Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشرق الأوسط تحت مجهر العنصرية فيه

الإهانة والسخرية والاقصاء الاجتماعي "تحطمت" تحت تأثير حركة "حياة السود مهمة"

يتعرض خطاب العنصرية اليومية لخضة نقدية تحت تأثير حركة "حياة السود مهمة" (يوتيوب)

يتكلّم رجل الدين ذو البشرة السوداء بلسان فارسي فصيح. ويشدّد الشيخ علي مويجا على إنه "يجب ألا تقول تلك الكلمات أبداً لشخص أسود البشرة".

وينطلق رجل الدين الكينيّ الأصل والإيراني النشأة في تعداد الكلمات المهينة والعنصرية و"النكات الشائعة" التي يستخدمها الإيرانيون بقصد الإشارة إلى الأشخاص السود، ضمن فيديو مدّته دقيقتين نشره على حسابه في "إنستاغرام".  

ويتابع في خطابه الذي انتشر بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية، "في الوقت الحالي، أثارت الحوادث التي جرت في أميركا أسئلة حول العنصرية بالنسبة إلى كثيرين من الناس". 

على امتداد الشرق الأوسط، تحوّل شعور الصدمة والغضب إزاء معاملة الأميركيين الأفارقة، إثر اختناق جورج فلويد (46 عاماً) على يد شرطة "مينيابولس"، إلى نقاش أوسع حول التعصّب العَرَضي والعنصرية المؤسساتية في المنطقة.

وتذكيراً، فقد سُجّل مقتل السيد فلويد على شريط فيديو، وأثار نقاشاً عالمياً حول استمرار العنصرية في الولايات المتحدة وباقي أرجاء العالم. ووجد عديد المتحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ويقطنون الشرق الأوسط، صدى لمعاناتهم في مأساة فلويد وغيره من الأميركيين السود. وبدأوا بإعلاء صوتهم والتحدث عن العنصرية التي تعرّضوا لها على يد أصحاب البشرة الأقل سُمْرَة من العرب والفرس والأتراك.

وفي التفاصيل أن صفوف ذوي البشرة السوداء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تضم أحفاد من كانوا رقيقاً، ويتركّز وجودهم في المجتمعات الساحلية في إيران وتركيا، إضافة إلى مهاجرين جدد وجماعات عرقية كقبائل الـ"تبّو" في ليبيا أو أهل النوبة في مصر الذين يصدف أنّ بشرتهم داكنة.

يصف بيتر تشول، طالب الهندسة من جنوب السودان الذي يتابع دراسته في مصر، التعيير شبه اليومي الذي يتعرّض له في شوارع القاهرة، عاصمة بلدٍ يضمّ إلى الجنوب سكّاناً بشرتهم داكنة. وبحسب تصريح أدلى به إلى "اندبندنت"، "دائماً ما تُوجّه تعليقات ساخرة مهينة إلى الأشخاص ذوي البشرة الداكنة، خصوصاً حين تتنقّل في دواخل أمكنة لم يرَ فيها الناس قبلاً شخصاً أفريقياً".   

وكذلك يستذكر إنه كلّما خرج من حدود الحرم الجامعي المتعدّد الجنسيات، يخشى من التعرّض لكلام مهين مثل "أونغا بونغا" أو سَمارَة، بمعنى أسود. "في وسطهم عنصريون. بقوّة. بقوّة"، وفق كلمات رجل الدين الشيعي المستقرّ في المملكة المتحدة الشيخ الجنوب أفريقي نور محمد، خلال مقابلة تلفزيونية أخيراً وصف فيها تعامل رجال الدين الإيرانيين والباكستانيين معه، مشيراً إلى إنهم "ينظرون إلى لون بشرتك ويصيحون".

وبصورة عامة، غالباً ما تعاني مجتمعات أصحاب الأصول الأفريقية في الشرق الأوسط من الفقر بشكل أكبر بالمقارنة مع نظيراتها البيضاء، بينما تكون قدرتها على الوصول إلى الفرص الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية أقلّ. وغالباً، يعيش هؤلاء الأشخاص على هامش المجتمعات، في بلدات ريفية منسيّة أو ضواحي المدن المتردية، وفقاً لخبراء. وعموماً، يستمر المجتمع في حظر الزواج بين أشخاص من لون بشرة مختلف أو أصول عرقية مختلفة.   

في سياق متصل، غالباً ما يغيب الأشخاص السود عن الأفلام والمسلسلات التلفزيونية العربية والفارسية. وإذا ظهروا فيها، تُسند إليهم أدوار نمطية أو وضيعة كدور الخدم أو مسؤولي الترفيه. وخلال احتفالات رأس السنة الفارسية في إيران، يتنكّر الشبّان ويطلون وجوههم باللون الأسود لتجسيد شخصية الحاجي فيروز، التي تشبه التنكّر المهين في هيئة شخصيات المنشدين القدامى في الغرب. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي تركيا، باستثناء بعض الرياضيين والمغنّين، يُعتبر المجتمع الأفريقي- التركي الذي يضم عشرات الآلاف من الأشخاص، غير مرئي بدرجة كبيرة. وفي ذلك الصدد، يشير صقر دوغولويف (65 عاماً) الذي يترأّس "الجمعية الأفريقية التركية" Afro-Turk Association ويقطن في مدينة "إزمير" التركية حيث يتجمّع أحفاد من استعبدوا إبّان حقبة الحكم العثماني، إلى وجود "كثيرٍ من الأُخوّة التي تربط بين الأفارقة الأتراك وغيرهم من الأتراك. لكننا نتعرض للتمييز بسبب لون بشرتنا. ويرجع السبب في ذلك إلى عدم انتشار الأفارقة الأتراك في أنحاء تركيا كلها، ومن لا يعرف بوجودنا هنا يصاب بالدهشة. إنهم ينظرون إلينا ويضحكون. يشيرون إلينا بأصابعهم ويضحكون".

في الأسبوع الماضي، رداً على الغضب العالمي من مقتل فلويد وانتشار الحركة التي انضوت بشكل عام تحت شعار "حياة السود مهمة"، أطلقت الأمم المتحدة لجنة متخصصة من أجل التدقيق في العنصرية المستمرة في الولايات المتحدة وغيرها من المناطق. 

في المقابل، شرع عديدون من الأشخاص ذوي البشرة الداكنة في التكلم بأنفسهم، ونشر فيديوهات على الإنترنت يصفون فيها الأذى والأسى الذي تتسبب به الكلمات العنصرية وسخرية زملائهم ومواطنيهم منهم.

ويشرح ليبيّ داكن البشرة في فيديو نشرته مجموعة "ليبيا" في المملكة المتحدة، مشيراً إلى كلمة عبد، "عندما أقول لهم ألا يلفظوها، يتقصّدون قولها. خصوصاً، عندما تكون طفلاً، عقلك لا يستوعب [ذلك الأمر]".

في تطوّر متصل، نشرت الممثلة المسرحية الفلسطينية مريم أبو خالد، ذات البشرة الداكنة، فيديو تصف فيه العنصرية اليومية المهينة التي يتعرض لها السود في العالم العربي.

ووفق كلماتها، "أظنّ الوقت حان كي أردّ على الأشخاص الذين يقولون "يا مريم، أنت تقارنين العنصرية في أميركا بالعنصرية التي تحدث في البلدان العربية. لكن الوضع ليس بهذا السوء هنا. على الأقل نحن لا نقتل. وكل كلمة تصدر عنّا عفوية. وحسنة النية". لكن، هل تعلمون أنّ نيّتكم الحسنة تلك دمّرت مشاعر ذلك الشخص، وحطّمت ثقته بنفسه؟"

 وأضافت، "اعتادت فلانة أن تنتهر ابنتها قائلة "عودي إلى المنزل ويكفيكِ اللهو تحت الشمس، كي لا تحترقي مثل مريم"، وفلانٌ سأله ابنه "أبي لماذا يبدو أولئك الناس هكذا"؟ ويأتي ردّ الأب "لقد نسيَهم أهلهم داخل الفرن يا إبني"، ببساطة". 

قبل بضع سنوات، سمعت بيتا بقولي زادة Beeta Baghoolizadeh تعليقاً غريباً من سائقها، أثناء وجودها في مدينة "بوشهر" الإيرانية الجنوبية. إذ أخبر الباحثة لدى دخولهما منطقة أغلب سكّانها من الأفارقة الإيرانيين في تلك المدينة الواقعة على الخليج، "ندخل الآن إلى ولاية أركنساس. والحيّ الذي أقطن فيه هو كاليفورنيا".

بالنسبة إلى بقولي زادة، الأستاذة في "جامعة باكنيل" في بنسلفانيا Pennsylvania’s Bucknell University التي تعمل حالياً على وضع  كتاب حول العِرْقْ في إيران، بيّن التعليق كيف يُنظر إلى الجماعات الأفريقية الأصل في تلك البلاد من خلال عدسة التنميط الهوليودي. كما أظهر الجهل وعدم احتساب التجربة المؤلمة لإيران نفسها مع العبودية.

 

وتذكيراً، يعلم مليارات الأشخاص حول العالم عن التجربة المؤلمة للولايات المتحدة في محاولتها التصالح مع إرث العبودية، تلك المنظومة التي قضت عليها الحرب في 1865. في المقابل، تدرك قلّة من الإيرانيين أنّ العبودية ظلّت قانونية في بلادهم حتّى 1929. وكذلك لم تُنهِ تركيا العبودية رسمياً قبل العام 1933. بينما اتّهم تجّار البشر الليبيون ببيع المهاجرين الضعفاء القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كرقيق في أماكن سرية .

لم يأتِ العبيد في الشرق الأوسط من أفريقيا حصرياً، بل ضمت صفوفهم أشخاصاً بلون بشرة أقل سُمرة، وحتّى أوروبيين. وفي إحدى مقابلاتها، تورد بقولي زاده إنه "كان من بينهم أشخاص من العرق القوقازي [يشمل ذلك أوروبا القارية ومناطق جنوب روسيا] وآسيا الوسطى وشرق أفريقيا بالطبع". ومع كرّ السنوات والعقود، أصبحت وصمة العبودية شبه محصورة بالأشخاص ذوي الأصول الأفريقية.

ومع أنّه من الأرجح أن بعض الإيرانيين الذين ولدوا عبيداً ما زالوا موجودين إلى اليوم، فقد مُحيت كافة آثار تلك المنظومة. ليس في الشرق الأوسط أي نصب تذكاري لتجارة الرقيق، بل حتى ليس من بحث أكاديمي في هذه المنظومة. وكذلك دُمّرت مساكن العبيد الخاصة في القصور.

وفي ذلك الصدد، يعتبر الزعماء الإيرانيون العبوديّة مصدر حرج. عندما أُعتق العبيد، سُلّموا بطاقات هوية كالإيرانيين العاديين وأُخبِروا أيضاً أن يستكملوا عيشهم. وقد فُقدت السجلات التي توثق الاستعباد. وفيما يدرس الإيرانيون عن العبودية في أميركا أثناء دراستهم الثانوية، فإنهم لا يتلقون تعلمياً كثيراً عن تجربة بلدهم في هذا الصدد.

وتعلق بقولي زاده على ذلك بالإشارة إلى وجود "عملية محو عميقة للغاية، وتسير في الاتجاهين. حمل الموضوع وصمة عار كبيرة لا يرغب أحد في أن تُلصق به، ولأنّ لا أحد يريد أن تُلصق به، لا يتكلم أحد عن الموضوع، من الجانبين كليهما".

في معظم مناطق الشرق الأوسط، تغيب عن كتب التاريخ روايات الأفارقة الذين جرى الإتجار بهم كرقيق في شرق أفريقيا. ويشعر كثيرون من الإيرانيين أو الأتراك من أصحاب البشرة الاقل سُمرة، بصدمة حين يقابلون شخصاً داكن البشرة بملامح أفريقية يتكلم بطلاقة الفارسية أو التركية. 

وفي ذلك الصدد، يذكر دوغولويف "في البدء يقولون شيئاً بالإنجليزية أو العربية ثم عندما تتكلم معهم بالتركية، ويعتقدون أنك مهاجر حديث. وأقول لهم إننا أتراك أكثر منكم. نحن هنا منذ مئات السنين". وعندما جُنّد في القوات المسلّحة في سبعينيات القرن الماضي، صُدم الكثير من المجنّدين الباقين عندما رأوه وسطهم.

ويتذكّر، "أقبلوا عليّ يسألونني لماذا أنا أسود اللون. وأجبتهم بأنّ الجو كان حارّاً جداً وغفوت في الشمس. جاريتهم. واستخدمت هذه الطريقة لتنفيس الوضع، ثم كنت أقول لهم، هل وصل بكم الجهل إلى هذا الحدّ؟ وعندها كانوا يشعرون بالسوء. وبعضهم يعتذر. لم يعلموا قبلاً بوجود الأفارقة الأتراك". واستطراداً، تملك الجماعات الإيرانية ذات الأصول الأفريقية مطبخاً خاصاً بها وتراثاً موسيقياً له شهرة عالمية. 

في المقابل، على سواحل بحر "إيجه" التركية، يشدد المتحدرون من تجارة الرق الأفريقية، إلى إنهم فقدوا الكثير من تاريخهم. وبفضل اطّلاعه على بعض الوثائق في الأرشيف العثماني، استطاع دوغولويف أن يكتشف أنه سليل أرقاء أُحضروا إلى هذا المكان في 1840 من المنطقة التي أصبح اسمها اليوم السودان. ويشكل ذلك كل ما يعرفه تقريباً.

ويضيف بحزن، "ضاعت ثقافتنا. لقد أسّسنا هذه الجمعية كي نكتشف مزيداً من الأشياء عنها، لكننا تأخرنا كثيراً. توفّي معظم كبار السنّ. ولم يتبقّ شيء من ثقافتنا".

© The Independent