Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تروتسكي "بطل" الاتحاد السوفياتي الذي هزمه الحزب الشيوعي

هذه قصة اغتيال مؤسس "الجيش الأحمر" وعلاقته بلينين وستالين وحياته الماجنة في منفاه المكسيكي

ليون تروتسكي (غيتي)

الاغتيالات السياسية قديمة قِدَم التاريخ. أسبابها تتراوح بين العقائدية، والسياسية، والانتقامية، والشخصية، وربما هناك ما يتجاوز هذه الأسباب مجتمعة. ولكن نجدها شاخصة بمثل تلك القوة التي نراها بين طيات ما يتردد من اتهامات تقول باحتمالات أن يكون جوزف ستالين هو مَن وقف وراء تدبير اغتيال غريمه ليف تروتسكي.

وبغض النظر عن صحة ذلك، وما يحتدم من جدل حول صلة ستالين بهذه الجريمة، التي يغلب عليها الطابع الانتقامي قبل العقائدي والسياسي، فإن ما سبقها من أحداث وتطورات، يستمد تاريخه من نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أي منذ بدايات انخراط ليف دافيدوفيتش بروبنشتاين (تروتسكي) في الحركات الثورية السرية، وفي مقدمها الحركتان "الشعبية" و"الاشتراكية الديمقراطية".

ليف تروتسكي شخصية مثيرة للجدل، سيرته الذاتية عامرة بالتناقضات منذ مولده في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1879 في خيرسون الأوكرانية لعائلة يهودية، قبل انتقاله إلى أوديسا ونيكولاييف الأوكرانيتين أيضاً. ما نشرته المصادر السوفياتية يتسم بكثير من عدم الدقة والتحريفية، بل وعلى نحو مبتسر يقول بتعمد واضح لإسقاطه من تاريخ روسيا والاتحاد السوفياتي.

وعلى النقيض من ذلك، تعمد أنصاره ومريدوه من الجانب الآخر أن يظهروه بطلاً ثورياً ومفكراً ومنظراً كان جديراً بخلافة لينين على عرش قيادة الدولة والحزب، وهو الذي كان أول وزير للخارجية في الدولة السوفياتية الوليدة، ومؤسس قواتها المسلحة التي حملت اسم "الجيش الأحمر"، فضلاً عما كان يجمعه مع زعيم الثورة لينين من تلاقٍ في الأفكار والتوجهات، كانت وراء ترشيحه لأكثر من منصب سامٍ، ومنها نائب رئيس مجلس مفوضي الشعب (الحكومة الروسية ثم السوفياتية).

وبهذه المناسبة تشير المصادر الروسية إلى أن التوجهات السياسية لكل من لينين وتروتسكي تقاربت كثيراً، بل تطابقت، تجاه واحدة من أهم قضايا العصر وهي المسألة التي تتعلق بانصهار اليهود في نسيج المجتمع الروسي، وعدم تمتعهم بالحكم الذاتي، أو بالنسبة إلى تشكيل "البوند" والعلاقة مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

هزيمة تروتسكي

كثير من جوانب السيرة الذاتية لهذه الشخصية المثيرة للجدل، يقول في إيجاز، إن تروتسكي استهل نشاطاته الثورية من مواقع ماركسية بالانضمام إلى حلقات "الشعبيين"، قبل تحوله إلى الحركة الاشتراكية الديمقراطية، ونقابات العمال، مُنَظراً وقائداً عسكرياً. ما كان في مقدمة أسباب اعتقاله ونفيه إلى مجاهل سيبيريا في نهايات القرن التاسع عشر، قبل أن يهرب إلى خارج البلاد بجواز سفر مزور ولقب مستعار اختار أن يكون "تروتسكي"، بدلاً من اللقب الحقيقي "بروبنشتاين". وحتى عاد إلى سيبيريا منفياً مرة أخرى بعد ثورة فبراير (شباط) 1917.

الخلاف بينه وبين ستالين نشب مبكراً. وتزايدت حدة هذه الخلافات والانشقاقات في أعقاب وفاة لينين. وتولي ستالين قيادة الدولة والحزب الشيوعي البلشفي. ولكم كان يأمل خلافة لينين، وهو الذي كان ساعده اليمنى، والشخصية الثانية في التسلسل الهرمي للسلطة بعده إبان الحرب الأهلية. بل واعتبره خصوم البلاشفة من أنصار القيصرية، الشخصية المركزية التي طالما حاولوا إقصاءها، بحجة انتمائه إلى القومية اليهودية التي يجب ألا تملك اليد العليا في إدارة شؤون المسيحيين و"الدولة المسيحية". 

وفي شريط وثائقي روسي من إعداد "مركز الأفلام الوثائقية" بدعم من "صندوق دراسات جايدار" (النائب الأول لرئيس الحكومة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي) جرى تناول سيرة تروتسكي بكثير من التفاصيل. ومن هذه التفاصيل ما قاله ألكسندر ريزنيك أستاذ المدرسة الاقتصادية العليا في سان بطرسبورج حول أن تروتسكي لم يكن ليستطيع تجاوز "تحالف ستالين- زينوفييف- كامينيف"، قبل أن ينقلب ستالين على رفيقي التحالف.

كما أن "هيكل الحزب والنظام السوفياتي، والجيش الأحمر كمؤسسة لم يكن ليسمح بتنفيذ أي انقلاب عسكري في عشرينيات القرن الماضي". وأضاف أن تروتسكي لم يكن يملك آنذاك "آليات مباشرة للسلطة"، فضلاً عن عدم وجود من يمكن تسميتهم "أنصاره الذين ينتشرون في كل مكان". وخلص ريزنيك في تقديره شخصية تروتسكي إلى أنه "كان سياسياً سيئاً، ولم يفهم قواعد اللعبة، ولم يكن يعرف (وغالباً ما كان لا يريد أن يعرف) كيف يقاتل من أجل السلطة، وفقاً للقواعد التي تشكلت للعبة".

أما ياروسلاف ليونتيف البروفيسور في جامعة موسكو، وفي معرض حديثه إلى مُعِدي ذلك الشريط الوثائقي، فعزا أسباب فشل تروتسكي وهزيمته في صراعه مع ستالين إلى محاولته اللعب على كل التيارات من مواقع براغماتية، منذ تبنيه ما كان يسمى "أيديولوجية البلشفية الوطنية"، فضلاً عن غزله مع الكنيسة، ومناوراته مع القوميين.

واتهم البروفيسور ليونتيف تروتسكي بأنه كان صعب المراس، عصياً على التصالح مع معارضيه ومنافسيه، ومنهم كثيرون من الثوريين الاشتراكيين اليساريين، الذين كانوا من أنصاره خلال ثورة أكتوبر ثم وانتقدوه بشدة، وبلغ بهم الأمر إلى حد إصدار بيان يدعون فيه باسم "الحزب الاشتراكي الثوري" الجيش الأحمر إلى "أن يصبح أحمر حقاً، من أجل الإطاحة بالجنرالات والعقداء القيصريين الذين عينهم تروتسكي، وليس رفع السلاح ضد إخوانهم، والآباء من الفلاحين الذين يتمردون من أجل الأرض، والحرية". 

خلاف غير معلن

وفي عام 1923 باتت الخلافات أكثر حدة وخطورة على وقع تزايد حدة معارضة تروتسكي لتوجهات ستالين وجنوحه نحو الانفرادية، وما قيل حول ابتعاده عن الخط اللينيني مستفيداً من العزلة السياسية للينين نتيجة مرضه، وتفاقم ظاهرة البيروقراطية والنيل من "الديمقراطية"، على حد قول تروتسكي، والقليل من أنصاره.

ومن اللافت أن هناك من كان يتخيل احتمال تحالف تروتسكي مع ستالين، وهو ما أكده ألكسندر ريزنيك الأستاذ في المدرسة الاقتصادية العليا في سان بطرسبورج بقوله إنه "لم يكن من الممكن استبعاد مثل هذه الاحتمالات"، من منظور ما قيل عن "إعادة وحدة الحزب وإقامة التجمعات الأيديولوجية" في نهاية عام 1923.

ولم يكن ذلك مستبعداً في الوقت الذي كانوا يتداولون فيه ما يقال عن "أن طريقة تفكير لينين وتروتسكى هي طريقة تفكير المثقفين الروس بكل خيالاتهم ومُثلهم العليا"، وهو على النقيض مما كان يقال عن صعوبة أن "تضع ستالين ولينين وتروتسكي على قدم المساواة في صف واحد". وفي الآن نفسه، لم يستبعد كثيرون احتمال تفكير تروتسكي في الانقلاب على ستالين، وهو الذي سبق وكتب أنه كان يملك في عام 1920 كل مفاتيح القوة.

غير أن أحداً لا يمكن أن يتصور أن تروتسكي يفعلها، حتى لو وقف الجيش كله إلى جانبه، في توقيت كانت الغالبية الساحقة في حزب البلاشفة بعيدة عن الوقوف وراء تروتسكي، وبينما كان ستالين نجح في توطيد صلاته واتصالاته وسلطته وديكتاتوريته الشخصية في عشرينيات القرن الماضي من خلال المكائد والعنف.

رغم أن الواقع يقول، إن تروتسكي الذي قيل إنه كان معروفاً وأكثر شعبية وجماهيرية من لينين، في عام 1917، لم يكن في حقيقة الأمر يلقى قبولاً من جانب قادة الحزب، وإن بدا أكثر التصاقاً بلينين. ومع ذلك فقد كان الملاذ والعون بسبب حاجة الحزب و"الرفاق" إلى مجهوده ونشاطه، وهي الحاجة التي أملت على كثيرين ضرورة قبوله من أجل دعم وترسيخ مواقع الثورة البلشفية، في ضوء اتفاقه مع لينين الذي كان من أكثر المدافعين عنه في مواجهة تصاعد نفوذ ستالين ورفاقه، لا سيما في ما يتعلق بالموقف من خطته التي وضعها لتشكيل "اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولمزيد من الإيضاح تحدث المراقبون عن الخلاف غير المعلن بين ستالين ولينين تجاه رفض الأول توجهات لينين نحو المسألة القومية، وإصرار الثاني على ضرورة دعم المركزية على حساب القوميات. وذلك ما تجسد فيما كتبه لينين في 3 مارس (آذار) 1923، إلى تروتسكي "أطلب منك أن تأخذ على عاتقك الدفاع عن القضية الجورجية في اللجنة المركزية للحزب" (النزاع الجورجي الأوسيتي في ظل سيطرة الأقلية البيضاء)، بما كان يعني التوافق بين كليهما تجاه المسألة القومية، فيما أعرب تروتسكي عن قلقه تجاه "المسألة القومية" التي "تبدو (فيها) أنياب المركزية الإمبريالية على النحو الذي يثير المخاوف أكثر فأكثر".

الساحة تخلو لستالين

ومن اللافت في هذا الصدد، أن لينين وتحت وطأة اشتداد مرضه وعزلته السياسية، وابتعاده تدريجاً عن صدارة السلطة، بدا في حاجة أكثر إلى مزيد من التقارب مع تروتسكي لمواجهة تصاعد نفوذ ستالين ورفاقه. ومن هنا كان ترشيحه تروتسكي نائباً لمجلس مفوضي الشعب في 11 سبتمبر (أيلول) 1922، وهو ما اعتبره تروتسكي بلا قيمة، رافضاً الترشيح على نحو قاطع.

ولم يمض من الزمن سوى القليل حتى اشتد المرض بلينين وأصيب بجلطة دماغية ثانية، وبعد السكتة الدماغية الثالثة في 10 مارس 1923، ليصبح غير قادر على ممارسة أي نشاط سياسي، ما دفعه إلى ما يشبه التقاعد السياسي الذي سرعان ما أعقبته وفاته في 21 يناير (كانون الثاني) 1924 في ظروف لا يزال الغموض يكتنف كثيراً من جوانبها بما يتضمنه من اتهام ستالين بأنه وراء "وفاته".

وتخلو الساحة لستالين ورفاقه. وعلى وقع تباين جوانب السيرة الذاتية لتروتسكي ذلك الثوري المغامر، بقدر تباين ظروف المرحلة وتباينات توجهاتها الأيديولوجية، كانت توجهات ستالين الغريم والزعيم الجديد تجاه من ظل على خلاف مع سياساته منذ أولى سنوات العمل السري. وكان قرار الانتقام، الذي تدرج حتى بلغ حد طرده من الحزب ونفيه إلى مجاهل كازاخستان على مقربة من الحدود الكازاخية الصينية في عام 1928.

ولم تتوقف حملة الاضطهاد والملاحقة عند شخص تروتسكي بل تجاوزته لتشمل أتباعه وأقاربه بل وأبناءه، ومنهم ابنه سيرجي وابنته زينا. على أن هناك من يقول إن ستالين لم يكن في البداية من أنصار تصفية تروتسكي أو اتخاذ قرار إعدامه، مكتفياً بما صدر في حقه من توجيهات بالملاحقة والمطاردة وسحب الجنسية السوفياتية، ما كان سبباً في انتحار الابنة، في الوقت الذي يقولون فيه إن هذه التوجيهات سرعان ما تصاعدت في أخرى غير معلنة، ومنها قرار تصفية الابن ليف سيدوف (كان اتخذ لقب الأم ناتاليا سيدوفا) في باريس عام 1938، على أيدي مخبرين سريين من ممثلي المخابرات السوفياتية.

أما عن أسباب عدم اتخاذ قرار مماثل لما اتخذه ستالين في وقت لاحق، يقول تروتسكي في مذكراته، إن ستالين لم يكن ليتخذه لأسباب تعود بالدرجة الأولى إلى أن كثيرين من قادة ثورة أكتوبر كانوا لا يزالون على قيد الحياة، وإن كنا نرى أن ذلك سبب واهٍ لا يمكن أن يكون حائلاً دون اتخاذه من جانب شخصية على غرار ستالين بكل ما انتهى إليه من ديكتاتورية ودموية. 

وبغض النظر عن التفسيرات، فقد اتخذ ستالين قراره بطرد تروتسكي من الحزب ونفيه إلى مجاهل كازاخستان في 1928 في محاولة مع رفاقه للتخلص منه مستفيداً من فشله في القيام بمظاهرة حاشدة كبيرة بديلة للاحتفال بالذكرى العاشرة لثورة أكتوبر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1927، لم تلق آنذاك قبولاً جماهيرياً واسع النطاق. غير أن ذلك لم يحل دون مواصلة تروتسكي التواصل مع رفاقه ومناصريه من كبار رموز الحركة الماركسية، ما كان سبباً في اتخاذ قرار طرده إلى خارج الاتحاد السوفياتي في يناير 1929. 

وكان تروتسكي اضطر إلى البحث عن ملاذ في فرنسا بدلاً من تركيا التي كان استقر فيها بعض الوقت. لكنه سرعان ما خرج من فرنسا مطروداً بسبب نشاطه الثوري في عام 1935، ليلجأ إلى النرويج التي سرعان ما ضاقت فيها الصدور بنشاطه الثوري واتصالاته المريبة لتضعه في أول سفينة حملته إلى ما وراء المحيط، إلى المكسيك استجابة لدعوة رئيسها الجديد لازارو كارديناس الذي فاز في الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 1936.

وعلى وقع ما تردد حول اتهام تروتسكي بتدبير عدد من المحاولات لاغتيال ستالين وعدد من قادة الحزب ومنهم كليمنت فوروشيلوف ولازار كاجانوفيتش يقولون، إن ستالين اتخذ قراره بملاحقة تروتسكي وتصفيته، استباقاً لتحركات مناوئة من جانبه كان في سبيله إلى تدبيرها تحت اسم "الأممية الرابعة" التي استهدفت إشعال ما كان يسميه "الثورة العالمية"، وهو ما تحقق لستالين في أغسطس (آب) 1940 في المكسيك التي كان استقر فيها اعتباراً من 1937.

الاغتيال

أما عن كيف حدث ذلك، فتلك قصة تتسم بكثير من التفاصيل المفعمة بشديد الإثارة.

تقول الوثائق التي اجتمع حولها كثيرون، إن تروتسكي عاش في المكسيك حياة عامرة بالتقلبات والتناقضات التي كانت خليطاً بين العمل الثوري والمجون، ومنها ما تعلق بعلاقة محرمة غير مشروعة مع فنانة مكسيكية متزوجة من صديقه. وذلك ما أثار حفيظة زوجته ناتاليا سيدوفا التي لم تكن تعرف الإنجليزية، التي جمعت بين زوجها والفنان!

ومما توفر من الوثائق التي تم تداولها فيما بعد، ما اطلع الباحثون عليه من رسائل ووثائق منها رسالة بعث بها تروتسكي إلى قرينته يحاول فيها التصالح معها، مستخدماً كل العبارات الخادشة للحياء في علاقاتهما الزوجية الحميمية، التي قالت صحيفة "غازيتا رو" الإلكترونية إنها لا تستطيع الاستشهاد بها نظراً لمخالفتها قواعد النشر المعمول بها في روسيا، وهي الرسالة المعروفة تحت اسم "رسالة تروتسكي إلى زوجته في 19 يوليو (تموز) 1937". 

غير أن ما أثار ستالين أكثر، هو ما كان يقوم به تروتسكي من نشاط ثوري، سرعان ما تداولت المصادر تفاصيله تحت اسم "محاولات تروتسكي لإشعال الثورة العالمية تحت اسم "الأممية الرابعة". وذلك ما كان وراء تكليف الزعيم السوفياتي وزير داخليته لافرينتي بيريا التخلص من تروتسكي، بمساعدة قدامى المحاربين من إسبانيا تحت قيادة نائب رئيس المخابرات السوفياتية بافيل سودوبلاتوف.

وتمضي المصادر الروسية في وصف محاولة الاغتيال الأولى التي لم يُكتب لها النجاح في 24 مايو (أيار) 1940، على أيدي مجموعة من المخبرين الذين داهموا مسكن تروتسكي في زي رجال شرطة مكسيكيين بقيادة فنان يدعى خوسيه ديفيد ألفارو سيكيروس من ذوي الميول الستالينية، أمطروا غرفة نومه بوابل من الرصاص لم يصب منها تروتسكي برصاصة واحدة! 

ومن هنا كان التفكير في طريقة أخرى، جرى تكليف رامون مير كادر وهو شيوعي إسباني جُنِّد في عام 1937 للقيام بها. تقول صحيفة "غازيتا. رو" الروسية الإلكترونية مير كادر شارك في الحرب في إسبانيا، بما يعني توفر الخبرة القتالية الكافية لتصفية تروتسكي. وكان مير كادر موضع اهتمام أجهزة المخابرات السوفياتية بفضل والدته كاريداد مير كادر ديل ريو، التي كانت تعمل مع هذه الأجهزة، وقالوا إنها التي رشحته للقيام بهذه المهمة.

ذهب مير كادر إلى باريس حيث نجح في غواية سيلفيا أجيلوف، التي كانت تعمل مع تروتسكي مترجمة وسكرتيرة شخصية له. وتحت اسم فرانك جاكسون رجل الأعمال الكندي سافر مير كادر مع "عشيقته" إلى المكسيك حيث استطاع معها الولوج إلى عالم تروتسكي. وفي العشرين من أغسطس 1940، نفذ جريمته مستخدماً آلة تشبه البلطة تستخدم في روسيا لتكسير الجليد والأخشاب، قبل تكاثر الحراس عليه وتسليمه إلى الشرطة وتقديمه إلى القضاء.

نهاية مأساوية لكل من أطراف هذه اللعبة السياسية سرعان ما غدت تفاصيلها وما أعقبها من تطورات في متناول العامة والخاصة، ومنها ما كان محور اهتمام القيادة السوفياتية بعد وفاة ستالين، إذ قررت مكافأته وبعد خروجه من السجن الذي استمر قرابة عشرين سنة، بمنحه لقب "بطل الاتحاد السوفياتي"، وهو أحد أعلى أوسمة الدولة جزاء تنفيذه تلك المهمة والصمود أمام الأجهزة المكسيكية وعدم الاعتراف بمن وقف وراء تدبير هذه الخطة لتصفية "عدو الثورة والوطن". وتلك قصة أخرى تتعدد تفاصيلها وتتشابك مع كثير غيرها بين ملفات المخابرات السوفياتية.