Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فلسطينيون وإسرائيليون يبرمجون السلام في رقائق إلكترونية

60 في المئة من خريجي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بلا عمل

فتيات يعملن في تجميع رقائق إلكترونية (اندبندنت عربية)

إلى جانبِ عشرات المبرمجين والمهندسين الفلسطينيين، ينهمِك أحمد وسالي وعُمر في معالجة بعض الرسومات وأنظمة ألعاب الفيديو داخل مقر شركة أميركية عملاقة في رام لله، والتي فتحت أبوابها لهم كمبتكرين ومبدعين شباب في مجال البرمجة والتكنولوجيا، بداية مايو (أيار) من العام الماضي.

فمقابل 7 مليارات دولار، تمكنت الشركة التي تعمل بها سالي من الاستحواذ على شركة إسرائيلية شهيرة، وتوظيف 100 مهندس فلسطيني كانوا يعملون فيها كمقاولين (بأجر)، عبر شركة فلسطينية لصناعة البرمجيات، كانت دخلت في شراكة معها منذ 8 سنوات.

تقول سالي (27 سنة) "كنت أحلم بوظيفة، وها أنا اليوم أعمل في شركة عالمية، وسواء كانت إسرائيلية أم لا، فإن العمل القائم على المهنية والاحترام المتبادل والثقة، يبقى أهم من أي تجاذبات سياسية. واجهت النقد والاتهامات بالعمل مع إسرائيل، وأثبت وزملائي أنه بالإمكان تنحية الآراء والتصورات جانباً، والاتحاد معاً من أجل تحقيق هدف واحد مشترك."

تطوير وتمكين

وخلال الأعوام الأخيرة، ظهر تعاونٌ كبير بين شركات تكنولوجيا متقدمة إسرائيلية وبين مهندسين فلسطينيين من غزة ورام الله، وذلك لوجود قوى عاملة متعلمة وماهرة وغير مكلفة. فإحدى الشركات الإسرائيلية أنشأت مركز مطوّرين في رام الله عام 2010، وتوظف اليوم أكثر من 250 موظفاً فلسطينياً، 20 في المئة منهم من قطاع غزة، إذ تشمل المجالات التي يعملون فيها اختبار وتطوير البرمجيات والأجهزة.

مراد طهبوب المدير التنفيذي لإحدى شركات صناعة البرمجيات، يقول "هناك العديد من الشركات العالمية تتعاقد مع شركات فلسطينية لخدمات البرمجة والتطوير، ومنها شركات عربية وأميركية وأوروبية وأخرى إسرائيلية، وذلك للنقص العالمي الموجود في توافر المبرمجين الذين يتمتعون بكفاءة على مستوى عالمي. وكفلسطينيين لدينا الكثير من الخبرات في قطاع التكنولوجيا والبرمجيات وغيرها من القطاعات، ما جعلنا نُصدّر الخدمات البرمجية بكفاءة وجودة عالية إلى تلك الشركات التي وثقت بطاقاتنا وخبراتنا".

عجز عمالي

ويُعتبر قطاع الهايتك في الأعوام الأخيرة عماد الاقتصاد الإسرائيلي، لكنه يواجه عجزاً في العمالة يصل إلى نحو 10 آلاف مبرمج ومهندس برمجيات، بحسب ما تقول حكومة تل أبيب، ما يُشكل واحداً من أكبر التهديدات للنمو الاقتصادي الإسرائيلي. في حين أشارت صحيفة THE WALL STREET JOURNAL الأميركية، إلى أن المنافسة بين الشركات الإسرائيلية والأميركية العملاقة هي سبب ذاك العجز، فالشركات الأميركية مستعدة لدفع رواتب أعلى لجذب المواهب الإسرائيلية.

ووفقاً لصحيفة الأعمال الإسرائيلية  THE MARKER يصل متوسط راتب المهندس الإسرائيلي في قطاع التكنولوجيا إلى حوالى 130 ألف دولار سنوياً، فيما يحصل نظراؤهم الفلسطينيون على متوسطٍ سنويٍ يصل إلى 42 ألف دولار. رئيس إحدى الشركات الإسرائيلية لصناعة التكنولوجيا إيال والدمان قال لوكالة الصحافة الفرنسية، "إن توظيف مهندس في غزة يكلف نحو خُمس سعر توظيف مهندس إسرائيلي مع الضرائب والتكاليف الأخرى. توجد مواهب هناك وليست لديهم فرص عمل. ولهذا فكرنا لم لا نستفيد من المواهب الكبيرة في غزة، ونجعلهم يعملون لحسابنا".

ويأمل والدمان في أن يكون لهذا العمل الصغير تأثير أكبر في المستقبل، موضحاً "هناك فلسطينيون تتراوح أعمارهم بين 20 و30 سنة يتحدثون مع إسرائيليين. ولم يتحدثوا أبداً معهم من قبل، ويعتبرونهم العدو، والآن يتحدثون معاً عن كرة القدم ويتبادلون النكات".

وبحسب جهاز الإحصاء الإسرائيلي، فإن 8 في المئة فقط من العاملين في إسرائيل يعملون في قطاع الهايتك، إذ بلغت صادرات هذا القطاع 45 مليار دولار في عام 2017، من إجمالي الصادرات الإسرائيلية التي بلغت حوالى 100 مليار دولار، أي أن 8 في المئة من العاملين في الهايتك في إسرائيل ينتجون 45 في المئة من إجمالي الصادرات. كبير العلماء في الاقتصاد والصناعة، ورئيس هيئة الابتكار الإسرائيلية (حكومية) آمي أبيلبوم، يقول "تعتمد إسرائيل على قطاع التكنولوجيا في حوالى نصف حجم صادراتها. وإذا تواصل عجز العمالة، سوف يتعطل النمو الاقتصادي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفض شعبي

منظمة BDS حركة عالمية لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها في الضفة الغربية، كانت قد انتقدت بشكل واضح أبرز الشركات الفلسطينية التكنولوجية التي تتعاون مع شركات إسرائيلية، داعية إلى مقاطعة تلك الشركات المتورّطة في "تحسين العلاقات مع تل أبيب"، والضغط لسحب تراخيصها، مطالبة في الوقت ذاته، بضرورة إنهاء تواجد الشركات إلاسرائيلية والدولية في سوق العمل الفلسطيني، "المتورطة في جرائم بحق الفلسطينيين"، بحسب تعبيرهم.

منسّق حركة المقاطعة BDS، محمود نواجعة يضيف "تكشف العلاقات التي تم توثيقها من جهتنا، مدى تورّط هذه الشركات الفلسطينية القليلة، ولكن المؤثرة، في مشاريع ما يعرف بالسلام الاقتصادي، الذي يعدّ جزءاً لا يتجزأ من معاهدة السلام في الشرق الأوسط الأميركية - الإسرائيلية، الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف، حيث تتراوح تبعية شركات تكنولوجيا المعلومات الفلسطينية، وتختلف طبيعة علاقاتها القسرية أو الطوعية مع البنية التكنولوجية الإسرائيلية، سواءً في قطاع تزويد الاتصالات وخدمات الإنترنت، أو توريد المعدّات، ولكنّ أخطرها اليوم هي شركات البرمجيات التطبيقية، القائمة على مبدأ التعهيد، أو(outsourcing)  وتستند هذه الشركات إلى بيع ساعات عملٍ، بأيدي مبرمجين فلسطينيين وبرواتب زهيدةٍ نسبياً، إلى السوق الإسرائيلية والعالمية، من دون تقديم أيّ قيمةٍ مضافةٍ لتنمية الاقتصاد الفلسطيني."

وفي الرد على الاتهامات قال طهبوب وهو مدير إحدى تلك الشركات الفلسطينية، "وجود قطاع تكنولوجي قوي في إسرائيل مع وجود عدد من الشركات الناشئة والعالمية، وفتح مكاتب بحث وتطوير للشركات العالمية في إسرائيل، كلها أمور أدت إلى وجود حاجة وطلب كبيرين على المبرمجين والمهندسين، وبالنسبة لنا كفلسطينيين نرى أنه يتم استغلال تلك الحاجة من خلال تقديم الخبرات الفلسطينية لتلك الشركات العالمية وغيرها العاملة في إسرائيل. نحن نصدر خدماتنا لكافة الأسواق ومنها السوق الإسرائيلية، ولا توجد علاقة خاصة تربطنا باستثناء القرب الجغرافي، الذي يوفر ميزة تنافسية لتصدير الخدمات البرمجية الفلسطينية للشركات العاملة في تلك السوق".

ترحيب رسمي

وزارة الاتصالات الفلسطينية أكدت بدورها، أن الحكومة الفلسطينية تدعم تصدير التكنولوجيا الفلسطينية، وتشجع على استقطاب الشركات العالمية لتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر، لما في ذلك من تطويرٍ لاقتصاد رقمي فلسطيني واعد يستغل طاقات الشباب في المجال التكنولوجي، وخلق فرص عمل لهم بما يعزز من مهاراتهم. في حين تشير الهيئة العامة لاتحاد شركات أنظمة المعلومات الفلسطينية (غير حكومية)، أن الجامعات الفلسطينية تخرج سنوياً بين 2500 و3000 خريج في مجالات تكنولوجيا المعلومات، وكثير منهم يطمح في الحصول على الخبرة وعلى راتب مرتفع الذي تقدمه الشركات الإسرائيلية، خصوصاً مع وصول نسبة البطالة في ما بينهم عام 2020 إلى قرابة 60 في المئة، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم يقول "تستغل إسرائيل حاجة الفلسطينيين للعمل في ظل أوضاعهم الاقتصادية الصعبة التي يمرون بها، ما يضطرهم لقبول عروض تلك الشركات التكنولوجية التي توفر لهم فرص عمل مرضية أكثر من تلك المطروحة في السوق المحلية المحدودة جداً. وعلى الرغم من الحديث المستمر عن الانفكاك الاقتصادي، إلاّ أن هناك علاقات تجارية وتكنولوجية وثيقة بين رجال أعمال فلسطينيين وإسرائيليين على العلن، أصبح مألوف في الضفة الغربية وجود شركات فلسطينية تكنولوجية تعمل بشكل مباشر مع إسرائيليين."

ويردف "تل أبيب وقبل أن توظف المهندسين الفلسطينيين في مجال البرمجة والحواسيب ونظم المعلومات، تتأكد من سيرتهم الذاتية وشغفهم بالعمل والمال فقط لا بالمواقف السياسية، كما تستهدف في التوظيف النُخبة الشابة النابغة، ممن يمتلكون البراعة والخبرة في تكنولوجيا المعلومات وتخلو سجلاتهم من أي نشاطاتٍ سياسية وأمنية. فمن المستحيل أن تجازف تل أبيب في هذا القطاع الحيوي والحساس، بتوظيف من قد يتأثرون بالأحداث السياسية في المنطقة، بما قد ينعكس سلباً على أمن إسرائيل".

رغبة بالعمل

أليران شارون مدير إحدى شركات التعهيد الإسرائيلية في مجال التكنولوجيا، والتي بدأت عام 2017 بالعمل مع مهندسين من الضفة الغربية يقول "مع الجيل الأكبر، كان الأمر أقرب إلى قضيةٍ تتعلق بالسياسة، لكنَّ الفلسطينيين الصغار يُبدون رغبةً أكبر في العمل".

حقائق وأرقام

تمتاز إسرائيل في مجال الهايتك الذي يعتبر من الأفضل عالمياً من حيث الابتكار، الخبرات البشرية وصناديق الاستثمارات على مختلف أنواعها. فقطاع الهايتك هناك يجمع بين صناعة الإلكترونيات، الأدوية، الطائرات، البرمجيات والأبحاث. ووفقاً لمركز الشركات الناشئة الإسرائيلية، يوجد اليوم حوالى 303 شركات متعددة الجنسيات تعمل في إسرائيل، تدير 344 مركزاً للبحث والتطوير. ووفق معطيات تقرير بنك إسرائيل المركزي، تصنّف تل أبيب في المراكز العشرة الأولى من حيث نسبة الأكاديميين في مجال العلوم والهندسة في فئة الشباب، وذلك بعد كوريا الجنوبية، لوكسمبورغ، فنلندا واليابان.

المزيد من تقارير