Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إعمار مرفأ بيروت يخضع للموقع الجيوسياسي والدور الاقتصادي 

واشنطن تطرح الإشراف الدولي على إدارة المرفق الحيوي والرقابة الأمنية داخله

إحياء الذكرى السنوية لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2020، سيحفر عميقاً في ذاكرة اللبنانيين على الأصعدة الإنسانية والوجدانية نظراً إلى المآسي التي خلفها وعدد الضحايا التي تسبب فيها، سواء الذين قضوا أو الذين أصيبوا وظلوا على قيد الحياة، أو الذين تضرروا في منازلهم ووظائفهم وشركاتهم وحياتهم اليومية، وهم بمئات الآلاف. 

ومثلما سيترك الانفجار الزلزالي أثراً لا يمحى لأكثر من جيل، لا سيما بالنسبة للذين فقدوا أحبة ومعيلين، كذلك لأقرباء الضحايا والجرحى والمتضررين، صغاراً وكباراً، فإن الانعكاسات الاقتصادية للكارثة ستقض مضاجع اللبنانيين جميعاً في السنوات المقبلة، نظراً إلى أن مرفأ بيروت كان جزءاً أساسياً من الدورة الاقتصادية النشطة تاريخياً في البلد، واتصف بأنه أهم مرافئ شرق البحر الأبيض المتوسط. وسيزيد تعطيل هذا المرفق الحيوي من حدة الأزمة الاقتصادية المالية التي يعيشها لبنان، فضلاً عن أن الدمار الذي أصاب منشآت المرفأ ومحيطه السكني، الذي نما على وقع تطوره، يمس تراثاً معمارياً وثقافياً، كان يغني الحياة اليومية وإيقاعها، لأنه شكل مرتكزاً للتواصل مع دول الغرب والدول العربية على مدى أكثر من قرن.

جزء من تاريخ بيروت وموقعها الجيو سياسي

من النادر أن تُعرض صور لبيروت القديمة الجميلة والحيوية، من القرن التاسع عشر أو مطلع ومنتصف القرن العشرين، من دون أن يكون المرفأ أحد عناصرها. فاللبنانيون يتغنون بتاريخ العاصمة والمرفأ أساس فيه، ويتسابقون إلى البحث عن صور قديمة لأحيائها، للاحتفاظ بها في أرشيفهم وعلى جدران منازلهم، كمناظر تراثية.

منذ 4 أغسطس 2020 تُنشر أو تُبث صور محزنة لمشاهد المرفأ المدمر ولحطام مبانيه وعنابره، وفي وسطها إهراءات القمح والحبوب العملاقة، شامخة وسط الركام بعد ما سقط جزء منها فيما تضرر الجزء الآخر وتصدع. فهي حمت بارتفاعها، نسبياً، القسم الغربي من أحياء الواجهة البحرية وتلك الواقعة  خلفها، من الدمار الكلي، لأنها تلقت العصف الأكبر من الانفجارين المتتاليين لمادة نيترات الأمونيوم التي كانت مخزنة في العنبر الرقم 12 فيما كان الجزء الشرقي مشرعاً أمام الموجات المدمرة والقاتلة التي صدرت من هذا العنبر.

إعادة الإعمار: أي دور للبنان اقتصادياً؟

تاريخ المرفأ يختزل قسماً من تاريخ لبنان وعاصمته، في القرون الماضية، وكذلك موقع البلد التجاري والجيو سياسي في المنطقة إضافة إلى أنه يعكس تقلبات فسيفسائه الطائفية والسياسية. وهو كان عرضة لأضرار الحروب التي وقعت في لبنان وعليه في مراحل متعددة. ويمكن القول إن هذا المرفأ دُمر ثلاث مرات وأعيد إعماره في شكل يطرح السؤال اليوم، حول متى وكيف ستتم إعادة إعماره ووفق أي دور سيلعبه في سياق الموقع الاقتصادي المستقبلي للبلد، وفي ظل التحولات التي يشهدها الإقليم وعلاقات دوله الاقتصادية والتبادلية، ومن سيقوم بالمهمة وأي جهات ستتحمل تكاليفها الكبيرة؟ فتقرير البنك الدولي قدر الخسائر التي تعرض لها لبنان بما بين 6.6 و8.1 مليار دولار، إضافة إلى 3.5 مليار دولار خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.

بات تأهيل هذا المرفق مرتبطاً بالهوية المقبلة للبنان، التي تُطرح حولها علامات استفهام متعددة. وهذه الأسئلة الأجوبة عليها مرهونة بالتموضع الذي سيرسو عليه البلد كحلقة وصل بين دول المنطقة، وكمحطة استثمارية. وهي مرهونة أيضاً بتركيبته السياسية الداخلية في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة التي تعصف به. وليس عن عبث أن خطط النهوض بالمرفأ مجدداً بقيت معلقة على الرغم من مرور سنة على تدمير الجزء الأكبر منه، ما عمق المأزق الاقتصادي. حتى إزالة معظم الركام لم يحصل، ولم يطَل سوى بعض مسالك التحرك في حرمه، لتسهيل الحركة من أجل تشغيل جزء من أرصفته لاستقبال بعض السفن التي تنقل بضائع حيوية، ومنها بواخر المساعدات الإنسانية، الطبية والغذائية الملحة، التي ترسلها الدول المعنية بإبقائه على قيد الحياة.

تاريخ المصالح والصراع على المرفأ 

بدأ مرفأ بيروت مرفقاً متواضعاً بين عامي 1830 و1840 لاستقبال المسافرين والبضائع التي كانت تستوردها عائلات ميسورة من صناعة الحرير وتربية دود القز، حصلت على امتياز استثمار وتطوير المرفأ لـ99 سنة، أيام الانتداب العثماني لبلاد الشام حين كانت "ولاية بيروت" جزءاً منها، فيما المدينة كانت أشبه بقرية. تطور هذا المرفأ مع ازدياد عدد سكان بيروت إلى ما يقارب 150 ألف نسمة مطلع القرن العشرين، مع تطور الثورة الصناعية في أوروبا التي احتاجت لتصدير بضائعها. تحول المرفأ أواخر القرن التاسع عشر، إلى بوابة لنقلها إلى الدول العربية عبر شق طريق بين الساحل والداخل السوري تحول لاحقاً إلى سكة حديد. 

في ظل تنامي الصراع الفرنسي البريطاني مع السلطنة العثمانية مطلع القرن العشرين تطلب حصار المرفأ (كان من أسباب المجاعة الكبرى في لبنان في 1912) الذي كان العثمانيون يستخدمونه لشتى الأغراض بما فيها العسكرية، قصف سفن إيطالية للبحرية العثمانية الراسية في المرفأ. وفي 1918 دمره سلاح الطيران البريطاني للقضاء على الجيش العثماني.

أعادت فرنسا، الدولة المنتدبة على البلد، مع إعلانها دولة لبنان الكبير عام 1920، إعمار مرفأ بيروت في سياق تنافسها مع بريطانيا على النفوذ في المنطقة. فالأخيرة أهلت مرفأ حيفا كنقطة استيراد وتصدير، من ضمن رؤية لنقل النفط العراقي إليه عبر أنبوب، إلى أوروبا، عن طريق الناقلات التي ترسو فيه، بحسب قول أستاذة التاريخ في جامعة القديس يوسف في العاصمة اللبنانية، كريستين بابكيان لجريدة "لوموند" الفرنسية في 6 سبتمبر (أيلول) 2020. لكن تأسيس دولة إسرائيل حوّل مرفأ بيروت إلى الميناء الأول في المنطقة في ظل المقاطعة العربية لتل أبيب، فأسهم ذلك في ازدهار المدينة ونقل لبنان إلى حقبة اقتصادية جديدة. وترافق الأمر أواسط الخمسينيات مع رغبة الحكومات اللبنانية في استعادة إدارة المرفأ من الفرنسيين عبر اكتتاب لبنانيين في شركة لإدارته واستثماره، تمتلك الدولة أسهما فيها فتسلمتها من الجانب الفرنسي في أوائل الستينيات، بالتزامن مع تحول بيروت إلى وجهة سياحية واستثمارية ومصرفية من الداخل العربي. وككل شيء في نظام المحاصصة الطائفية اللبناني، جرى اقتسام المرفأ وخيراته من قبل عائلات مسيحية وسنية.

الحرب الأهلية وتنامي الفساد بعد تقاسم النفوذ

مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية منتصف السبعينيات بين الميليشيات المسيحية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية بتحالفها مع ميليشيات إسلامية، كان المرفأ موضع تنازع بينها، فأصيبت منشآته بأضرار بليغة، لكن السيطرة كانت لميليشيات حزب الكتائب المسيحي، على الحوض الخامس منه، كان يدر عليها أموالاً طائلة لتمويل أنشطتها العسكرية والأمنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال الحرب عُهد إلى لجنة مؤقتة إدارة واستثمار المرفأ، تقاسم النفوذ فيها تدريجاً كافة الأحزاب السياسية والطائفية المشاركة في السلطة، استمرت بعد انتهاء الحرب عام 1990. ومثل سائر القطاعات عششت مظاهر الفساد والهدر في هذه المؤسسة الضخمة التي تدر أموالاً طائلة، وكانت مداخيل الخزينة اللبنانية من هذا المرفق (جمارك ورسوم) منخفضة عما كان يفترض أن يدر عليها، فيما تضخم الجهاز الإداري والتشغيلي أكثر من اللازم فيه.

الحصار الإسرائيلي 1982 و2006

في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، تعرض مرفأ بيروت لحصار الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح عام 1982 لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. واستغرق فك الحصار شهوراً من المفاوضات مع الولايات المتحدة والدول الكبرى. ومع تنامي دور "حزب الله" والنفوذ الإيراني في البلد تجدد الحصار الإسرائيلي على المرفأ في حرب يوليو (تموز) 2006 على "الحزب" ولبنان. واحتاج فك الحصار عنه على الرغم من صدور القرار الدولي الرقم 1701، إنشاء قوة بحرية تابعة للأمم المتحدة المنتشرة قواتها على البر في منطقة جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان. والهدف كان مراقبة تنفيذ قرار حظر نقل الأسلحة غير المخصصة للقوات المسلحة الشرعية والحيلولة دون تهريب السلاح من إيران إلى "حزب الله".

مرفأ بيروت ودوره الاقتصادي كان طُرح على بساط البحث قبل انفجار 4 أغسطس، في سياق البحث في الإصلاحات المطلوبة لتصحيح الوضع الاقتصادي والمالي للبنان، وتعددت الاقتراحات وأبرزها خصخصة هذا المرفق، بتسليمه لشركات عالمية، وضبط مداخيله التي انحصرت بما يقارب الـ200-300 مليون دولار سنوياً، فيما التقديرات أن الخزينة يفترض أن تجني منه أكثر من ذلك بكثير، فضلاً عن أن رسوم الجمارك فيه تخضع للهدر والسرقة من مافيات ترسخ نفوذها داخله بتقاسم الأحزاب الأرباح بالالتفاف على المداخيل الجمركية.

الدور الأمني لـ"حزب الله" وانتظار التحقيقات

 لكن بموازاة ذلك كان موضوع نفوذ "حزب الله" من العناوين الحاضرة ضمناً وعلناً. فالحزب وحلفاؤه استطاعوا في ظل الاحتلال السوري للبنان، استصدار قرار وزاري إداري إبان فترة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بإعفاء مواد يحتاجها صمود المقاومة والتحصينات المطلوبة في جنوب لبنان (استيراد الحديد والترابة وغيرها من مواد البناء...)، من رسوم الجمارك. وهو قرار استمر تطبيقه بعد الانسحاب الإسرائيلي في مايو (أيار) من عام 2000 حيث تكثر الروايات عن استفادة تجار منه على الرغم من استيرادهم مواد لا علاقة لها بـ"صمود المقاومة". وتحول غطاء لتوفير أموال للحزب وتنفيعات لمقربين منه.

وسلط انفجار 4 أغسطس الضوء على الدور الأمني للحزب في المرفأ في إطار ما سمي منذ عام 2006 ضبط حدود البلد البرية والبحرية والجوية، التي تكثر الروايات عن أشكال التهريب المنظم عبرها. وفيما التحقيقات العدلية ما زالت مستمرة حول الانفجار، كشفت وسائل إعلام محلية وأخرى غربية عن معطيات بأن استيراد نيترات الأمونيوم عام 2013، ثم تخزينها في المرفأ منذ عام 2014 كان لمصلحة النظام السوري لاستخدامها في البراميل المتفجرة التي كان يلقيها جيشه على مناطق سيطرة المعارضين... وفي رأي خصوم الحزب أنه لو لم يكن تخزين هذه المواد الخطرة يخضع لحماية الحزب لما كانت بقيت 7 سنوات، وأن تقرير "أف بي آي" أوضح أن 20 في المئة فقط من الـ2752 طناً من النيترات انفجرت. فالتقديرات الأولية لخبراء لبنانيين أن الكمية الأخرى كان تُسحب تباعاً إلى سوريا لاستخدامها لأغراض عسكرية.

وفيما كان لأجهزة المخابرات السورية نفوذ على المرفأ أثناء وجودها في لبنان، فهو كان، بعد اندلاع الحرب في بلاد الشام، مدخلاً لاستيراد مواد خاضعة للعقوبات الأميركية والأوروبية على نظام دمشق، عبر شركات وهمية وشركاء لبنانيين.

شركات ودول تهتم لفرصة إعادة الإعمار

جذب عنوان إعادة إعمار المرفأ عدداً لا يحصى من الشركات العالمية، التي استكشفت الفرصة الاستثمارية، والدول التي تتطلع لترسيخ نفوذها أو إمكان اقتناص دور ما في هذا الموقع المهم على الساحل الشرقي للمتوسط، لذلك دلالات فائقة الأهمية من الناحية الجيو سياسية. فضلاً عن أن تركيبة الحكم القائمة سيكون لها رأيها في أي عقود محتملة على هذا الصعيد. وهو ما يؤدي إلى الاستنتاج بأن عملية كبرى من هذا النوع لها علاقة بالخيارات السياسية والاقتصادية المستقبلية للبلد، فضلاً عن ارتباطها بعملية التنقيب عن الغاز والنفط في البحر، والذي يحتاج إلى ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

دولة الكويت أبدت استعداداً لإعادة بناء الإهراءات، التي كانت مولت تشييدها في ستينيات القرن الماضي.

مجموعة شركات ألمانية قدمت في أبريل (نيسان) الماضي مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء المرفأ ومحيطه السكني المدمر بطرق تكنولوجية حديثة وصديقة للبيئة تبدأ باستثمار نحو 7.2 مليار دولار وتصل إلى حدود 20 ملياراً على مدى 20 سنة. وحرصت الحكومة الألمانية على القول، إن هذا المشروع يقوم به القطاع الخاص الألماني، لا الحكومة، مع أنها تدعمه.

شركة المرافئ الهولندية أرسلت بعثة وضعت دراسة من جهتها. وتركيا أبدت استعداداً من جهتها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خصص بنداً يتعلق بإعادة إعمار المرفأ في خريطة الطريق الإصلاحية التي عرضها على القوى السياسية لتشكيل الحكومة على أساسها خلال زيارته الشهيرة إلى لبنان في 1 سبتمبر (أيلول) 2020. وزارت الموقع بعثات فرنسية عدة لدراسة الخطة في هذا الصدد، حيث لشركة "CMA-CGM" العملاقة عقد لتفريغ الحاويات في المرفأ، وضعت خطة على 3 مراحل تبدأ بـ400-600 مليون دولار. وخصص ماكرون بنداً يتعلق بـ"تجهيز المرفأ" في مؤتمر 4 أغسطس الذي رعاه مع الأمم المتحدة لجمع المساعدات للبنان.

وعرض تجمع شركات لبنانية، بالاتفاق مع نقيب المقاولين اللبنانيين المهندس مارون الحلو خطة اقترحتها على وزارة الأشغال والنقل.

وعرضت شركة روسية القيام بالمهمة، فيما أبدت الصين اهتماماً من جهتها، خصوصاً أنها أسهمت في بناء مرفأ طرابلس، لكنها تريثت بانتظار اتضاح الوضع السياسي الداخلي. وهكذا بالنسبة إلى الشركة الروسية.

إلا أن كل هذه الجهود بقيت عند حدود النوايا، لأن إعادة إعمار المرفأ تتطلب توافقاً سياسياً داخلياً، فضلاً عن تفاهم دولي. فالولايات المتحدة الأميركية تراقب كل ما يجري على هذا الصعيد، ليس فقط من الزاوية الاستثمارية، بل من الناحية السياسية والأمنية أيضاً. وتفيد المعلومات بأن واشنطن أرسلت العديد من المهندسين إلى بيروت مكثوا فترة من الوقت لدراسة أوضاع المرفأ، وأنها تنوي طرح مسألة الإشراف الدولي على إدارته لضمان حسن الإداء من جهة، ومن أجل مراقبة عدم استخدامه لإغراض أمنية وعسكرية، أو لما يتعارض مع العقوبات التي تفرضها على كيانات وأشخاص سواء في إيران أو في سوريا، من جهة ثانية. وهي حكماً تعارض تولي العملية من قبل موسكو التي لها نفوذها حالياً على المرافئ السورية، أو بكين.

المزيد من تقارير