Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسم الخريف الدولي: كورونا وحرب باردة

النظام العالمي الواقعي بكل أشكاله كان دائماً يدار من خارج الأمم المتحدة  

مبنى الأمم المتحدة في نيويورك (غيتي)

علبة الكبريت الزجاجية على نهر بوتوماك هي عادة مسرح وكواليس. المسرح للخطابة من على أعلى منبر دولي. والكواليس للقاءات الثنائية والمتعددة والصفقات والتطبيقات. لكن موسم الخريف الدولي في نيويورك يبدو هذا العام كأنه خريف العالم.

فلا المسرح مفتوح إلا لخطب عبر الفيديو بلا جمهور في الصالة، ولا الكواليس تعج بالزوار ومتى؟ في عام الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الأمم المتحدة. فلا أحد أقوى من كورونا الذي كشف هشاشة العالم المغطاة بمظاهر القوة والثروة فوق الكثير من الضعف والفقر، ولا شيئ يمنع قادة العالم من اللعب بالنار حتى في تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن "صنع" الفيروس والتخلف والعجز عن محاربته كما يجب، إما خوفاً على الاقتصاد كما في أميركا، وإما خوفاً على النظام وسطوة الحزب الشيوعي كما في الصين.
حين سلّم تريغفي لي الأمانة العامة للأمم المتحدة التي كان أول من تولاها الى داغ همرشولد قال له "هذا أكبر منصب مستحيل على الأرض".

لكن همرشولد الذي علمته التجارب أن الأمين العام هو نوع من "بابا علماني" بحسب تعبير شاشي ثارور أحد مساعدي الأمين العام، قال "إن مهمة الأمم المتحدة ليست ايصال العالم إلى الجنة بل انقاذه من الجحيم".

 وهذه، في أي حال، ظلت مهمة مستحيلة، مع النجاحات في بعض الأمور، ولا سيما عبر المنظمات المختصة التابعة للأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية واليونسكو ومنظمة حقوق الانسان وقوات السلام الدولية. فالرئيس الأميركي ويلسون وصف عصبة الأمم التي ساهم في إنشائها بعد الحرب العالمية الأولى بأنها تعبير عن " نظام عالمي جديد".

 وروزفلت وتشرشل وستالين أوحوا أن منظمة الأمم المتحدة التي صنعوها بعد الحرب العالمية الثانية هي أيضاً تعبير عن " نظام عالمي جديد".

 لكن النظام العالمي الواقعي بكل أشكاله، من الثنائية القطبية إلى الأحادية فالتعددية القطبية ومن ثم اللانظام، كان دائماً يدار من خارج الأمم المتحدة.  
ذلك أن العالم تغير كثيراً خلال 75 سنة، لكن المنظمة الدولية لم تتغير، وإن فرضت التطورات بعض المواثيق الإضافية إلى جانب الميثاق الأساسي. فلا تزال تدار بموازين القوى بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. وهي أسيرة لعبتين: أولاهما الشلل بقوة الفيتو الذي تملكه خمس دول ضمن صدام مضبوط، وهو ما شمل معظم مراحل الحرب الباردة بين أميركا وكل من روسيا والصين. والثانية هي التقاسم المنظم من خارجها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويروي سي. ل سولزبيرغر في كتاب "العالم وريتشارد نيكسون" أن الرئيس الأميركي أخبره أن الزعيم السوفياتي بريجنيف طرح عليه في كامب ديفيد وفي منزله الصيفي في كاليفورنيا "فكرة كودومينيوم سوفياتي ـ أميركي للعالم" وأن تكون العلاقات بينهما كما كانت بين روزفلت وستالين.

لا بل قال له عام 1973 بعد زيارة نيكسون للصين "أن الصينيين محبون للدماء وعلينا كأوروبيين أن نتحد للسيطرة عليهم لأنهم سيصبحون في المستقبل قوى عظمى".
في الإحتفال بالذكرى الخمسين اقترح 24 رئيس دولة وحكومة سابقاً أن يضاف إلى "اعلان حقوق الإنسان"  شيئ يكمله هو "اعلان واجبات الانسان". لكن ذلك لم يحصل ولا حدث تغيير في تركيبة مجلس الأمن بالرغم من الدعوات إلى توسيع العضوية وضبط مسألة استخدام الفيتو.

أما "الديبلوماسية الوقائية" فإنها تتوقف على مصالح الكبار. وهذا ما قاله منذ زمن همرشولد لجمال عبد الناصر: "وجود الأمم المتحدة يتوقف على الكبار، لكن نجاحها يتوقف على الدول الصغيرة". وأكبر "زبون"  للأمم المتحدة بين الصغار هو دول الشرق الأوسط وقضاياه التي سبق بعضها ولادة المنظمة الدولية ولا يزال بلا حل.

وأكثر الدعوات إلى إضعاف الأمم المتحدة وحتى الخروج منها تصدر في بلدان الكبار وخصوصاً في أميركا حيث يرى اليمين الذي يمثله ترمب أن العضوية عبء على واشنطن. لا بل أن جون بولتون الذي كان مندوب أميركا في المنظمة أيام بوش الابن قال إنه "لو اختفت طبقتان من مبنى الأمم المتحدة لما خسر العالم شيئاً".
وكالعادة هذا العام، فإن تبادل الهجوم تركز بين ثلاثة من الكبار: أميركا والصين وروسيا، لكن القوى الإقليمية وبينها تركيا وإيران وجدت فرصة لدبلوماسية "الدفاع والهجوم". ترمب مندفع في حرب باردة مع الصين، وشي جينبييغ يقول إنه "لا نية لدى الصين في خوض حرب باردة". والأمين العام غوتيرش يدعو إلى "وقف نار دولي"، و193 دولة هي أعضاء المنظمة لا تعرف ماذا تفعل، لا حيال الصراعات وتحديات الفقر والأزمات، ولا حيال كورونا.

المزيد من تحلیل