Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يعاود الارتفاع في مصر وسيناريو الغلق وارد

الإعلانات التوعوية أجهضتها دراما رمضان والإجراءات الاحترازية في مواجهة شرسة مع العادات والتقاليد

تشهد أعداد المصابين بكورونا في مصر زيادة كبيرة (أ ف ب)

درجات الاحتراز المتبخرة في هواء رمضان، ومسافات التباعد التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما اقترحته منظمة الصحة العالمية، وتجمعات الإفطار وحلقات السحور المزدحمة، ووسائل المواصلات العامة المتكدسة والخاصة المتجمّع فيها الأهل والأحباب والأصدقاء لاستنشاق عبير رمضان قبل الإفطار وأثناءه وبعده، جعلت البعض يطالب بإغلاق ولو جزئي.

ففي مثل هذه الأيام قبل عام بالتمام والكمال، وجد المصريون أنفسهم أمام هبّة الموجة الأولى من وباء كورونا، التي تطلبت قراراً رسمياً بإغلاق الأندية والمطاعم والمقاهي والمراكز التجارية من السابعة مساءً وحتى السادسة صباحاً. كما جرى إيقاف حركة الطيران وفرض إجراءات حظر وعزل مشددة على العائدين على متن رحلات إعادة العالقين المصريين في دول عدة حول العالم.

صدمة الوباء والإغلاق

صدمة الوباء غير المسبوق حينها نافست صدمة الإغلاق  بمواعيد صارمة وقيود محددة وعقوبات فورية، لم يعتَدها المصريون في حياتهم اليومية التي تمضي غالبية تفاصيلها من دون قيود تنظيمية أو قواعد تنسيقية. وتبع ذلك إغلاق المدارس والتحول إلى التعليم "أونلاين" لمن يملك القدرة على الوصول إلى الإنترنت، والشرح عبر قنوات تلفزيونية تعليمية لمن لا يملك. بل جرى فرض حظر تجوال ليلي، لم يعرفه المصريون إلا في أحوال الثورات والقلاقل الأمنية.

وتنفسّ الملايين، لا سيما مليونَي مصري ومصرية يعملون في قطاع الاقتصاد غير الرسمي، الصعداء برفع القيود والعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية في صيف عام 2020، ظناً منهم أن انحسار أعداد الإصابات يعني أن الغمة قد زالت إلى غير رجعة. وعلى الرغم من مرور مصر والمصريين بالموجة الثانية، فإنها ذهبت إلى حال سبيلها هي الأخرى من دون إعادة فرض قيود، وهو ما أمدّ القاعدة العريضة من المصريين بإحساس كاذب بشيوع الأمان وتقلّص الوباء.

ظاهرة العائلات المصابة

ومع تصاعد أعداد الإصابات في الأسابيع القليلة الماضية، وبزوغ ظاهرة العائلات المصابة بأكملها والمعزولة في بيوتها، بدأت أصوات شعبية تطالب بفرض شكل من أشكال الإغلاق مع عودة لالتزام الإجراءات الاحترازية من ارتداء كمامات وقياسات لدرجة الحرارة والتباعد الاجتماعي في المطاعم والمقاهي ودور الترفيه والتقيّد بأعداد معينة لدخول الأماكن المغلقة وتشديد الرقابة على التنفيذ.

لكن يبدو أن تنفيذ إغلاق جزئي أو حتى عودة ولو نسبية إلى تشديد الإجراءات الاحترازية غير مطروحَين رسمياً بعد. والأدهى من ذلك أن جميع الإعلانات التوعوية وتنويهات حماية النفس والآخرين من العدوى اختفت تماماً من شاشات التلفزيون وأثير الإنترنت والإذاعة وذلك أمام طوفان الدراما والإعلانات الرمضانية. ولعلها من المرات النادرة التي تتعالى فيها أصوات من المواطنين أنفسهم مطالبة بالتضييق ومناشدة الحكومة صرامة التنفيذ.

استبيان عنكبوتي

نموذج استبيان يسري على أثير "فيسبوك" يستفتي الآراء حول موقفهم من فرض إجراءات إغلاق فورية في ضوء التزايد الكبير في أعداد الإصابات الحالية والوفيات التي تسجل غالبيتها تحت "التهاب رئوي حاد" في شهادات الوفاة. المضحك والمبكي أن التجمعات الرمضانية في كل مكان أيضاً يطغى عليها حديث الإغلاق.

 

لكن، حديث الإقفال يتخذ شكلاً طبقياً يعرفه الجميع. الملايين من المصريين من العاملين في مجالات العمل غير الرسمية حيث عمال "الدليفري" والنُدُل وعمال اليومية وغيرهم يعتبرون أي تلويح بإغلاق أو تحديد مواعيد عمل أو فرض حظر تجوال أو ما شابه، إجراءات موجهة ضدهم من قبل أفراد مرفهين يضمنون مداخيل ثابتة في نهاية كل شهر. وعلى الرغم من ذلك، فإن الغالبية من هؤلاء لم تعُد تلتزم ارتداء الكمامات، وإن فعلت فهي على الأرجح أسفل الأنوف أو الذقون وذلك لـ"سهولة التنفس".

سهولة التنفس

"سهولة التنفس" كذلك تدفع كثيرين من المصلين في المساجد التي فتحت أبوابها للصلوات إلى خلع الكمامات أو إخراج الأنوف منها. صلاة التراويح التي تجد إقبالاً كبيراً من جانب المصريين شهدت عدم مراعاة الإجراءات الاحترازية من تباعد وكمامات وسجاجيد صلاة شخصية وأعداد المصلين، بالتالي جرى إغلاق عدد من المساجد في محافظات عدة منذ بداية رمضان.

لكن أعداد المصابين التي تشهد زيادة كبيرة، تدفع آخرين إلى الدقّ على وتر الإغلاق الجزئي وتشديد الرقابة شبه الغائبة تماماً، لكن بحرص وحرج بالغَين. عضو مجلس النواب أيمن محسب أشاد في البداية بحزمة الإجراءات القوية، التي اتخذتها الحكومة المصرية منذ بدء الجائحة، التي كانت من أهم أسباب عدم تفشي الوباء في البلاد بالصورة التي حدثت في دول أخرى.

لكن محسب أضاف أن استمرار هذا النجاح له شرط ألا وهو تضافر الجهود لاستمرار الإجراءات الاحترازية، إضافة إلى التزام المواطن قواعد السلامة وأبرزها البقاء بعيداً من أماكن التجمعات قدر الإمكان، مطالباً المجتمع المدني والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام بأن يكون لها دور في توعية المواطنين، وذلك لعدم تكرار سيناريو الإغلاق مجدداً.

ملف ملتهب

سيناريو الإغلاق مجدداً، على الرغم من الارتفاع الكبير في الإصابات، ملف ملتهب يتنازعه الاقتصاد والدين والديموغرافيا والثقافة والسياسة، وهو ما يجعل التعامل معه أشبه بالسير على الجمر. جمر التسييس يلهب الجميع، وليس هناك ما هو أكثر إيلاماً من جمرة السياسة المختلطة بالدين. فبمعدل مرة أو مرتين يومياً منذ بدء رمضان، تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي تدوينة أو تغريدة تفيد بأن "الحكومة المصرية تحارب الإسلام والمسلمين، وتقرر إغلاق المساجد أمام صلاة التراويح"، وهي ضمن الإشاعات الأكثر تفجراً وتداولاً. وفي كل مرة، تهرع وزارة الأوقاف، مؤكدة أنه لا صحة لإغلاق المساجد، وأنه لا مجال للحديث عن الإقفال إلا للمساجد المخالفة للإجراءات الاحترازية.

الإجراءات الاحترازية تجد نفسها كذلك في مواجهة شرسة مع العادات والتقاليد والثقافة المصرية، لا سيما في رمضان الذي "يحبّ اللمة"، كما يشير كل الإعلانات الرمضانية التي تدقّ على أوتار التجمعات والولائم والحفلات التي عادت بعد طول غياب.

موقف رسمي

غياب التصريحات الرسمية التي تؤكد استمرار الرقابة على تنفيذ قرارات ارتداء الكمامات في المواصلات والأماكن العامة مع الإشارة الصريحة إلى تطبيق الغرامات المفروضة، يساعد كذلك في تزويد قاعدة عريضة من المواطنين بإحساس الأمان الكاذب. حتى المسؤولون الذين يتحدثون إلى وسائل الإعلام عن فرضية الإغلاق يشترطون عدم ذكر أسمائهم.

 

أحد مسؤولي وزارة الصحة والسكان صرّح لعدد من وسائل الإعلام المقروءة عن توصيات صادرة عن اللجنة العلمية لمكافحة كورونا في الوزارة بتعديل مواعيد فتح وإغلاق المحال والمراكز التجارية في ضوء الزيادة الكبيرة في أعداد الإصابات وتوقعات استمرار ارتفاعها. ولم يستبعد المصدر أن تلجأ الحكومة إلى إجراءات حظر تجوال المواطنين مجدداً في حال استمرار زيادة الإصابات، الناتجة من عدم اتباع المواطنين للإجراءات الاحترازية.

لحسن الحظ، المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري نادر سعد كان أكثر مباشرة وصراحة، إذ قال إن الحكومة قد تُضطر إلى فرض حظر حركة المواطنين في المحافظات التي تشهد زيادة في الإصابات، إذا ما أوصت وزارة الصحة بذلك. وأضاف أن لدى الحكومة المصرية عدداً من الخيارات للتعامل مع الجائحة، مشيراً إلى أن "كل الخيارات مطروحة في أثناء الأزمات". وقال إنه قد يجري فرض حظر في عدد من المحافظات، وذلك إن أوصت اللجنة العليا لمكافحة فيروس كورونا بذلك.

سوهاج وطمأنة المواطنين

يشار إلى أن محافظة سوهاج في صعيد مصر شهدت في الأيام القليلة الماضية زيادة كبيرة في أعداد الإصابات والوفيات الناجمة عن كورونا. وتصدرت قائمة المحافظات الأعلى إصابة. الأرقام الرسمية تشير إلى ما لا يقل عن 150 حالة إصابة يومية مع ارتفاع حالات الوفاة بشكل ملحوظ. لكن يشار أيضاً إلى أن الكثيرين ممن يصابون بالفيروس لا يتوجهون إلى المستشفيات لتلقّي العلاج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وزارة الصحة والسكان من جهتها تحافظ على نهج طمأنة المواطنين والقيادة السياسية على الوضع الوبائي. فبين تأكيد من وزيرة الصحة والسكان هالة زايد على أن الوضع في سوهاج ليس بالسوء الذي يحاول البعض تصديره على منصات التواصل الاجتماعي، وآخر مشير إلى ارتفاع طفيف ومستمر في إصابات كورونا في جميع أنحاء البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، وأن نسبة الزيادة بلغت عشرة في المئة في بعض المناطق، لكن من دون أرقام أو إحصاءات، وثالث قالت فيه إن 50 في المئة فقط من العاملين في مجال الرعاية الصحية سجلوا لتلقّي اللقاح المضاد كورونا، يجد قطاع من المواطنين أنفسهم في "خانة اليك". فلا إجراءات احترازية تطبقها الغالبية، ولا رقابة صارمة تفرضها الجهات المنوط بها التطبيق والتفعيل، بل إن امتناع أو تردد أو تقاعس نصف العاملين في الرعاية الصحية عن تلقّي اللقاح جاء أشبه برسالة غير مباشرة للمواطنين العاديين إما بالحذو حذوهم، أو فسروا ذلك بأن الوضع مطمئن، ولا يستدعي لقاحات أو يحزنون.

كثافة سكانية صديقة لكورونا

وفي ظل الوضع الديموغرافي في مصر، حيث الكثافة السكانية في الأماكن المأهولة بالسكان 1422 نسمة في الكيلومتر المربع، يرى البعض أن ترك مسألة الاحترازات الوقائية قيد وعي المواطن ومدى شعوره بالمسؤولية أقرب ما يكون إلى الانتحار. الوضع الديموغرافي حيث التكدس والازدحام الشديدين يمثل بيئة حاضنة ومتوددة للفيروس.

ووصل الأمر إلى درجة شيوع "كوميكس" و"ميمز" تسخر من الوباء الذي أصبح صديقاً ودوداً للمصريين غير العابئين به. ويتحدث الفيروس إلى أحد المواطنين قائلاً بودّ شديد: "حين أكون معكم أنسى تماماً إنني فيروس وشرير".

عضو مجلس الشيوخ المصري الطبيب محمد البدري يقول إن "الموجة الثالثة تجتاح عدداً من دول العالم الثالث الذي يبدو أنه لم يتعافَ بشكل واضح، وأنه بينما تسونامي كورونا تجتاح بلدان عدة والهند في مهب الريح حرفياً ودول أخرى في الطريق، يبدو سيناريو الهند ليس بعيداً من مصر أو من أي دولة لها الظروف الاجتماعية ذاتها".

ويطالب البدري باتخاذ إجراءات من شأنها أن تيسّر وتسرع منظومة تلقّي اللقاح، مع حملات تشجيع وتوعية في هذا الشأن، مشيراً إلى أن التخوف من لقاح بعينه أو التخوف من الأعراض الجانبية يجب أن تتم التوعية الصحيحة بهما سريعاً. وأضاف: "الأعداد تتزايد كل يوم باطّراد. والانفجار إن حدث، لن يتمكّن أحد من الوقوف أمامه".