Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا رجعت القنادس إلى أنهار بريطانيا بعد 400 سنة

بعد غياب طال مئات السنين، يمكن لهذه الحيوانات أن تسكن أنهار إنجلترا لتعج بها مجدداً. يتحدث عدد من القائمين على إدارة الأراضي إلى هولي بانكروفت عن المشاورات الحكومية الجديدة بشأن إعادة توطين القنادس في البرية بإنجلترا، وعن التعايش مع تلك القوارض شبه المائي

كانت السنوات الست الماضية درساً في "محاولة معالجة التعارض في المصالح بين الناس والقنادس" (غيتي)

عندما شوهدت عائلة من القنادس على أحد الأنهار في منطقة ديفون في جنوب غربي إنجلترا، أسرت في الحال قلوب الناس في البلدات والقرى المحيطة. بين المنحنيات الهادئة لنهر "أوتر"River Otter ، التقطت عدسات الكاميرا القوارض شبه المائية إذ راحت تتودد إلى بعضها بعضاً وتلعب معاً، مؤكدة صحة أقاويل كثيرة تداولها الناس طوال أشهر حول تلك المخلوقات البنية الملساء وعودتها الخرافية إلى إنجلترا بعد انقراضها في المنطقة قبل 400 سنة.

بعد مرور ست سنوات على ذلك الاكتشاف، تسكن النهر الآن 20 مجموعة عائلية تقريباً من القنادس حيث تتعايش كلها مع بعضها البعض. ويؤمل في أن تصبح "مهندسة" النظم الإيكولوجية كما تسمى، مشهداً شائعاً في الممرات المائية في إنجلترا قريباً. وقد بدأت الحكومة البريطانية مشاوراتها الأسبوع الحالي بشأن إعادة إطلاق تلك الحيوانات إلى البرية في إنجلترا.

وتعتزم الحكومة البريطانية توفير حماية قانونية للقنادس في إنجلترا، كي يصبح اصطيادها أو قتلها أو إتلاف مواقع تكاثرها وأماكن استراحتها عمداً، جريمة يحاسب عليها القانون.

كذلك سيكون في مقدور عشاق الحياة البرية التقدم بطلب للحصول على رخص تسمح لهم بإطلاق القنادس ما داموا يملكون خطة محكمة لإدارة هذه الخطوة.

ولكن مع ذلك، فإن مخاوف يطرحها التأثير السيئ للقنادس في المحاصيل الزراعية وتربية الحيوانات وتجمعات الأسماك، إضافة إلى إعادة توطينها المثيرة للجدل في اسكتلندا، بعثت القلق لدى بعض الجهات بشأن التداعيات التي ربما يجلبها معه إعطاء القنادس الحرية المطلقة لتصول وتجول بحرية على الأنهار مجدداً.

في الواقع، "القنادس في المكان المناسب تفعل أموراً رائعة، لكنها في المكان الخطأ تتسبب بمشاكل مهولة"، بحسب ما يوضح جون فارلي، الذي يتولى إدارة "كلينتون ديفون إستيتس" Clinton Devon Estates، علماً أنه مشروع عائلي يشرف على بعض أجمل المناطق المحيطة وعلى تطوير الممتلكات في ديفون.

القنادس أحد الأنواع الحية الرئيسة الأشبه بـ"حجر زاوية"، ما يعني أنها تعود بالنفع على المناطق حيث تعيش. ومعلوم أن هذه الثدييات شبه المائية تعمل على تعديل ظروف البيئة المحيطة بها لصالحها بغية البقاء على قيد الحياة، ودعم الحيوانات الأخرى، فضلاً عن خفض مخاطر الفيضانات.

ولكن، مثابرتها على بناء الجحور والقنوات والسدود يمكن أن تعترض أعمال المزارعين، لا سيما عندما تسد قنوات الري.

عندما شوهدت القنادس على نهر أوتر River Otter في "كلينتون ديفون إستيتس"، "قامت الدنيا ولم تقعد"، وفق ما قال فارلي. حازت عائلة الحيوانات على اهتمام شعبي كبير، ولكن الحكومة البريطانية ارتأت في البداية أنه لا بد من التخلص منها.

فارلي الذي استشعر بمشكلة رأي عام كبيرة تطل بأنفها، استحصل و"كلينتون ديفون إستيتس" على إذن من "وزارة الشؤون البيئية والغذائية والريفية" (اختصاراً "ديفرا" Defra) في بريطانيا لإجراء التجربة الوحيدة في إنجلترا. يقول في هذا الصدد، "لقد شرعنا بالتجربة مع اثنين فقط من القنادس، ثم خمسة، والآن لدينا نحو 50 قندساً".

وفي حديثه عن مزرعة القنادس في "كلينتون ديفون إستيتس"، قال فارلي: "لدينا زوج من القنادس يتسببان بفيضان قنوات الري في أحد الحقول". الآن، يمضي العاملون المدربون في العقار معظم وقتهم في التخلص من الأغصان والعيدان والحطام التي التقطها القنادس لسد القنوات في هذه الحقول.

ويضيف فارلي: "إذا أزلت سداً صغيراً في قناة ري، ستعيد القنادس الكرة مرة أخرى. عليك أن تواظب على ذلك طوال أسبوع ونصف الأسبوع تقريباً ثم تدرك الحيوانات أنه يفترض بها ألا تبني السدود هنا، لأنها تتهاوى، وتنحو إلى بنائها في مكان آخر."

لكن هذه ليست سوى مشكلة صغيرة إذا ما قارناها مع التأثير الذي تتركه القنادس على الأحراج في "كلينتون ديفون إستيتس". قبل سنتين قريباً، انتقلت أنثى قندس من موئلها على نهر "أوتر"، عابرة قناة مائية وحقلين أو أكثر، وراحت تحدث تغييرات في النظام البيئي لمزرعة من أشجار الحور ذات تربة رطبة بغية تحويلها إلى مستنقع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"كان أمراً عصياً على التصديق"، وفق كلمات فارلي، إذ "قطعت أنثى القندس أربعة كيلومترات خارج المنطقة المخصصة لتجربة إطلاق هذه الحيوانات، وحولت الأراضي المحيطة بأحراج الحور إلى مستنقع. في غضون خمسة أسابيع، بنت سداً بطول 5 أقدام (= 1.524 متر)، ويبلغ عرضه 6 أقدام (نحو 1.8 متر) تقريباً".

من بين المواد التي استخدمتها في بناء السد، "أدرجت أنثى القندس أربعة أحجار منزلية بالحجم الكامل، نقلتها مسافة أكثر من 30 قدماً لتجلبها إلى المكان المطلوب"، قال فارلي.

"بعد نحو ستة أسابيع من وصولها، ظهر القندس الذكر. سيناريو معتاد. تُترك الزوجة لتنهي العمل برمته ثم يظهر الزوج ويقول، "أحسنت يا عزيزتي. سأنتقل للعيش معك".

يسكن زوج القنادس ذلك المستنقع منذ ثلاث سنوات ولديهما نحو سبعة من الجراء. تساعد مساحة الأرض التي حولتها الحيوانات إلى موئل لها في الحد من الفيضانات في قرية "إيست بودلي" East Budleigh، في اتجاه مجرى نهر "أوتر" من السد الجديد، بيد أنها في المقابل تسببت في حدوث فيضانات في مزارع مجاورة.

أفضى التأثير السيئ لهذه الحيوانات إلى مشاكل كبيرة تكبدتها زراعة المحاصيل في اسكتلندا، حيث يعيش الآن ما يربو على ألف قندس بري. المسألة موضع خلاف كبير إلى حد أن المزارعين رأوا أن مزارعهم باتت مستهدفة بعد التحدث عن الضرر الذي سيحمله معه إعادة توطين القنادس على أراضيهم.

القلق يعتري الصيادين، ذلك أنه في حال لم يصار إلى التعامل مع إعادة توطين القنادس في إنجلترا بطريقة جيدة، فقد تترك تأثيراً مضراً على الأسماك. مثلاً، "أسماك السلمون في حال حرجة"، كما يقول مارك أوين من منظمة "أنغلينغ ترست"Angling Trust ، مؤكداً أنها "تعيش في مياه عميقة جداً في الأنهار لدرجة أنني أعتقد أنه بعد بضعة عقود من الزمن لن نعود نراها في الأنهار الإنجليزية. أي شيء يؤثر في قدرة السلمون على الهجرة إلى أعلى الأنهار ومناطق التكاثر يمثل مصدر قلق كبير".

معلوم أنه في وسع القنادس أن تسد الأنهار وتحول دون هجرة الأسماك. وفي حديثه عن خطة الحكومة البريطانية لإعادة إطلاق هذه الحيوانات في إنجلترا، يقول أوين، إنه وغيره من معنيين "في حال وجدنا مشكلة ما، نريد أن تتوفر في متناولنا الأدوات المناسبة كي نضمن أن في مقدورنا حماية مجموعات الأسماك الرئيسة تلك التي تسكن الأنهار."

يوضح مارك إليوت، الذي قاد تجربة إعادة إطلاق القنادس في ديفون، أن السنوات الست الماضية شكلت درساً في "محاولة معالجة التعارض في المصالح بين الناس والقنادس". ويقول في هذا الصدد: "أردنا أن نستكشف الطريقة الصحيحة التي تسمح بإعادة القنادس إلى بيئتها الطبيعية من دون التسبب في مشاكل كثيرة، وقد أظهرنا إمكانية نجاح هذه الخطوة."

طور فريق إليوت طرائق عدة لخفض منسوب المياه، وعند الضرورة يتخلص غالباً من سدود تبنيها القنادس. كذلك يستخدم أداة تسمى "مضلل القندس"، علماً أنها عبارة عن نظام أنابيب يمكن تمريره عبر السد.

"إذا نظرنا إلى المسألة من ناحية الحياة البرية، نجد أن المستنقعات التي تنشئها القنادس تكتنز قيمة عظيمة. نحن في خضم حال طوارئ بيئية، وهذه الحيوانات أداة جيدة فعلاً لإنشاء موائل مفقودة"، كما يقول إليوت.

بالنسبة إلى المشاورات الحكومية تبقى مفتوحة حتى 17 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وقد قال جورج يوستيس، وزير البيئة البريطاني، إن وزارته ستتبع "نهجاً حذراً" في ما يتصل بعودة القنادس.

أما مدير الأراضي جون فارلي فيرى أن "في مقدور البشر أن يتعايشوا مع القنادس في حال تطبيق بروتوكولات إدارية صحيحة. تكتسي المشاروات الحكومية في هذا الشأن أهمية بالغة لأن القندس يمثل إعادة التوطين الأولى لحيوان سينال ترخيصاً حكومياً".

"سبق أن بدأ الناس يتحدثون عن (إعادة توطين) القط البري والوشق. إذا نجحنا في تنفيذ هذه السياسة على نحو صحيح، سنزرع الثقة في نفوس الناس بشأن الخطوات اللاحقة في المستقبل"، ختم فارلي.

© The Independent