Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الساحة الحزبية في السودان هجين أيديولوجي ومؤسسي

يمرُّ المشهد السياسي السوداني الحالي بتطور مرحلي بدأ منذ قيام الثورة

تشهد الساحة الحزبية في السودان كثيراً من التنقلات بين المحازبين (حسن حامد)

رسَّخ نظام الحكم السابق في السودان ظاهرة السياحة الحزبية بانتقال السياسيين من حزبٍ إلى آخر، ولم تسلم كتل القوى السياسية من الانتقال هي الأخرى والاندماج في بعضها بعضاً من جانب، وائتلافها مع الحزب الحاكم من جانبٍ آخر بغرض الحصول على المكاسب واقتسام السلطة. وظهرت بشكلٍ أكبر في تسلُّق عدد من أعضاء الأحزاب وانضمامهم لأحزابٍ أخرى من اليسار، واليسار المتطرف إلى اليمين والعكس صحيح حتى صار أغلب الأحزاب هجيناً أيديولوجياً ذابت فكرته المؤسسية بين الانتماءات، وفقد برامجه الواضحة.

وانتقلت هذه الظاهرة بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 وظلت ملازمة للفترة الانتقالية لعدة عوامل منها عدم مؤسسية الأحزاب، وتخييم حالة البداوة السياسية على الأحزاب مما حرمها من المواكبة والتجديد في الفكر والقيادة، وعدم التزامها البرامج الانتخابية، مما يهدِّد عملية التحول الديمقراطي في السودان.

زعامة مُتنازعة

خلقت حكومة الإنقاذ ترهلاً حزبيّاً بدأ في التشكُّل منذ عام 2007، وهو تاريخ بدء مجلس شؤون الأحزاب دورته الخماسية التي انتهت عام 2012. وفتحت الباب لتكوين الأحزاب باسم الاستعداد للتحول الديمقراطي، والانتخابات الشكلية، التي أجريت عام 2010 وفاز فيها الرئيس السابق عمر البشير بأغلبية ساحقة انتشرت فيديوهات تزييفها قبل إعلان النتيجة.

وعلى الرغم من وصول عدد الأحزاب إلى 100، إلَّا أنَّ القاعدة السياسية ظلت تشغلها الأحزاب العريقة التي تعرضَّت لتصدعاتٍ في عهد الحكومة السابقة. من القوى السياسية التاريخية، هناك الأحزاب الطائفية مثل حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي المعتمد على تكوين "هيئة شؤون الأنصار" التي تتولى الجانب العقائدي والاجتماعي. والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني، المستند إلى الطريقة "الختمية" الصوفية، الذي انتهج الوحدة مع مصر على عكس حزب الأمة. ينتهج الحزبان تقديس الأشخاص وتفعيل الاصطفاف على أساسٍ يرتبط بالثقافة والهوية وتوظيف صورة زعيم الحزب الرمزية عبر إثارة مشاعر تاريخية كآلية من آليات توحيد الحزب وتقويته. ولأنَّ الزعامة هنا مُتنازعة بين الزعامة الحزبية والزعامة الشخصية، فقد خلقت نوعاً من الديكتاتورية أدت إلى انشقاقات عديدة في صفوف الحزبين العريقين.

 هناك أيضاً الحزب الشيوعي السوداني، الذي لا يزال يتمسك بمواقفه الدون كيشوتية، فقد أظهرته الثورة في مظهر الحزب غير المواكب، فيلمع نجمه عندما تغيب بقية الأحزاب ويختفي عندما تكون هناك فرصة للظهور. انتهت جاذبية الحزب الشيوعي السوداني منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، وكحال كل الأحزاب الأيديولوجية التي ترتبط بأفكار كونية، أوإقليمية المنشأ والأصل، يكون مصيرها مرتبطاً بمصير ومصدر الفكرة الأم. وقد ترسّخت صورة الحزب الشيوعي السوداني في أذهان الناس بشكله التنظيمي الاستخباري الذي يعتمد على الاستقطاب للمنتمين للحزب من دون الاهتمام بجانب التنظيم السياسي، ومن دون الاهتمام بنوع العناصر وتأثيرها الاجتماعي. وهذا الشكل أحدث انشقاقات مستمرة في الحزب منذ تأسيسه بفعل بعض الوجوه التي رأت فيه فرصة لتحقيق طموحاتها الشخصية.

أما حزب المؤتمر الشعبي، الذي يرتبط اسمه بزعيمه السابق حسن الترابي، فعندما اقترب من الاندماج مرةً أخرى في النظام السابق، باعتماد معاونين، ومساعدين للرئيس السابق داخل القصر الجمهوري، قامت الثورة، ورجع الحزب مرةً أخرى إلى دكة المعارضة مدعيّاً أنَّه شارك في الثورة، وقام بخلخلة النظام من الداخل. ومثلما شكلت فترة الديمقراطية الثالثة (1986-1989) أرضية خصبة لتقوية الحزب حتى استيلائه على الحكم عن طريق العسكر، ينشط الإسلاميون الآن في دكة المعارضة، لإعادة السيناريو استناداً إلى الذاكرة السياسية التي تحتفظ بالكليات من دون التفاصيل. ولكن هذا النشاط يفتقر إلى قوة كان محورها حسن الترابي، فبعد وفاته ضعفت مكانة المؤتمر الشعبي وتبدّدت قياداته، ومن المتوقع أن يندمج مرةً أخرى مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم السابق.

بداوة سياسية

يتسم التكوين الحزبي السوداني بالروح القبلية والجهوية والولاءات المختلفة، مع شيوع التنقُّل بينها. ومع خضوع الحزب لرئيس واحد لأكثر من نصف قرن، مثلما في نموذجي حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، فقد أسَّست هذه الصفات مع غيرها لما يُعرف بالبداوة السياسية. واستطاعت الأحزاب السودانية المختلفة التعايش مع فترات حكم النُظم العسكرية التي تخللتها تجارب ديمقراطية قليلة، ذلك أنَّ تكوينها الداخلي لا يخضع  لانتخابات وإنَّما لسلطوية تُعلي من مكانة زعيم الحزب وترفض تغييره، مما أنتج أحزاباً هشَّة لم تستطع التغيير ومواجهة الاستبداد العسكري، إلى قيام كل الثورات بانتفاضة شعبية من دون غطاءٍ حزبي. هذا الوضع هو نتاج للصراع بين سلطة الدولة، وثقافة القبيلة أو الجهة ذات الولاء، فبدلاً من أن تعيش الأحزاب تحت جناح الدولة، تسيطر زعامة الحزب المحكومة بالولاء القبلي أو التوجه الطائفي على شكل القوى السياسية المكونة للدولة. وذلك وفق متغيرات يشهدها السودان، أهمّها حالة انكسار برزت في معادلة تغول الدولة على المجتمع، التي ابتدأت منذ انقلاب الإنقاذ 1989. حينها كانت الأحزاب السودانية حتى في مهجرها ترفع صوتها مقابل ضعف المواطنين. وطوال 30 عاماً، فإنَّ المواطنين لم يشعروا أنّ هذه الأحزاب تمثلهم بعدما كفت قياداتها التي تنتمي لأطياف سياسية مختلفة عن التحدث باسمهم، وحصرت كل تفكيرها في اقتسام السلطة مع الحزب الحاكم.

 حتى الآن لا نجد نقداً ظاهراً لنموذج الأحزاب العقائدية والطائفية التي تلتف حول مسلمَّات تاريخية، أسهمت في ترسيخها كراهية نظام الإنقاذ، فظهرت أحزاب عرقية وجاهوية ودينية وطائفية وتكفيرية، مما يهيء السودان للعودة إلى موجة بدوية سياسية أخرى تحت غطاءٍ ديمقراطي. وبذا تكون النخب قد عجزت عن إنشاء مشاريعها التنظيمية الكبيرة المتسمة بالمرونة القادرة على القيام بوظيفتها الأساسية التي تسمح لها بالتواصل والاستمرار والريادة.

جمود المؤسسية

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في إطار السعي إلى تحويل الممارسة السياسية إلى خيار قوي ومنافس يقوم على مؤسسية رصينة، لا بد من النظر إلى حالة الكيانات السياسية، فأغلبها تكلَّس عند شكل التكوين الأول. كما مرَّ بعضها بمراحل تطور طبيعية منذ بذر الفكرة الأولى التي تقوم بتبنيها مجموعة معينة، ولكن بدلاً من تأسيسها بهدف دعم التعددية السياسية وتطويرها وترسيخ مبدأ الشفافية والديمقراطية، عملت على جذب واستقطاب المؤيدين والموالين لها. وبعد حصولها على الشرعية المطلوبة سعت إلى ممارسة العمل السياسي وفقاً للمبادئ المنصوص عليها، وما جاء في صحيفة التأسيس الأولى، الذي  يجب أن يتوافق بالضرورة مع تطلعات المواطنين للحرية والديمقراطية، إلَّا أنَّ حمولة عدم المؤسسية قادتها إلى إكمال دورتها الطبيعية ثم رجوعها إلى نقطة البداية.

عملت عوامل أخرى على اهتزاز مؤسسية الأحزاب كاستشراء الفساد في النظام السابق وانقسامات انتمائها تارةً للمعارضة وتارةً أخرى للائتلاف الحكومي. وبعد الثورة نبعت الحاجة إلى الحوار الجاد، فإذا كانت الحكومة السابقة قد درجت على توجيه الدعوة إلى الأحزاب المعارضة للمشاركة في الحوار، فإنّ تلك الدعوة كانت أقرب إلى المنَّة منها إلى الدعوة الصادقة، لأنّها دخلت في الاستقطاب وشراء المواقف. فلطالما طرحت الحكومة مقترحات الحوار والتفاوض مع أحزاب المعارضة، ولكن ظلت هذه الأحزاب بدلاً من إبداء رأيها بتفعيل الحوار أو رفضه، تواصل مسلسل ابتزازها وقبض الثمن قبل الجلوس إلى مائدة الحوار. خرج حزب الأمة المتردِّد من الحوار، ولكنه أدخل ابن زعيمه عبد الرحمن الصادق المهدي ليشغل منصب مساعد الرئيس، وصمت الحزب الاتحادي، ولكنه أدخل ابن زعيمه الحسن الميرغني مساعداً للرئيس السابق أيضاً.

فقر البرامج الانتخابية

يمرُّ المشهد السياسي السوداني الحالي بتطور مرحلي بدأ منذ قيام الثورة ثم الفترة الانتقالية عبوراً إلى فترة إجراء الانتخابات للوصول إلى التحول الديمقراطي. وتحمل الفترة الانتقالية عبء التاريخ الحزبي المشوَّش، إذ تعاني الأحزاب من الجمود الحزبي الهيكلي والفكري، مع كمٍّ هائل من الأحزاب السياسية الموروثة من العهد السابق. ومن المتوقع أنّ يواجه الناخبون الموعودون بأمل ديمقراطي قريب مهمة شاقّة في تحديد الحزب الذي سيمثّل مصالحهم وهمومهم بناءً على برامجه الانتخابية. 

هذه الأحزاب عتيقها وحديثها لم تنجح حتى قيام الثورة في طرح برامج مقنعة تلامس احتياجات المواطنين، كما تعاني من عدم اتساق الهويات. وإن كانت الأحزاب القديمة المعروفة منذ الاستقلال وما بعده ترتكز إلى هذه اللحظة على شخصيات مؤسسيها الذين أورثتهم صنمية فريدة، فإنَّ الأحزاب حديثة التكوين لا تمتلك حتى هذه الصفة. وإذا كانت الأحزاب القديمة المعروفة تجتر مجموعة من البرامج لا هي قادرة على تنفيذها، ولا تجديدها في صيغة تتناسب واحتياجات المرحلة، فإنَّ الأحزاب الحديثة التي لا تمتلك وزناً سياسياً تستعرض برامج باهتة، منزوعة في الغالب من صفحات تحالفاتها السياسية. أما ما يفتقر إليه جلّ هذه الأحزاب، في الوقت الحالي، فهو الوصول إلى مستوى من الوعي يعين في مسألة التواصل والدعم الجماهيري لتلعب دوراً سياسيّاً فاعلاً.

على أعتاب الديمقراطية

على أعتاب كل فترة ديمقراطية يكون هناك اشتباكٌ تقليدي بين المحافظين والحداثيين أما في هذه الفترة فتغيب البرامج والأفكار الحداثية. ولكن ما يُلاحظ في هذه الفترة هو تقلص الأيديولوجيا اليمينية وبروز أيديولوجيا اليسار بالإضافة إلى الأحزاب المتحولة من الحركات المسلحة.  وفي انتظار الانتخابات الديمقراطية التي ستجري في نهاية الفترة الانتقالية، نشهد نفس الوجوه وبنفس المرجعيات القديمة وعلى ذات حالات التنقُّل بين الأحزاب. أما الميزة النسبية التي اكتسبها الشارع السوداني فهي عودة القوى المجتمعية إلى الواجهة، وهي التي عمل تشبث النظام السابق بالحكم لمدة ثلاثين عاماً على تهميشها.

لم تستفد الأحزاب السودانية العريقة من تاريخها لتبني قاعدة جماهيرية جديدة، ولم تهتم بالتغيير في بنية المجتمع والتعامل وفقاً لتطوره. وفي ثنايا هذا الفشل بحثت الحكومة السابقة عن كسب زمن إضافي بزعمها أنّها المبادِرة إلى الحوار الذي قد يأتي أو لا يأتي، كما تبحث الحكومة الحالية عن زمنٍ يتعدّى عامها الأول، بينما الشعب في انتظار جودو آخر ليقيل عثرته السياسية.

المزيد من تحلیل