء كخالد شيخ محمد في غارة تنفّذها طائرة من دون طيار. ومن الممكن أيضاً أن تكتشف الحكومات اجتماعات في بلدان أخرى أو تدفقات مالية عبر بنوك أجنبية، فتفضح المؤامرة، إضافة إلى هويات عديد من أعضاء المجموعة الآخرين.

إذا حاول الإرهابيون التجنيد أو جمع الأموال أو إجراء عمليات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من الممكن أن يمنع المشرفون على المنصات وصولهم إلى المواقع أو يبلغوا "مكتب التحقيقات الفيدرالي" عنهم. وقد يصبح متابعوهم على وسائل التواصل الاجتماعي موضعاً للشبهات أيضاً. والآن، صارت طلبات الحصول على تأشيرة للطلاب الراغبين في السفر من الشرق الأوسط تخضع لمزيد من التدقيق. وإذا نجح المتآمرون في الوصول إلى الولايات المتحدة، فالأرجح أن يُبلِغَ الناس الحذرون والمجتمع الإسلامي المتعاون عن نشاط مشبوه. وأصبحت "القاعدة" غير قادرة على إخبار عناصرها بأن يطلبوا الدعم من السكان المحليين من دون المخاطرة بالانكشاف. وحتى لو تمكن الإرهابيون من تخطي تلك العقبات كلها، سيظلّ تنفيذ هجوم فعلي أصعب بأشواط، إذ إنّ الطيران المدني والأهداف الحساسة الأخرى محمية بشكل أفضل بكثير من زمن ما قبل 11 سبتمبر.

واستطراداً، لا يستطيع أي تديبر بمفرده أن يجعل من المستحيل تكرار مؤامرة بحجم حوادث 11 سبتمبر. في المقابل، لقد قلّل التأثير التراكمي الناجم عن تلك السياسات والتغييرات، إمكانية نجاح أي خطة معقدة وعالية التأثير. ليس من قبيل المصادفة أن معظم الهجمات في الولايات المتحدة وحتى أوروبا في العقد الماضي، جاءت على شكل ما سُمي بحوادث "الذئب المنفرد" المستوحاة من مجموعات كـ"القاعدة" و"داعش" التي لا تقود أو توجه أيّاً من تلك "الذئاب". وفي العادة، تكون تلك الأنواع من الهجمات أقل فتكاً، لكن إيقافها أصعب.

ما الذي فشل؟

مع الانخفاض الكبير في خطر وقوع عنف بحجم حوادث 11 سبتمبر، من المغري إعلان النصر والعودة إلى مستوى ما قبل 2001 من اليقظة. ولكن، سيكون هذا خطأ. لقد فشلت الولايات المتحدة في عدد من محاولاتها الأكثر طموحاً في محاربة الجماعات الإرهابية، ما يشير إلى أن الإرهاب سيبقى تهديداً محدقاً طيلة سنوات مقبلة. وعلى الرغم من أن الخطر الذي تشكله تلك الجماعات سيظل قابلاً للسيطرة، إلا أن منع الهجمات سيتطلب جهوداً متواصلة في مكافحة الإرهاب.

وفي هذا الإطار، تنبع الحاجة إلى اليقظة المستمرة جزئياً من فشل واشنطن في استمالة العالم الإسلامي. بعد 11 سبتمبر، سعى قادة الولايات المتحدة إلى زرع النوايا الحسنة بين المسلمين من خلال حملات إعلانية، وكيانات إذاعية جديدة على غرار إذاعة "راديو سوا" الناطقة بالعربية وقناة "الحُرّة" التلفزيونية، وأخيراً، مبادرات وسائل التواصل الاجتماعي. في المقابل، تشير بيانات استطلاعات الرأي إلى أن تلك الجهود لم تُحدِثْ سوى تأثير ضئيل. إذ لا يزال الرأي العام الطاغي في الولايات المتحدة بشأن العالم العربي، سلبياً بدرجة كبيرة، على الرغم من اختلافه إلى حد ما على مر السنين. في 2015، تبيّن أنّ أكثر من 80 في المئة من المشاركين في استطلاع نهض به الأردن، وهو حليف وثيق للولايات المتحدة، قد كوّنوا رأياً غير إيجابي تجاه الولايات المتحدة. إن ذلك أمر مروع، لكن لا ينبغي أن يكون مستَغرباً. إذ إنّ السياسات الأميركية غير الشعبية كغزو العراق عام 2003، وقد عارضه كثيرون في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكذلك دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، تطغى على الرسائل المنقّحة التي تصف مدى روعة حياة المسلمين في الولايات المتحدة. نتيجة لذلك، تُواصل الجماعات المعادية للولايات المتحدة استسهال تجنيد أتباعها، ويبقى الحافز في استهداف الولايات المتحدة مرتفعاً.

وعلى نحوٍ مماثل، أصبحت حركات التمرد المرتبطة بالمتطرفين أكثر انتشاراً الآن من أزمنة ما قبل 11 سبتمبر. ويرجع ذلك في جزء منه إلى انهيار الحكومات في أفريقيا والشرق الأوسط، فيما يتمثّل جزء آخر في ضعف عدد من بقية تلك الأنظمة. وبذا، بات الأمر لا يتطلب الأمر سوى مجموعة صغيرة من المقاتلين كي يتأسّس تمرد في دولة ضعيفة على غرار موزامبيق، حتى أنّه يستلزم أقل من ذلك في دولة فاشلة كاليمن. علاوة على ذلك، تقدم الأفكار "الجهادية" للمقاتلين المحليين صورة مقنِعة، تمكنهم من تقديم تحركاتهم للمجتمع بصفتهم واضعي القانون والنظام والمدافعين عن العقيدة. ومع إظهار المتطرفين حسنَ نيّتهم، يمكنهم أيضاً الاستفادة من الشبكات العابرة للحدود، وتلقّي الدعم من مقاتلين يمتلكون تفكيراً مماثلاً في دول مجاورة، وفي بعض الأحيان، الحصول على موارد كالمال والأسلحة وقدرة الوصول إلى البروباغندا.

في الماضي، لجأت الولايات المتحدة إلى [استراتيجية] مكافحة التمرد من أجل محاربة هذه الجماعات، ناشرةَ عشرات الآلاف من قواتها بهدف محاربة "طالبان" في أفغانستان ومختلف الجماعات المتطرفة السنية في العراق. وعلى الرغم من ذلك، مع تراجع الدعم العام لمثل هذه الجهود، وانتشار الجماعات المتطرفة في مزيد من البلدان، غالباً ما يلجأ الجيش الأميركي ووكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة إلى تدريب وتجهيز القوات المحلية التي قد تؤدّي دور رأس الحربة في مكافحة الإرهاب. حارب هؤلاء الوكلاء الأميركيون حركة "الشباب" في الصومال، وفرع "داعش" في ليبيا، و"جماعة أبو سياف" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" في الفيليبين، من بين مجموعات أخرى.

في أماكن قليلة، تمكنت الولايات المتحدة من إحراز تقدم ضد المقاتلين المتطرفين من خلال الشراكة مع قوات الحكومة المحلية. لكن، في كثير من البلدان الأخرى، أتاحت هزيمة إحدى الجماعات المتطرفة المجال ببساطة لظهور جماعة أخرى. بعد 11 سبتمبر، ساعدت القوات الأميركية الحكومة الفيليبينية في التغلّب على "أبو سياف". وفي المقابل، تقاتل الفيليبين حاضراً منظمة مرتبطة بتنظيم "داعش". في أماكن أخرى، حتى ذلك المستوى المحدود من النجاح يُعتبر أمراً بعيد المنال. ويبدو أن المبالغ الهائلة من المال والوقت والمعدات التي ضختها الولايات المتحدة في مساعدة المقاتلين المناهضين لـ"داعش" في سوريا، وحكومتي أفغانستان والعراق، لم تحقق سوى نتائج متواضعة في أحسن الأحوال. وتقتصر نجاحات التدريب على بعض وحدات النخبة الصغيرة على غرار "جهاز مكافحة الإرهاب" في العراق. فيما فشلت الجهود المبذولة في تكوين جيوش كبيرة، فشلاً ذريعاً. 

وعلى نحو مماثل، اتّسمت محاولات الولايات المتحدة الرامية إلى تحسين جودة الحوكمة في الدول التي تعاني مشكلات إرهابية جهادية، بأنها أدّت إلى التأثير المتباين نفسه. إذ انزلق بعض البلدان كاليمن، إلى حرب أهلية، في حين يبتلي عدد من البلدان الأخرى كمصر وباكستان بالفساد وضعف النمو الاقتصادي والأنظمة السياسية غير الديمقراطية. في المقابل، إن الأمكنة التي شهدت تقدماً نحو التحول الديمقراطي، كالحال في إندونيسيا وتونس، فقد حدث ذلك نتيجة مثابرة الحركات والقادة الأصليين، وليس بفضل الجهود التي تقودها الولايات المتحدة.

 

في سياق موازٍ، تعاني سياسات مكافحة الإرهاب داخل الولايات المتحدة مجموعة مختلفة من المشكلات. وبهدف تحصين الجمهور ضد التأثير النفسي للهجمات الصغيرة، يتوجّب على السياسيين أن يكونوا صريحين مع الشعب الأميركي بشأن الخطر الحقيقي للإرهاب، الذي يعتبر مستواه منخفضاً بالمقارنة مع عدد من الأخطار الأخرى. وعلى الرغم من 20 عاماً من العنف الإرهابي المحدود في الولايات المتحدة، إلا أن استطلاعات الرأي تظهر أن عدد الأميركيين القلقين "جداً" أو "إلى حد ما" بشأن الإرهاب لا يزال مرتفعاً، بل تزايد في السنوات الأخيرة. إذ يواصل القادة السياسيون استخدام ذلك الخوف كوسيلة ضغط، وينتقدون بعضهم بعضاً عند حدوث هجمات ويستغلّون تلك الحوادث النادرة في تعزيز أجندات معينة حول قضايا كالهجرة. حينما كاد عمر فاروق عبد المطلب، الناشط في تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية"، أن يفجر طائرة فوق مدينة "ديترويت" عام 2009، انتقد الجمهوريون أوباما بسبب ذلك الفشل الوشيك. في المقابل، استفاد ترمب خلال فترة ترشّحه ثم تولّيه الرئاسة، من واقع أنّ منفّذي تفجيرات ماراثون بوسطن عام 2013 دخلا إلى الولايات المتحدة بطلب لجوء، كي يدعم دعواته إلى بناء جدار حدودي، من بين إجراءات أخرى مناهضة للهجرة.

في كل خطوة على طول الطريق، سيكون تنفيذ مؤامرة بحجم 11 سبتمبر أصعب بكثير اليوم.

نتيجة لذلك، غالباً ما يتعامل النظام القانوني الأميركي والنقاشات العامة [في الولايات المتحدة] مع المسلمين الأميركيين بوصفهم تهديداً محتملاً. ويربط عديد من الأميركيين الآن الإسلام بالعنف، على الرغم من مشاركة عدد قليل جداً من المسلمين الأميركيين في نشاطات إرهابية، وكذلك إثبات المجتمع المسلم الأميركي في معظمه استعداده للعمل مع سلطات إنفاذ القانون الأميركية. في 2020، أبلغ المسلمون [الأميركيون] عن تعرّضهم لأعلى مستوى من التمييز بين أي مجموعات دينية في الولايات المتحدة. ويشعر عدد من المسلمين الأميركيين بالقلق من أن الشرطة لا تعاملهم على قدم المساواة مع الآخرين. يتسم ذلك الوضع بأنه غير عادل ويؤدي إلى نتائج عكسية. في الواقع، إذا خشي أفراد المجتمع إنفاذ القانون، فقد لا يلجأون إلى السلطات حينما تحدث مشكلة ما.

تعلّم التعايش مع النجاح

بعد عشرين عاماً من حوادث 11 سبتمبر، تظلّ السياسة الأميركية عالقة، لكن ليس بالضرورة بطريقة سيئة. إذ أدى مزيج من التعاون الاستخباراتي والضغط العسكري على الجماعات في ملاذاتهم، وكذلك تحسين الأمن الداخلي، إلى عزل الولايات المتحدة عن العنف الإرهابي إلى حد كبير. ومع ذلك، فشلت واشنطن في حل المشكلة بشكل دائم. وحاضراً، لا تزال الولايات المتحدة تقصف وتنفّذ غارات على الأحفاد الأيديولوجيين لمخططي 11 سبتمبر الأصليين. وفي الحقيقة، لا تلوح في الأفق أي نهاية لذلك الوضع. إذ لا تزال جماعات كـ"القاعدة" ملتزمة بمهاجمة الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، يؤدي الضغط المستمر إلى إبقاء تلك المنظمات ضعيفة، بالتالي، فإنها ستشن هجمات ضئيلة وأقل فتكاً. لن يختفي الإرهاب المتطرف، لكنّ تأثيره الأكبر بات محسوساً بشكل رئيسي في أجزاء من العالم حيث المصالح الأميركية محدودة. واستناداً إلى ذلك، يجب على واشنطن أن تفكر ملياً في الأماكن التي تنشر فيها مواردها الخاصة بمكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من أن العنف في تشاد أو اليمن كارثي بالنسبة لتلك البلدان، إلا أن تأثيره على أمن الولايات المتحدة صغير. واستناداً إلى أسباب أخرى، قد تُعتبر الجهود المبذولة في تعزيز الديمقراطية أو تحسين الحكم قيّمة، لكنها غير ضرورية في درء التهديدات الإرهابية المحتملة. في بعض الحالات، قد تؤدي تلك الجهود في الواقع إلى مفاقمة الوضع.

وفي مجال متصل، تحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى بذل مزيد من الجهد في إدارة السياسات المحلية المعتمدة لمكافحة الإرهاب. وفيما يستمرّ الخوف العام في تأمين الدعم القوي لبرامج الدفاع الفاعلة، فإن ذلك يُسهِّل في الوقت نفسه على الإرهابيين جذب الانتباه وزرع الذعر. بالتالي، يجب على السياسيين أن يتّخذوا خطوات حذرة في أعقاب الهجمات الإرهابية وأن يدينوا ردود الفعل المتطرفة من الأنواع جميعها. "حين" (وليس "في حال") حدوث الهجوم التالي، سيكون من الضروري أن يتصرف الرئيس والقادة الآخرون بمسؤولية. وينبغي ألا يكتفوا بالتشديد على الحاجة إلى مساعدة الضحايا ومعاقبة القتلة فحسب، بل أن يوضحوا أيضاً أن حوادث مماثلة ستكون نادرة وأن الجالية الإسلامية الأميركية تشكّل جزءاً من الحل، لا المشكلة. واتصالاً مع ذلك، يتوجّب على القادة المحليين، بما في ذلك مسؤولي الشرطة، أن يتواصلوا مع مجتمعاتهم المسلمة بغية إظهار الدعم والحذر من أي أعمال عنف انتقامية. لسوء الحظ، أظهرت السنوات العشرين الماضية أن السياسيين سيستغلون الخوف بشكل موثوق، حتى حينما يكون التهديد الفعلي محدوداً. بالتالي، لا يساعد مثل هذا السلوك إلا الجماعات الإرهابية في سعيها إلى الحفاظ على أهميتها.

في ذلك الصدد، يستخدم المسؤولون الإسرائيليون عبارة مفيدة في وصف استراتيجيتهم الجيدة بما فيه الكفاية لمكافحة الإرهاب، هي "جزّ العشب". وتتمثّل الفكرة [من تلك العبارة] في أنه من خلال شن غارات منتظمة ضد الإرهابيين وجمع المعلومات الاستخباراتية باستمرار، يمكن للحكومة إبقاء جماعات إرهابية كـ"حماس" ضعيفة، حتى لو استمرت هجمات تلك الجماعات على الدوام. بالتالي، يتمثّل الهدف المنشود في إدارة التهديد الإرهابي وليس القضاء عليه، إذ يحرّر ذلك الأمر الحكومة كي تركّز على مخاوف أخرى. واستكمالاً، فبعد العثور على حلٍّ مُشابِهٍ وغير كامل لكن فاعل إلى حد كبير في مشكلة العنف المتطرف، سيتوجّب على واشنطن أن تفعل ذلك بالضبط [بمعنى السير في ذلك الحل غير الكامل]، مع إعطاء الأولوية للصين وروسيا وتغيير المناخ والقضايا الملحة الأخرى. ومن خلال مجموعة الأدوات المستخدمة في مكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر، تستطيع الولايات المتحدة أن تُبقي الجماعات الإرهابية في بلدان نائية، وتكون [الجماعات] أشد ضعفاً وأقل توازناً. ويضاف إلى ذلك ضرورة قبول فكرة أن بعض التهديدات في الأقل، لن يزول.

 

* دانيال بايمان أستاذ في "كلية والش للخدمة الخارجية" بـ"جامعة جورج تاون"، وزميل بارز في "مركز سياسة الشرق الأوسط" التابع لـ"معهد بروكينغز". صاحب كتاب "محاربو الطريق: المقاتلون الأجانب في جيوش الإرهاب"

 

مترجم من فورين آفيرز، سبتمبر (أيلول) / أكتوبر (تشرين الأول) 2021