Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل انتهى عهد الوصاية السورية على لبنان؟

انسحب جيش الأسد قبل 15 عاماً وحل حلفاؤه مكانه

ما زالت ذكرى حواجز الجيش السوري حاضرة في لبنان (رويترز)

في العاشر من يوليو (تموز) 2000 حصل الوريث بشار الأسد على منصب الرئاسة السورية بعد موت أبيه. كثر يعتقدون أنه فشل في إدارة الورثة التي تركها له حافظ الأسد، خصوصاً في الشأن اللبناني، في حين نجح الأب في الإمساك بهذا الملف طيلة 25 سنة، وسيطر الجيش السوري على مفاصل كثيرة من الحياة السياسية اللبنانية. كيف نظر اللبنانيون الى هذه السيطرة؟

كانت مراكز الجيش السوري توحي بأن وجود هذا الجيش مؤقت في لبنان، أو يمكن القول إنها كانت توحي بأن هذا الجيش بجنوده وعتادهم وآلياتهم على أهبة الاستعداد للعودة إلى سوريا. كل ما في تلك المراكز كان مبنياً على عجل كي يرتاح فيه الجنود لأيام.

المقرات التي ينام فيها الجنود ويركنون أمامها شاحناتهم الروسية القديمة والمدهونة بطلاء المنازل ولوحاتها مكتوبة بخط اليد والتي تحمل شعارات تعلن وفاء الجيش والجنود أفراداً وفيالق للقائد الأسد، الأب ومن بعده الابن. الحاجز التابع للمقر ويقف فيه جنديان كلٌّ من جهة، مؤلف من غرفة صغيرة مرسوم على جدرانها العلم البعثي، أو مرسوم عليها صورة الرئيس حافظ الأسد وابنيه باسل وبشار وثلاثتهم يضعون النظارات الشمسية، ومكتوب تحت صورهم شعار: "إلى الأبد، سوريا الأسد". شبابيك المقار المقفلة بالنايلون أو بالخشب والكرتون، وأبوابها مركّبة على عجل من دون أن تكون بالقياس المحدد. سحنة الجنود التي تبديهم متبرمين دوماً، ومتعجّلين من أجل القيام بأمر ما. نحول أجسامهم الظاهر من اتساع ملابسهم وبروز عظام الوجنتين، السجائر التي في أيديهم يمجونها مجاً متعجلاً، حتى يشعلوا غيرها حين تقترب من فلترها. البنادق القديمة المحمولة فوق الأكتاف أو المركونة في زوايا الحاجز العسكري. الخوّة التي يتقاضاها عناصر الحاجز من الشاحنات المحمّلة بالبضائع مقابل عدم تفتيشها، السرية والسرعة في تقديم هذه الخوة من قبل سائقي الشاحنات، وتلقفها السريع والسري من قبل عناصر الحاجز بلباسهم المدني. اعتياد اللبنانيين ركاب السيارات على وجود الحاجز وتمهلهم أمامه من أجل إلقاء التحية على الجندي الذي يتأمل الركاب واحداً تلو الآخر. كل تلك المظاهر كانت تشي بأن وجود الجيش السوري في لبنان مؤقت.

لكن هذا لا يعني أن اللبنانيين كانوا يتوقّعون انسحاب الجيش السوري من لبنان بين فينة وأخرى. في السياسة كان واضحاً أن الجيش السوري باق في لبنان إلى ما شاء الله. وكانت "الإدارة السورية" تركز وجودها بواسطة حلفائها الذين تسلطوا على اللبنانين ردحاً من الزمن. وإذا ما صدر القرار الدولي الرقم 1559، ثم وقعت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، وانتفض اللبنانيون، وخرج الجيش السوري من لبنان، فإن مفاعيل هذا الخروج لم تغير شيئاً في أوضاع البلاد، بل زادتها سوءاً. وهذا بفضل حلفاء النظام السوري الذين، في السياسة، يحلّون محل العسكر والمخابرات ويؤدون الدور الذي كان يؤديه الوجود العسكري المباشر.

من مظاهر التسلط السوري في لبنان

كان التسلط السوري على لبنان يبرز أكثر ما يبرز في سحنات معظم السياسيين اللبنانيين في ذلك الزمن، على اختلاف درجاتهم وتزعمهم وقوتهم بين جمهورهم. كان هؤلاء في زمن الوصاية السورية المتمادية والمتطاولة يظهرون أنواعاً عديدة من الخضوع. فمنهم على سبيل المثال من كان يشارك في كل احتفال يقام في مناسبة "بعثية"، سواء كان ذلك من أجل تأبين الرئيس حافظ الأسد أو ابنه باسل في ذكراهما السنوية، أو في ذكرى "الحركة التصحيحية"، أو في ذكرى حرب تشرين. كان السياسيون اللبنانيون يشاركون في هذه الاحتفالات جميعها وعلى اختلاف أنواعها، سواء كانت محلية في بلدة ما أو مركزية. البعض الآخر من السياسيين لم يكن يكف عن مديح النظام السوري في مقابلة تلفزيونية أو صحافية. وكان هذا النوع من المادحين يملك رزمة من الشعارات والمداخلات الجاهزة والتي يكررونها دوماً، وجميعها تصب في إطار الأخوّة ومصلحة لبنان من الوجود السوري فيه، ووحدة المسار والمصير، والعروبة والمعركة الأبدية مع إسرائيل، وغيرها من الشعارات. وكان هؤلاء السياسيون حين يلقون ما في حوزتهم من آراء حول العلاقة اللبنانية السورية، يتصنعون صورة من الخشوع والرهبة مما يتكلمون عنه. وجميعهم كانوا يتلقون تعليماتهم من رئيس جهاز الأمن والاستطلاع القابع في بلدة عنجر، وكان مرة غازي كنعان ثم حلّ مكانه رستم غزالي.

انسحب الجيش السوري من لبنان، فبقي بعض هؤلاء السياسيين يقوم بدوره كما لو أن شيئاً لم يحصل في 14 فبراير (شباط) 2005.

الامتداد السوري في لبنان عبر الحلفاء أو التابعين ما زال مؤثراً وفاعلاً، فوقعت الاغتيالات المتكررة والتفجيرات المتنقلة من منطقة إلى أخرى. وتم تعطيل عمل المؤسسات، وأقال وزراء محور "الممانعة" أنفسهم في محاولة لمنع إقرار مشروع المحكمة الدولية في قضية اغتيال الحريري في العام 2005.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انسحب الجيش السوري من لبنان وصار الرئيس بشار الأسد، وارث مركز أبيه ومفاعيل حكمه المديد، أكثر إطلالاً على شاشات التلفزيون ملقياً خطباً في مناسبة ومن دونها، في الجامعات وفي مجلس النواب. وراح في خطبه تلك يؤكد أن لبنان لا يمكن أن يحيا من دون سوريا، وأن انسحاب الجيش السوري سيكون مرّاً على لبنان وسيضطر اللبنانيون من بعد إلى الطلب مرة أخرى من السلطات السورية إدخال جيشها إلى لبنان لتهدئة الأوضاع فيه.

وكان حلفاء النظام السوري وصنائعه يدعمون مقولات رأس ذاك النظام من دون حرج أو مراعاة لآلام لبنانيين كثيرين أسقط عليهم هذا النظام دعاواه "العروبية" بالقوة والقمع والقتل والاغتيال والتهميش واستتباع البلاد وإعادة وصل ما قطعه استقلالها الأول عام 1943 (جعلها مقاطعة في القطر العربي السوري). وكانت تظاهرة 8 آذار 2005 التي نظّمها هؤلاء الحلفاء بادرة أولى على طريق الانقسام الداخلي الذي أراده الرئيس السوري للبنان، وكذلك مكافأة الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله هذا النظام ببندقية غنمها مقاتلوه من جنود إسرائيليين في إحدى العمليات، بشخص "المفوض السامي" السوري السابق رستم غزالي.

سيطرة الحلفاء أو "البطانة"

اعتقد بعض اللبنانيين أن انسحاب الجيش السوري وأجهزة مخابراته من لبنان سيؤدي إلى إعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس من شعارات "السيادة والاستقلال والحرية" التي رددتها "ثورة 2005". وكان مرد هذا الاعتقاد إلى أن إزالة سبب قوة النظام السوري من الأراضي اللبنانية سيؤدي إلى إنهاء سيطرة هذا النظام على مفاصل المؤسسات السياسية اللبنانية وكف يده عن التقرير في تفاصيل السياسة اللبنانية. ولكن المتابع كان ليعرف أن إنهاء الدور السوري في لبنان لا يكون بانسحاب الجيش والمخابرات السورية منه. وهذا ما أكدته الأحداث التي تلت الانسحاب.

فالنظام السوري عبر تحكمه المديد بالسياسة اللبنانية وأطرها وأسسها ومؤسساتها الدستورية، استطاع أن يترك في لبنان من يحلّ محله في السياسة والعسكر. ففي قراءة هذه المظاهر من أسفل الهرم حتى أعلاه، فإن النظام السوري تمكن من إيلاء الإدارات إلى بطانة من محازبيه أو حلفائه اللبنانيين. وكتب الباحث اللبناني وضاح شرارة في مقالته (ثلاثة عقود من السيطرة السورية على لبنان... هل ذهبت إلى غير رجعة؟ "الحياة" 20-9-2005)، واصفاً هذه الحال: أرست الإدارة السورية (أو حاولت إرساء) الطاقم الجديد على قاعدة اجتماعية ومصالح ملموسة، فوضعت الإدارات اللبنانية، والمرافق والموارد، في خدمة الطاقم والبطانة والوسطاء والوكلاء والمروّجين، على المستويات كلها، وفي المجالات وأوجه الحياة جميعها فلا يستثنى مجال أو وجه من الخدمة ورابطتها. ورمت من وراء هذا إلى تثبيت ولاء الأعناق على الأرزاق فـ"المادية التاريخية أو المادية التافهة هي من مصادر البعث الفكرية" وعلى الضرورة. فأباحت الفسادَيْن، الكبير والصغير، للزعماء والوسطاء والمقاولين، أو أهل القوة، وللمتعيّشين والمتكسّبين وأهل الفاتورة، أو أهل الضعف، على حد واحد. فسلكت شطراً عريضاً من اللبنانيين في سلسلة طويلة أحكمت شد وثاقها حول الجسم اللبناني، وأمسكت الإدارة والإرادة السوريتان بعقدتها. وورّطت في سلسلتها هذه عدداً عظيماً من الكبراء والعامة.

معاهدة "الأخوة والتعاون" وعشرات الاتفاقات بقيت، ولو من دون تنفيذ. المجلس الأعلى (اللبناني– السوري) لم يُلغَ. والوصاية السورية صارت وصاية بالوكالة "عبر حزب الله ومحور الممانعة" بقيادة إيران، ثم وصاية بالأصالة. فاليد العليا في لبنان اليوم هي لـ"حزب الله" الذي يمسك ليس بقرار الحرب والسلم فحسب، بل بالقرار السياسي الداخلي والسياسة الخارجية أيضاً، ويستخدم "الفيتو" في المسائل المالية والاقتصادية، ويمارس "خصخصة" الدفاع عن البلد ويرفض خصخصة المرافق العامة التي تسهم في إخراج لبنان من أسوأ أزمة نقدية ومالية واقتصادية. لا بل ذهب إلى سوريا ليقاتل إلى جانب النظام في حرب بدأت كانتفاضة شعبية تطالب بالانفتاح الديمقراطي.

وتعيش سوريا اليوم وضعاً أخطر من وضع لبنان. فهي في حرب دخلت سنتها العاشرة من دون نهاية تلوح في الأفق. تتوزّع أرضها، خمسة جيوش، روسية وأميركية وإيرانية وتركية ودولية، في ما بينها. إضافة إلى كل أنواع التنظيمات الإرهابية. ثمانون في المئة من السوريين تحت خط الفقر، وفق إحصاءات الأمم المتحدة، نصف الشعب بين نازح في الداخل ولاجئ إلى الخارج. والبطالة في حدود 60 في المئة. لكن سوريا، حتى في وضعها الحالي، لا تزال تؤثر في لبنان. ويظهر ذلك في مواقف أنصارها. والمفارقة أن الأسد قال أخيراً بعد التظاهرات الشعبية التي عمّت لبنان إن "لبنان يؤثر في سوريا أكثر من أي بلد آخر، لأنه جارنا المباشر".

المزيد من تحلیل