Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نهاية الاستثناء الإسرائيلي

نموذج جديد للسياسة الأميركية

سمح الدعم الأميركي غير المشروط بإطلاق أسوأ نزعات القادة الإسرائيليين (دانييل دل بلاتو/ فورين أفيرز)

ملخص

العلاقة الاستثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل حولت الدعم الأميركي غير المشروط إلى مصدر أخطار إستراتيجية وأخلاقية، إذ أطلقت يد الحكومات الإسرائيلية في الاستيطان والحروب في غزة والمنطقة، ففاقمت معاناة الفلسطينيين وعمقت عزلة إسرائيل وأضعفت صورة واشنطن عالمياً. تصحيح المسار يقتضي ربط المساعدات والقوة الدبلوماسية الأميركية بقواعد القانونين الأميركي والدولي، وفرض حدود واضحة على السياسات الإسرائيلية، ومنع التدخل الحزبي المتبادل، بما يحمي أمن إسرائيل وحقوق الفلسطينيين ومصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد.

ظلت الروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وثيقة بصورة استثنائية على مدى العقود الثلاثة الماضية، فقد بقيت واشنطن على وفاق تام مع تل أبيب خلال الأيام الحافلة من عملية السلام خلال تسعينيات القرن الماضي مع منظمة التحرير الفلسطينية، وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي بدأت عام 2000 واستمرت خمسة أعوام، ثم خلال العقدين التاليين اللذين شهدا سلسلة من الصراعات في غزة ولبنان. واستمرت هذه العلاقة خلال هجوم "حماس" الإرهابي على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والحرب في غزة التي أعقبته، إذ قدمت إدارتان رئاسيتان أميركيتان دعماً دبلوماسياً وعسكرياً غير مشروط تقريباً لتل أبيب.

لكن حرب غزة أوضحت أيضاً أن الحفاظ على هذا النوع من العلاقات الثنائية يأتي بكُلف باهظة، فمع بعض الاستثناءات القليلة، وأبرزها وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ أوائل أكتوبر 2025، عجزت واشنطن على رغم محاولاتها المتكررة عن التأثير في الطريقة التي تخوض بها إسرائيل الحرب، وهذا الفشل ليس استثناء بل هو متجذر في طبيعة العلاقة الأميركية – الإسرائيلية، فعلى رغم أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قد تربطهما "علاقة خاصة" لكن ما يجمع الولايات المتحدة وإسرائيل "علاقة استثنائية"، إذ تحظى إسرائيل بمعاملة لا يحظى بها أي حليف أو شريك آخر، فعندما تشتري الدول الأخرى أسلحة أميركية تخضع المبيعات لمجموعة كبيرة من القوانين الأميركية، أما إسرائيل فلم تُجبر قط على الالتزام بها فعلياً، وفي الوقت الذي يمتنع فيه الشركاء الآخرون من إظهار تفضيلاتهم العلنية لحزب سياسي أميركي، يفعل قادة إسرائيل ذلك من دون أن يواجهوا أية عواقب، كما أن واشنطن لا تدافع عادة عن سياسات أية دولة أخرى تتعارض مع سياساتها هي، ولا تمنع حتى الانتقادات الخفيفة الموجهة إلى تلك الدول في المنظمات الدولية، لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل فإن واشنطن تفعل هذين الأمرين بصورة روتينية وكأنه أمر طبيعي.

لقد أعاقت هذه الاستثنائية مصالح كلا البلدين، فضلاً عن إلحاقها أذى هائلاً بالفلسطينيين، فبدلاً من المساعدة في ضمان بقاء إسرائيل، وهو الهدف المعلن لهذه السياسة، سمح الدعم الأميركي غير المشروط بإطلاق أسوأ نزعات القادة الإسرائيليين، وكانت النتيجة الزيادة المستمرة بلا هوادة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين في غزة، إضافة إلى حدوث مجاعة في بعض المناطق، وعلاوة على ذلك سهل الدعم الأميركي عمليات عسكرية إسرائيلية متهورة في أنحاء الشرق الأوسط، وزاد الأخطار الوجودية التي تواجهها إسرائيل نفسها، وفي الولايات المتحدة أدت حرب غزة إلى تآكل كبير في الدعم الشعبي لإسرائيل مع وصول المواقف غير المؤيدة لها إلى مستويات قياسية في مختلف الأطياف السياسية.

ولكن لا يمكن أن تستمر العلاقة في شكلها الحالي إلى ما لا نهاية، فهي تتطلب نموذجاً جديداً أكثر اتساقاً مع طريقة تعامل واشنطن مع الدول الأخرى، بما في ذلك أقرب حلفائها المرتبطين بها بموجب معاهدات، وينبغي أن يتضمن هذا النموذج الجديد توقعات وحدوداً واضحة، ومساءلة في شأن الامتثال للقانونَين الأميركي والدولي، وشروطاً مفروضة على الدعم الأميركي عندما تتعارض السياسات الإسرائيلية مع المصالح الأميركية، والامتناع من التدخل في السياسة الداخلية، وباختصار علاقة ثنائية أكثر طبيعية بكثير.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن هذا التعديل المتأخر هو ضرورة إستراتيجية وسياسية وأخلاقية، فبدءاً بمنع إسرائيل من ضم الضفة الغربية ووصولاً إلى صياغة إستراتيجية مشتركة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني، ستُسفر علاقة أميركية - إسرائيلية طبيعية عن نتائج أفضل من علاقة استثنائية غالباً ما تدفع نحو سلوك إسرائيلي خطر وتُضعف نفوذ واشنطن العالمي، وإذا تأخرت الولايات المتحدة في هذا التعديل فقد تكون النتيجة إلحاق الضرر بمكانتها الدولية، وعزلة شبه كاملة تواجهها إسرائيل من الشعب الأميركي وبقية العالم، وانهيار المجتمع الفلسطيني في غزة، وفي نهاية المطاف في الضفة الغربية، وتغيير المسار قبل فوات الأوان يصب في مصلحة الجميع على السواء، الأميركيين والإسرائيليين والفلسطينيين.

لا هوامش للخلاف

على رغم ما يربط واشنطن وتل أبيب من صلة فريدة منذ تأسيس إسرائيل لكن علاقتهما لم تتخذ دائماً شكلها الاستثنائي الحالي، فقبل عهد إدارة الرئيس بيل كلينتون لم يكن الدعم الأميركي يعني شيكاً على بياض، وفي الواقع لم يتردد الرؤساء الأميركيون في معارضة حكومة إسرائيل علناً أو فرض عواقب لدفعها إلى تغيير سلوكها، وغالباً ما دعمت الإدارات الأميركية أو امتنعت من التصويت على قرارات مجلس الأمن الدولي التي تنتقد الإجراءات الإسرائيلية، وخصوصاً بناء المستوطنات، حتى إنه خلال حرب السويس عام 1956 وحرب أكتوبر 1973 والحروب الإسرائيلية في لبنان خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الـ 20، والانتفاضة الأولى في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، هدد الرؤساء الأميركيون بفرض عقوبات على إسرائيل أو قطع شحنات الأسلحة عنها، ولكن بعد ذلك بدا وكأن نهاية الحرب الباردة والانتصار الأميركي الحاسم في حرب الخليج خلقا ظروفاً مواتية للتوصل إلى تسوية شاملة في الشرق الأوسط، وفي سعيه إلى تحقيق هذا الهدف قدم كلينتون وفريقه دعماً سياسياً ومادياً غير مشروط تقريباً لإسرائيل، انطلاقاً من اعتقادهم بأن إسرائيل القوية المدعومة بصورة ثابتة وغير محدودة من الولايات المتحدة، ستكون أكثر استعداداً للمخاطرة من أجل السلام، وتجنبوا إبراز الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فحتى البيانات الأميركية الروتينية التي تعترض على بناء المستوطنات الإسرائيلية جرى تخفيفها، وسقطت كلمات مثل "الاحتلال" من القاموس الأميركي الرسمي، كما أنهم عرضوا أحياناً زيادة الدعم العسكري كحافز للتنازلات الإسرائيلية، لكنهم لم يستخدموه كأداة ضغط وتجنبوا الإجراءات القسرية، بغض النظر عن سلوك إسرائيل.

وقد استند هذا النهج الأميركي إلى أربعة افتراضات أساس، أولاً أن المصالح الأميركية والإسرائيلية كانت متطابقة إلى حد كبير إن لم تكن متطابقة تماماً، بما في ذلك الهدف المشترك المتمثل في التوصل إلى سلام عبر المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين وجيرانها الآخرين، وثانياً أن إسرائيل تفهم بصورة أفضل مصالحها والتهديدات التي تواجهها من دول معادية كانت تضاهيها قوة، وثالثاً أنه من الأفضل حل أي خلافات بين الحليفين سراً، لأن ظهور تباعد علني بينهما يشجع أعداء إسرائيل، وأخيراً فعندما كانت تصل الأمور إلى اختبار حقيقي كانت إسرائيل تراعي المخاوف الأميركية الكبيرة حفاظاً على علاقة تعتبرها أساسية لبقائها على المدى الطويل.

أدى الدعم غير المشروط إلى خلق أخطار أخلاقية لكلا البلدين

 

كانت العلاقة التي نشأت من هذا المنطلق استثنائية حقاً في توقعاتها ومعاييرها وطريقة عملها، وقد استمرت من دون تعديل جوهري مدفوعة جزئياً باللوبي السياسي القوي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، ولا تزال واشنطن تُبدي قدراً كبيراً من الامتثال ليس لتقديرات القادة الإسرائيليين وحسب، بل أيضاً لحاجاتهم السياسية الداخلية، فهي تقدم من دون شروط كميات هائلة من المساعدات العسكرية، فمذكرة التفاهم لعام 2016 تعهدت بتقديم 3.8 مليار دولار سنوياً، أي ما يزيد على 10 ملايين دولار يومياً من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، وغالباً ما يزيد الكونغرس مبالغ إضافية بانتظام، ومن المتوقع من الولايات المتحدة ألا تكتفي بالامتناع من انتقاد إسرائيل علناً، بل أيضاً أن تدعم موقفها في المؤسسات الدولية، خصوصاً من خلال استخدام حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن التي تعترض عليها إسرائيل، سواء انسجمت هذه القرارات مع السياسة الأميركية أو لا، ونادراً ما تخضع إسرائيل، وربما لا تخضع على الإطلاق، لقوانين وسياسات أميركية معينة، ولا سيما القيود القانونية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي تنطبق على جميع الجهات المتلقية للمساعدات الأميركية.

وقد أدى الدعم غير المشروط، بطريقة لا مفر منها، إلى أخطار أخلاقية على كلا البلدين، فإسرائيل ليس لديها سبب يدفعها إلى مراعاة المخاوف والمصالح الأميركية لأن تجاهلها لا يكلفها شيئاً، وبدلاً من ذلك تتجرأ إسرائيل على تبني مواقف متطرفة غالباً ما تتعارض مع المصالح الأميركية، وأحياناً مع المصالح الإسرائيلية أيضاً، وبالطبع وجهت إسرائيل ضربات قاسية لأعداء تتشاركهم مع الولايات المتحدة، كما أن الضمان العملي للدعم الأميركي قد يساعد في ردع الخصوم عن مهاجمتها، لكن وبما أن قوة إسرائيل تفوق بكثير قوة جميع خصومها فإن هذا الدعم يخلق حافزاً معكوساً يدفعها إلى اتخاذ خطوات متهورة لا ضرورة لها، وهي على ثقة بأن الدعم الأميركي سيستمر بغض النظر عن نتائج مغامراتها، وكذلك فإن الدعم الأميركي غير المشروط يجعل الولايات المتحدة متورطة في أفعال إسرائيل مما قد يعرض القوات الأميركية أحياناً لهجوم انتقامي مباشر، وفي المقابل تتذمر إسرائيل من التدقيق المتزايد الذي تتعرض له من بعض فئات الرأي العام الأميركي بسبب المساعدات التي تحصل عليها.

ومن المؤكد أن القادة الإسرائيليين غير معصومين من الخطأ في أحكامهم، بما في ذلك ما يتصل بتطورات محيطهم الإقليمي، وهذا ينطبق على القادة في أي مكان، لكن تاريخ إسرائيل جعل بعض صناع سياساتها ينشغلون بصورة مفرطة بالتهديدات الآنية ويتجاهلون الديناميكيات الإستراتيجية أو يسيئون فهمها، ومن المفارقات المأسوية أن أكبر إخفاقين استخباريين في تاريخ إسرائيل، وهما الفشل في منع الهجوم المفاجئ الذي أشعل فتيل الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، والفشل الآخر بعد 50 عاماً في السابع من أكتوبر 2023، لم يكونا ناجمين عن نقص في المعلومات الاستخبارية التكتيكية بل عن تقييمات إستراتيجية متفائلة أكثر من اللازم، دفعت القادة الإسرائيليين إلى تجاهل المؤشرات التحذيرية.

يجب على الولايات المتحدة ألا تهمل تقديرات إسرائيل وقراءاتها للمشهد، ولكن أيضاً ألا تستبدل بها أحكامها الخاصة على نحو أعمى، وعندما يكون لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة قادة حسنو النية وملتزمون بالسلام، فيمكن التخفيف من عيوب العلاقة بينهما، فإسحاق رابين الذي شغل منصب رئيس وزراء إسرائيل أدرك خلال ولايته الثانية من عام 1992 حتى اغتياله عام 1995 أن التعامل بجفاء مع واشنطن قد لا يُلحق ضرراً فورياً بالشراكة، لكنه كان يخشى الأذى البعيد المدى، وأدرك أن مخاوف الولايات المتحدة صادقة ومتجذرة في هدف مشترك هو تحقيق السلام، على رغم الاختلافات حول ماهية هذا السلام، وربما كانت العلاقة الاستثنائية مبررة في تلك الظروف الاستثنائية.

وعلى رغم أن رابين لم يكن مثالياً، إذ أشرف على سبيل المثال على نمو استيطاني واسع النطاق، لكنه كان شريكاً متجاوباً مع الولايات المتحدة، ومع أنه لم يعترف علناً بهدف إقامة دولة فلسطينية فإن توقيعه على "اتفاقات أوسلو" مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات عام 1993 كان خطوة في هذا الاتجاه، وقد حظي بدعم أكثر من 60 في المئة من الجمهور الإسرائيلي.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فعلى النقيض من ذلك، ينظر إلى العلاقة الاستثنائية على أنها شيء يمكن أن يستغله وليس شبكة أمان تُستخدم في الظروف القصوى، فهو يتعامل مع وعد "عدم إظهار أي خلاف للعلن" بين الولايات المتحدة وإسرائيل على أنه التزام أحادي الاتجاه، إذ يستخدم الخلافات العلنية لمصلحته كما حدث عندما انتقد إدارة بايدن لأنها حجبت بعض شحنات الأسلحة، وعند مثوله أمام الكونغرس عام 2015 لمهاجمة اتفاق نووي محتمل مع إيران، وبالقدر نفسه من الأهمية فإن معارضته حل الدولتين مدعومة إلى حد كبير من جمهور إسرائيلي انحرف بقوة نحو اليمين خلال العقود الأخيرة، فقد أظهر استطلاع أجراه "مركز بيو للبحوث" في يونيو (حزيران) الماضي أن 21 في المئة فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن إسرائيل يمكن أن تتعايش بسلام مع دولة فلسطينية، وكذلك فإن إشراك نتنياهو في حكومته حزبين من اليمين المتطرف يقودهما متطرفان يدعوان صراحة إلى العنصرية والعنف، وهما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يُظهر هذا التحول في اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي، وباختصار تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم تتعامل مع حكومة إسرائيلية لا تتبنى القيم الديمقراطية ولا تُبدي أي اهتمام بالتوصل إلى حل عادل للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وغالباً ما لا تبادل الولايات المتحدة التزامها بالحفاظ على علاقة ثنائية صحية.

معاملة استثنائية

أبرزت تداعيات هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر 2023 العيوب الجوهرية في هذه العلاقة الاستثنائية، وكما كان متوقعاً فقد واجه الرئيس الأميركي جو بايدن وفريقه صعوبة في التأثير في سلوك حكومة نتنياهو خلال حرب غزة وأفعالها في أماكن أخرى من المنطقة، ولم تسعَ الولايات المتحدة إلى التوصل إلى تفاهم مع إسرائيل، لا رسمياً ولا بصورة غير رسمية، لتحديد نوع المساعدات المقدمة والشروط المرافقة لها والأهداف العسكرية المرتبطة بها، وقد أظهر دعم الإدارة للرد العسكري الإسرائيلي تضامناً مناسباً مع شريك مفجوع ومُحاصر، لكن في غياب هذا الوضوح بدا الأمر لنتنياهو وكأنه شيك على بياض.

وقد أرست اتصالات الولايات المتحدة بالمسؤولين الإسرائيليين بداية الحرب نمطاً من الضغوط المدروسة بعناية، لكنه انتهى بالتزام تام برغبات إسرائيل، فمنذ العمليات الإسرائيلية الأولى في غزة كان من الواضح أن الجيش الإسرائيلي لم يركز بصورة كافية على تقليل الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وقد أعربت إدارة بايدن مراراً وتكراراً وبحزم، ولكن سراً، عن مخاوفها في شأن القصف الذي مارسته إسرائيل خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ومع ذلك فإن أي تأثير كان من الممكن أن تُحدثه هذه المحادثات في الإجراءات الإسرائيلية قد تضاءل بسبب التعليقات العلنية للمسؤولين الأميركيين، والتي أعربت عن أسفها لسقوط ضحايا مدنيين، لكنها تجنبت إدانة إسرائيل أو إلقاء اللوم عليها.

كانت الإدارة الأميركية مترددة في حجب شحنات الأسلحة خلال هذه الفترة الأولية، وفسرت دول أخرى استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد كثير من قرارات مجلس الأمن الدولي الداعية إلى وقف إطلاق النار، لأسباب منها إغفال دور "حماس" في الصراع، على أنه تساهل مع التكتيكات الإسرائيلية، وحتى مع تصاعد الانتقادات العلنية داخل الولايات المتحدة نفسها بدا أن نتنياهو قد استنتج أنه يستطيع تجاهل أي استياء داخل الإدارة الأميركية، مما يعطي الأولوية لحرية إسرائيل في التصرف على حساب الحد من الضرر الذي يلحق بالمدنيين.

في الواقع كان وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 الذي أفضى إلى تحرير 105 رهائن إسرائيليين في غزة إنجازاً كبيراً، لكن مر أكثر من عام من دون التوصل إلى هدنة أخرى، وخلال ذلك الوقت وجه المسؤولون الأميركيون رسائل متزايدة الصراحة والصرامة إلى القادة الإسرائيليين في شأن التكتيكات الإسرائيلية، وعلى رغم تأكيدهم أن إسرائيل بحاجة إلى بذل "مزيد من الجهد" لحماية المدنيين، لكنهم نادراً ما قدموا أي مؤشر على أن الدعم الأميركي قد يكون على المحك، ولم يستخدموا قط المساعدات العسكرية كوسيلة ضغط لمحاولة تغيير سلوك إسرائيل، وكذلك فإن تطبيق ما يسمى بـ "قوانين ليهي" التي تحظر تقديم المساعدة الأميركية للوحدات العسكرية المتورطة بصورة موثوقة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، قد جرى تعليقه فعلياً في حال إسرائيل، على رغم أن تلك القوانين لا تسمح بمثل هذه الاستثناءات، ولم يوقف بايدن تسليم بعض الأسلحة إلا في مايو (أيار) 2024 رداً على بدء إسرائيل حملتها ضد قوات "حماس" في مدينة رفح، على رغم مناشدات الولايات المتحدة بتأجيل العملية إلى أن يجري إجلاء السكان المدنيين بأمان، وقد انتهى الأمر بالجيش الإسرائيلي إلى تعديل خطته الخاصة برفح، ولكن في الإطار الأكبر للحرب كان ضغط الإدارة ضئيلاً للغاية ومتأخراً للغاية.

 

وقد ظهرت ديناميكية أكثر نجاحاً إلى حد ما في ما يتعلق بالمساعدات الإنسانية، ففي البداية فرضت إسرائيل حصاراً كاملاً على غزة خلافاً لرغبات الولايات المتحدة، وعلى رغم نجاح إدارة بايدن في إقناع حكومة نتنياهو بالتراجع عن هذا القرار لكن القيود الإسرائيلية حدت من عدد شاحنات المساعدات اليومية التي تدخل غزة إلى جزء بسيط مما هو مطلوب لتلبية الحاجات الأساس، ومع ذلك كان من المحتمل تماماً ألا تدخل أية مساعدات إلى القطاع لولا الجهود الأميركية الدؤوبة، وفي هذه القضية بالذات استخدمت إدارة بايدن نفوذها بين حين وآخر، مرتين  عام 2024 خلال مكالمة هاتفية في أبريل (نيسان) بين بايدن ونتنياهو، وفي رسالة في سبتمبر (أيلول) من وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين إلى نظيريهما الإسرائيليين، فقد هددت الإدارة بخفض الدعم العسكري الأميركي إذا لم تتخذ إسرائيل خطوات محددة لتحسين الإغاثة الإنسانية، وفي المرتين امتثلت إسرائيل إلى حد كبير وإن كان ذلك موقتاً.

كان الضغط الأميركي فعالاً لكنه لم يكن مستداماً، فقد اختارت الإدارة عدم استخدام أدوات أخرى متاحة لها مثل تفعيل المادة "620-آي" من قانون المساعدات الخارجية 620I of the Foreign Assistance Act التي تحظر تقديم الدعم العسكري لأية دولة تمنع وصول المساعدات الإنسانية الأميركية، وبموجب هذا البند كان بإمكان المسؤولين الأميركيين إما أن يعلنوا انتهاك إسرائيل للقانون ثم رفع تعليق المساعدات، وهو ما يعني فعلياً توجيه توبيخ علني لها، أو أن يسمحوا بتطبيق الحظر ووقف تزويد إسرائيل بالأسلحة، وكان من الممكن أن يُسهم كلا الإجراءين في حث إسرائيل على السماح بدخول مزيد من المساعدات إلى غزة. وعلى نحو مماثل وجزئياً لتجنب تفعيل "620-آي"، أصدرت إدارة بايدن مذكرة رئاسية تتعلق بالأمن القومي في فبراير (شباط) 2024 وضعت معايير إنسانية وحقوقية أكثر صرامة للدول التي تتلقى مساعدات عسكرية أميركية، وقد وجد تقريرها في شأن امتثال إسرائيل، الصادر في مايو من ذلك العام، أن تأكيدات إسرائيل بأنها تُسهل دخول المساعدات إلى غزة وتلتزم بالقانون الدولي "موثوقة وذات صدقية"، وهو استنتاج لم يقنع سوى قلة من المراقبين المتابعين للصراع عن كثب.

في الحقيقة حققت إدارة بايدن نجاحاً أكبر في منع توسع حرب غزة، فقد دخلت إيران ولبنان وسوريا واليمن جميعاً بطريقة أو بأخرى في الصراع، لكن العنف لم يتفاقم إلى حرب متعددة الجبهات طويلة الأمد، وتمكنت الإدارة من حشد تحالف دفاعي متعدد الجنسيات أحبط إلى حد كبير الهجمات الإيرانية على إسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024، وهو ما حال دون مزيد من التصعيد، ومن خلال توضيح الإدارة لإسرائيل في أعقاب ذلك أن الولايات المتحدة لن تنضم إلى العمليات الهجومية، أبقت رد إسرائيل محدوداً ووفرت مزيداً من الوقت للدبلوماسية، لكن بايدن ظل يواجه صعوبة في الحد من العمليات الإسرائيلية التي كان من الممكن أن تتفاقم إلى صراع إقليمي، فلقد كانت الهجمات الإسرائيلية المشكوك في جدواها في دمشق هي التي سببت (ولكن لم تبرر) الجولة الأولى من الضربات الإيرانية على إسرائيل، وفي معظم الأحيان تمتعت إسرائيل بحرية التصرف، وربما يكون توفير الولايات المتحدة حماية عسكرية فعالة ضد الهجوم الإيراني قد منح إسرائيل ثقة أكبر لشن عمليات أكثر خطورة خلال الأشهر اللاحقة.

منذ عودة الرئيس دونالد ترمب للسلطة تراوحت مقارباته تجاه إسرائيل بين معاملة استثنائية وضغوط حقيقية وانتهاج إستراتيجية قائمة أكثر على عقد الصفقات، فبدأ ترمب ومساعدوه بداية واعدة حين ساعدوا في الضغط على نتنياهو لقبول مقترح وقف إطلاق النار الذي طرحته إدارة بايدن في يناير 2025، لكن الإدارة الجديدة أمضت الأشهر القليلة التالية عملياً في تفويض سياستها في الشرق الأوسط لإسرائيل، وبعد بدء وقف إطلاق النار في يناير لم يبذل مساعدو ترمب أي جهد لإقناع نتنياهو بالمشاركة في المفاوضات لتمديد الهدنة إلى ما بعد المرحلة الأولى، وعندما قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي من جانب واحد كسر وقف إطلاق النار في مارس (آذار) بسلسلة من الغارات الجوية، أيد ترمب الهجمات الإسرائيلية، وبدلاً من الضغط على إسرائيل لزيادة إيصال المساعدات إلى أقصى حد ممكن، التزمت الإدارة الصمت بينما فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً كارثياً على غزة لأكثر من شهرين، وهي خطوة أدت في النهاية إلى إغراق جزء من القطاع في المجاعة، وعندما رفعت إسرائيل الحصار في مايو بعد اعتراضات أميركية متأخرة، ساعدت إدارة ترمب في إنشاء آلية جديدة لتوزيع المساعدات لتحل محل النظام القائم الذي تقوده الأمم المتحدة، وهذه الآلية الجديدة التي اضطر نتنياهو نفسه للاعتراف بأنها "غير فعالة" خلال مقابلة مع "فوكس نيوز" في سبتمبر، أجبرت عدداً كبيراً من الفلسطينيين الجائعين على قطع مسافات طويلة للوصول إلى واحد من أربعة مواقع فقط لتوزيع الطعام، وقُتل أكثر من 1000 فلسطيني أثناء محاولتهم الحصول على المساعدة.

ربما كانت العلاقة الاستثنائية مبررة في تلك الظروف الاستثنائية

 

وكذلك فإن الحرية التي منحتها إدارة ترمب لإسرائيل شجعت مغامراتها الإقليمية، فالعمليات الإسرائيلية في لبنان وسوريا طوال فصلي الربيع والصيف لم تُثر سوى احتجاجات ضعيفة من البيت الأبيض، وعندما شنت إسرائيل حرباً على إيران في يونيو نأى ترمب بنفسه عنها في البداية، ثم أشاد بأدائها بمجرد أن بدت الضربات ناجحة، وسرعان ما أمر ترمب بشن ضربات أميركية على المواقع النووية الإيرانية، وهو بالتأكيد ما كان يأمله نتنياهو منذ البداية، ولم يتدخل ترمب ليمسك بزمام القيادة ويدفع باتجاه وقف جديد لإطلاق النار إلا في أواخر سبتمبر بعد سقوط ما يقارب 20 ألف قتيل فلسطيني إضافي، منذ انهيار وقف إطلاق النار في يناير 2025، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وفي مثال واضح على الأخطار الأخلاقية لهذه العلاقة الاستثنائية فقد جاء التراجع الأميركي نتيجة محاولة إسرائيل المتهورة اغتيال قادة "حماس" خلال ذلك الشهر في قطر، الشريكة الوثيقة للولايات المتحدة ومضيفة أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، فعجز الولايات المتحدة عن حماية شريكة لها من دولة تتلقى مليارات الدولارات من الدعم الأميركي هدد بجعل صدقية واشنطن بلا قيمة.

ورداً على ذلك شنت إدارة ترمب، إضافة إلى دول عربية وإسلامية رئيسة، حملة ضغط شاملة على إسرائيل و"حماس" لإنهاء القتال، وجعل فريق الرئيس انعقاد الاجتماع المنتظر في المكتب البيضاوي متوقفاً على قبول نتنياهو "خطة السلام" التي اقترحها ترمب، ولم يترك ترمب أي مجال للهرب أو المناورة، ولم يعقد مؤتمراً صحافياً مع نتنياهو إلا بعد أن أجبر هذا الأخير على الاتصال برئيس وزراء قطر للاعتذار والموافقة على توقيع مقترح وقف إطلاق النار على الهواء مباشرة، وقال ترمب لمراسل إسرائيلي إن على نتنياهو "أن يقبل ذلك، ليس لديه خيار آخر".

وظل وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في الـ 10 من أكتوبر قائماً حتى نوفمبر 2025، محققاً تقدماً مهماً نحو السلام على رغم الانتهاكات المتكررة من جانب كل من إسرائيل و"حماس"، وقد استدعى الوصول إلى هذه المرحلة الخروج عن قواعد العلاقة الاستثنائية، ففي الواقع لم يكتف ترمب بانتقاد الحكومة الإسرائيلية علناً على الهجوم في قطر، بل لوح أيضاً بإحراج نتنياهو إذا لم يقبل الخطة الأميركية، ومع ذلك لا يزال من الباكر اعتبار هذه الواقعة مؤشراً على تحول العلاقات الأميركية - الإسرائيلية إلى علاقة طبيعية، فهناك احتمال كبير أن الخطوات التالية، الأكثر تعقيداً والضرورية لإنهاء الحرب، قد لا تُستكمل إذا فقد ترمب اهتمامه وعاد، وفق النمط الأميركي المألوف، لتمكين نتنياهو ومنحه الغطاء المعتاد.

نتائج عادية

لقد كانت مساندة الولايات المتحدة المطلقة لإسرائيل مُضرة لجميع الأطراف المعنية، ويتجلى ذلك بأوضح صوره داخل المجتمع الفلسطيني في غزة الذي أنهكه عامان من الحرب، فعندما دخل وقف إطلاق النار في أكتوبر حيز التنفيذ كان ما لا يقل عن 90 في المئة من السكان قد نزحوا داخلياً، وفقاً للجنة الإنقاذ الدولية، وقد أعلن خبراء الأمم المتحدة أن أكثر من 600 ألف فلسطيني، بينهم 132 ألف طفل، يواجهون ظروف مجاعة أو سوء تغذية، وأن 78 في المئة من مباني غزة قد تضررت أو دُمرت، وعلى رغم أن خطر تكرار هجوم آخر من "حماس" على غرار هجوم السابع من أكتوبر 2023 قد زال في المستقبل المنظور، فإن الهزيمة المستدامة للحركة، وهي نتيجة قد يرحب بها كثر في غزة، تتطلب حلاً سياسياً يمكن من خلاله للفلسطينيين، من دون "حماس"، حكم أنفسهم في دولة خاصة بهم، ومع ذلك فلا الحكومة الإسرائيلية ولا "حماس" مهتمتان بتحقيق هذا الحل.

أما أن تكون إسرائيل قد عانت أو ستعاني نتيجة هذه العلاقة الاستثنائية فهو أمر أقل وضوحاً لكنه لا يقل صحة، فإضعاف إسرائيل قدرات "حماس" و"حزب الله"، إضافة إلى الضربات القاسية التي وجهتها مع الولايات المتحدة لبرامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، يعزز أمن إسرائيل على المدى القصير، لكن هذه الإنجازات يجب أن تقاس في مقابل الكُلف التي تكبدتها إسرائيل خلال العملية، فالعزلة الدولية المتزايدة التي تعانيها إسرائيل نتيجة الحرب في غزة تمثل خطراً واضحاً ومباشراً على البلاد، وقد صرح قادة هولندا وإسبانيا وسويسرا علناً بأنهم سيعتقلون نتنياهو إذا وطأت قدماه أراضيهم، أما ألمانيا والمملكة المتحدة، اللتان زودتا إسرائيل بالسلاح لعقود، فبدأتا في تقييد مبيعات الأسلحة، ويُعد تغير المواقف والمزاج العام في الولايات المتحدة مثيراً للقلق بصورة خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، فوفقاً لاستطلاع أجرته "نيويورك تايمز" و"جامعة سينا" خلال سبتمبر الماضي فإن أكثر من نصف الأميركيين، وسبعة من كل 10 أشخاص دون سن الـ 30، يعارضون "تقديم دعم اقتصادي وعسكري إضافي لإسرائيل"، ويعتقد خُمسا الأميركيين وثلثا الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة، أن إسرائيل تقتل المدنيين الفلسطينيين عمداً، أما الأميركيون الذين تقل أعمارهم عن 45 سنة فهم أكثر ميلاً بكثير للتعاطف مع الفلسطينيين مقارنة بتعاطفهم مع إسرائيل، وعلى رغم أن هذه التحولات في الرأي العام لم تترجم بعد إلى تغييرات في السياسات، فلا يمكن لإسرائيل أن تتوقع استمرار هذا الانفصال [بين الرأي العام والسياسة الأميركية] إلى ما لا نهاية.

 

علاوة على ذلك قد يتبين أيضاً أن النجاحات العسكرية الإسرائيلية ضد خصومها الإقليميين موقتة، فاهتمام إيران بتطوير سلاح نووي ربما يكون قد زاد مع تراجع قدرتها الردعية ومستوى أمنها الإستراتيجي، وإذا تمكنت طهران في النهاية من بناء قنبلة نووية بدائية أو حتى عادت لعتبة القدرة النووية، ولكن من دون أي نظام رقابة قائم، فلن يكون ممكناً اعتبار حرب يونيو نجاحاً، وبالمثل ففي غياب سلطة فلسطينية موثوقة وفعالة في غزة قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى الاختيار بين احتلال مكلف أو دولة فاشلة على حدودها، أما تراجع "حزب الله" في لبنان فقد خدم حتى الآن مصلحة إسرائيل، ولكن من السابق لأوانه استبعاد احتمال نتائج أقل تفاؤلاً بكثير.

وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً فإن التفوق العسكري الإقليمي لإسرائيل يخفي أخطاراً أخرى، فمواصلة نتنياهو سعيه نحو إجراء تعديل قضائي داخلي من شأنه أن يقلص عملياً الرقابة القضائية على حكومته مما يهدد الديمقراطية الإسرائيلية، وكذلك فإن التغييرات الديموغرافية في إسرائيل، ولا سيما النمو النسبي للسكان اليهود المتشددين (الحريديم)، تقوض معدلات المشاركة في الاقتصاد والجيش، أما الالتزام بالتوسع الاستيطاني غير المقيد في الضفة الغربية على طول الطيف السياسي الإسرائيلي [بين مختلف الفصائل والقوى السياسية الإسرائيلية]، مقروناً بعدم وجود محاسبة لعنف المستوطنين، فقد يؤدي إلى اندلاع انتفاضة جديدة ويجعل قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً عملياً، وقد ولدت الحرب في غزة رياحاً معاكسة قوية ضد مزيد من التطبيع مع الدول العربية والدول ذات الغالبية المسلمة في الشرق الأوسط وخارجه، وفي كل من هذه الحالات فإن الدعم الأميركي غير المشروط منذ السابع من أكتوبر 2023 قد مككن نتنياهو من انتهاج سياسات تتجاهل المشكلات القائمة أو تُفاقمها، لتشكل هذه التطورات تهديداً لمستقبل إسرائيل كدولة آمنة ويهودية وديمقراطية، وهو الهدف المعلن للسياسة الأميركية وأمل غالبية الإسرائيليين.

لقد فرض الحفاظ على هذه العلاقة الاستثنائية كُلفاً باهظة على الولايات المتحدة أيضاً، فالأمر لا يقتصر على أن السياسة الأميركية تقوض أهداف الولايات المتحدة المتعلقة بإسرائيل، بل إن العلاقة بصيغتها الحالية أضرت بمصالح أميركية لا علاقة لها بالشرق الأوسط، فقد تراجعت مكانة واشنطن الدولية بصورة كبيرة خلال العامين الماضيين، وهو تطور استغله خصوم الولايات المتحدة بحماسة شديدة، فاستفادت منه الصين لتعزيز مكانتها كجهة دولية فاعلة يُفترض أنها مسؤولة، وروسيا لصرف الانتباه عن جرائمها في أوكرانيا، وكذلك فأن الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل جاء على حساب فرص مهمة لم تُغتنم، فكل مجموعة من حاملات الطائرات الأميركية تُنشر لحماية إسرائيل من تبعات أعمال قامت بها بتشجيع أميركي، هي مجموعة غير متاحة للمهمات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وعلى رغم أن العلاقة الاستثنائية مع إسرائيل واعتبار واشنطن متواطئة في حرب إسرائيل على غزة ليسا السببين الرئيسين المحركين لهذه الاتجاهات، لكنهما زادا حدة الاستقطاب السياسي وأججا معاداة السامية ورهاب الإسلام في الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العودة للوضع الطبيعي

إن استمرار الولايات المتحدة في الانصياع لتفضيلات الحكومة الإسرائيلية، وتقديم دعم سياسي وعسكري غير مشروط، وتجنب الخلافات العلنية، لن يؤدي إلا إلى تعزيز أسوأ نزعات القادة الإسرائيليين، مما يعرض أمن إسرائيل واستقرارها للخطر ويزيد معاناة الفلسطينيين، ويقوض المصالح الأميركية على مستوى العالم، وبالتالي فإن حماية المصالح الإسرائيلية والفلسطينية والأميركية تعتمد على التخلي عن هذه العلاقة الاستثنائية، ويجب على واشنطن إعادة سياساتها تجاه إسرائيل إلى إطار طبيعي، وجعلها متوافقة مع القوانين والقواعد والتوقعات التي تحكم العلاقات الخارجية الأميركية في كل مكان آخر، ومن خلال علاقة أكثر طبيعية سيكون لدى الولايات المتحدة المرونة اللازمة لضبط سياساتها بحيث تحقق توازناً أفضل بين الهدف المشروع المتمثل في حماية إسرائيل وبين أخطار أن يفضي ذلك إلى إطلاق يدها من دون قيود، وكلما أصبحت المساعدات الأميركية لإسرائيل شبيهة بالدعم الأميركي لحلفاء آخرين، صار من الأسهل على صانعي السياسات الدفاع عن هذه العلاقة أمام الرأي العام الأميركي.

ليست كل العلاقات الخارجية الأميركية الطبيعية متساوية، فثمة مساحة واسعة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل لتحديد مدى التقارب الذي تريدانه في علاقتهما، وبالتالي يمكن أن تلقى إعادة العلاقة لإطارها الطبيعي قبولاً لدى المؤيدين والمعارضين بشدة للعلاقات الوثيقة، وهي حقيقة قد تساعد في دفع هذا النموذج قدماً، ولكنها قد تعرقل مساره أيضاً، فقد يُصور أشد المؤيدين لإسرائيل في الولايات المتحدة إنهاء المعاملة الاستثنائية على أنه تخلٍ أميركي عن إسرائيل ومكافأة لمرتكبي هجمات السابع من أكتوبر 2023، وفي غضون ذلك قد يُجادل أشد منتقديها بأن علاقة أكثر طبيعية لا تزال سخية للغاية مع دولة تنتهك القانون الدولي بصورة صارخة، بما في ذلك أفعالاً يصنفها كثير من الخبراء القانونيين على أنها إبادة جماعية، ومع ذلك فإذا كان الافتراض صحيحاً بأن العلاقة بصيغتها الحالية غير قابلة للاستمرار، فإن التصرف الأكثر مسؤولية هو إدارة هذا الانتقال بعناية وروية، أما البديل، وهو انهيار يسببه استمرار تراجع الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل أو إجراء إسرائيلي متسرع مثل ضم الضفة الغربية، فمن المرجح أن يؤدي إلى تداعيات بالغة الخطورة، وفي الواقع فإن اتخاذ خطوات مقصودة ومدروسة نحو إعادة العلاقة إلى إطارها الطبيعي سيُمكن الولايات المتحدة من وضع شروط تضيق نطاق التعديل في شكل العلاقة، مثل مطالبة إسرائيل بنقل مسؤوليات الحكم في مزيد من أراضي الضفة الغربية إلى الفلسطينيين، وملاحقة المستوطنين المتطرفين الذين يرتكبون أعمال عنف، بوصف ذلك شرطاً مسبقاً للمضي في علاقة ثنائية طبيعية تبقى في الوقت نفسه علاقة خاصة، وهذا هو جوهر إعادة العلاقة لإطارها الطبيعي، إذ إنه يضع الحكومة الأميركية في وضع يسمح لها بممارسة نفوذها بفاعلية أكبر.

في الحد الأدنى يجب على الولايات المتحدة أن تغير جذرياً طريقة إدارتها لهذه العلاقة، والشرط الأول هو التوصل إلى تفاهم حول الأهداف والغايات المشتركة والمتباينة، وما الذي يمكن أن يفعله كل بلد دعماً لمصالح الآخر، وأي إجراءات من شأنها أن تُعرض هذا الدعم للخطر، وذلك لتحديد التوقعات والحدود، وينبغي أن تؤكد الولايات المتحدة دعمها القوي لحق اليهود في تقرير المصير، على سبيل المثال، ولكن عليها أن ترسم خطاً واضحاً يؤكد أن حق الإسرائيليين في تقرير المصير لا يمكن أن يمنع الفلسطينيين من ممارسة الحق نفسه، وعلى نحو مماثل ينبغي على الولايات المتحدة الحفاظ على التزامها الراسخ بأمن إسرائيل، مع التأكيد أن هذا الالتزام لا يشمل تمكين إسرائيل من السيطرة الدائمة على الضفة الغربية أو غزة.

ليس من المفترض أن يكون الإكراه هو الخيار الأول للمسؤولين الأميركيين، لكنه يجب أن يظل خياراً مطروحاً

 

بعد ذلك يجب على الولايات المتحدة أن تطبق القوانين والأنظمة والمعايير الأميركية والدولية على إسرائيل بالطريقة نفسها التي تطبقها على البلدان الأخرى، ويشمل ذلك "قوانين ليهي" المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وقانون المساعدات الخارجية وقانون النزاعات المسلحة [أو القانون الإنساني الدولي] الذي يُلزم الأطراف المتحاربة بالتمييز بين المقاتلين والمدنيين في جميع العمليات العسكرية، فعلى سبيل المثال فإن أية وحدة في الجيش الإسرائيلي تسيء معاملة الفلسطينيين يجب أن تتحمل المسؤولية المناسبة أمام النظام القانوني الإسرائيلي، وإلى أن تُفرض هذه العقوبة فيجب ألا تتلقى الوحدة أية مساعدة أميركية، وهذا هو المعيار المتبع في تعاملات الولايات المتحدة مع الدول الأخرى، بما في ذلك الدول التي ترتبط معها بمعاهدة دفاع مشترك، فالإفلات من العقاب لا يشجع سوى على مزيد من الانتهاكات، حتى بين الحلفاء.

ويجب أن يغدو اعتماد الشروط جزءاً ثابتاً من العلاقة الأميركية – الإسرائيلية، فربط المساعدة أو السياسة بمدى انسجام دولة أخرى مع الأهداف الأميركية ليس فعالاً دائماً لكنه قد ينجح، ولا ينبغي أن تكون محاولة إكراه شريك هي الخيار الأول للمسؤولين الأميركيين، لكنها يجب أن تظل خياراً مطروحاً إذا فشلت الأساليب الأخرى، فحتى أقرب الحلفاء لا يتجاوبون دوماً مع دعوات الصداقة أو الزمالة أو الدعم السابق، وفي هذه الحال فإن ربط أشكال المساعدة المختلفة بشروط محددة يمكن أن يفرض أو يهدد بفرض كلفة ملموسة على من يتصرفون بما يتناقض مع المصالح الأميركية، مما يزيد احتمال تغييرهم لمسارهم، أو في الأقل يتيح لواشنطن أن تنأى بنفسها عن أفعالهم إن لم يغيروا مواقفهم.

تمتلك الولايات المتحدة طرقاً عدة لفرض شروط على إسرائيل، فمثلاً يشكل انتهاء العمل بمذكرة التفاهم الأميركية الإسرائيلية لعام 2016 في شأن المساعدة الأمنية عام 2028 فرصة مناسبة لإعادة تقييم استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين لدعم دولة ثرية باتت تنافس مصنعي الأسلحة الأميركيين في الأسواق الخارجية، ويمكن لإدارة ترمب، في الأقل، أن تنتزع التزامات سياسية في مقابل اتفاق لاحق، وتستطيع واشنطن أيضاً أن تربط مواقفها وتصويتها داخل مجلس الأمن الدولي بأفعال إسرائيلية معينة، أو مثلما فعلت في الماضي يمكن للولايات المتحدة حجب المساعدة عن إسرائيل بما يوازي حجم الخلاف السياسي، وعلى سبيل المثال خفض المساعدات بمقدار ما تنفقه إسرائيل على المستوطنات.

أخيراً يجب على واشنطن أن تصر على امتناع الطرفين من التدخل في الانتخابات والسياسات الحزبية لدى بعضهما، فقد تدخل نتنياهو مراراً وتكراراً في السياسة الداخلية الأميركية لدفع أجندته، ففي عام 2012 دعم بصورة علنية وصريحة تقريباً المرشح الجمهوري ميت رومني للرئاسة، وتحدث أمام جلسة مشتركة للكونغرس عام 2015 بدعوة من أعضاء جمهوريين منتقداً الاتفاق النووي مع إيران، وكذلك تدخلت الإدارات الأميركية في السياسة الإسرائيلية ولكن بوتيرة أقل، وكان أبرز مثال على ذلك مساعي إدارة كلينتون لدعم شيمون بيريز، منافس نتنياهو على منصب رئيس الوزراء، خلال انتخابات 1996 عبر دعوته إلى البيت الأبيض قبل وقت قصير من توجه الناخبين الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع.

المشكلة ليست في تعبير حكومة ما عن آرائها في شأن تصرفات حكومة أخرى أو لقائها سياسيين ومسؤولين من المعارضة، بل تكمن في قيامها بذلك بقصد تقوية حزب معين، ولو صدر هذا النوع من التدخل العلني الذي مارسته إسرائيل من أي شريك آخر لما كانت أية إدارة أميركية تسامحت معه، فمثل هذا السلوك يتعارض مع روح التعاون التي ينبغي أن تسود بين الحلفاء، وفي الحال الأميركية - الإسرائيلية ألحق هذا الإجراء الضرر بكلا البلدين.

إن تفضيل نتنياهو العلني للجمهوريين لم يمكنه من تقويض سياسات مدعومة من غالبية الأميركيين وحسب، بل أسهم أيضاً في تراجع دعم الديمقراطيين لإسرائيل، ولا يمكن أن تستمر علاقة دبلوماسية أكثر طبيعية في ظل وجود دولة واحدة تعمل كطرف سياسي حزبي.

ترجمة الأقوال إلى أفعال

إن إعادة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية لإطار طبيعي لن تعرقل ولا ينبغي لها أن تعرقل، فالتعاون قيم بين البلدين في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا والتجارة، ولن تُعفي السياسيين الفلسطينيين من مسؤوليتهم في إصلاح السلطة الفلسطينية أو تبرئ "حماس" من مسؤوليتها عن الجرائم المروعة التي ارتكبت في السابع من أكتوبر 2023 وأشعلت حرب غزة، غير أن هذا التحول من شأنه أن يفتح الباب أمام سياسات أكثر فاعلية، فأولاً ستكون الولايات المتحدة في موقع أقوى لمنع إسرائيل من ضم الضفة الغربية، وهي خطوة تتناقض مع المصالح الأميركية وتنتهك حقوق الفلسطينيين، وسيستلزم ذلك حواراً استباقياً يوضح تعريف الولايات المتحدة للضم وتحديد كيفية استجابة واشنطن في حال أقدمت إسرائيل على ذلك، والتفاهم المشترك على أن واشنطن ستدرس بجدية خيارات سياسية أقوى، مثل الإدانة العلنية أو الاقتطاع من حساب المساعدات العسكرية لإسرائيل، من شأنه أن يُسهم في ردع الضم، وفي الأثناء فإن تعليق المساعدات العسكرية لوحدات الجيش الإسرائيلي التي تشارك في بناء المستوطنات في الضفة الغربية سيُظهر التزاماً أميركياً بتطبيق القانون الدولي الذي يحظر على أية دولة توطين سكانها المدنيين في الأراضي التي تحتلها، وإذا بقيت كل العوامل الأخرى على حالها فستواجه إسرائيل كُلفاً أكبر في حال حاولت ضم الضفة الغربية، إذا كانت علاقتها بالولايات المتحدة أكثر طبيعية، مما يُقلل احتمال إقدامها على هذه الخطوة.

ويمكن لعلاقة أميركية - إسرائيلية طبيعية أن تتيح جهداً مشتركاً أكثر استدامة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، فقد يكون من الممكن استئناف المفاوضات النووية مع إيران إذا تمكنت واشنطن من الحصول على موافقة إسرائيل على الامتناع من أنواع معينة من العمل العسكري، في مقابل تعهد الولايات المتحدة بالانضمام إلى إسرائيل في الرد عسكرياً إذا تجاوزت إيران العتبة المتفق عليها، ويمكن لربط الدعم بشروط واضحة أن يسهم في تعزيز هذه السياسة، فقد تعلق واشنطن مبيعات الأسلحة في حال نفذت إسرائيل ضربة من دون موافقة أميركية، أو يمكنها التعهد بتقديم دعم إضافي لإسرائيل في مجال الدفاع الصاروخي إذا أعادت إيران إحياء برنامجها النووي أو برنامج الصواريخ الباليستية، بل قد يكون من الأسهل بناء دعم من الحزبين لاتخاذ إجراءات عدوانية ضد إيران إذا امتنعت إسرائيل من التدخل في النقاشات السياسية الأميركية حول هذا الموضوع.

لقد قوضت عقود من الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل السلام والاستقرار في الشرق الأوسط بدلاً من أن تعززهما، وكان الفلسطينيون الخاسر الأكبر في هذه الإخفاقات، فيما دفعت الولايات المتحدة وإسرائيل ثمناً باهظاً أيضاً، وطالما لم تُعالج المشكلة الجوهرية في العلاقة الثنائية فسيواصل هذا الثمن الارتفاع، وستحتاج الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التكيف إذا أرادتا لعلاقتهما أن تستمر، من خلال الانتقال من تعاون استثنائي يضر الطرفين إلى علاقة أكثر طبيعية يمكن أن تشكل أساساً لتحالف مستدام، وطالما أن ترمب في المكتب البيضاوي ونتنياهو وائتلافه المتطرف هم من يقودون العلاقة، فمن غير المرجح أن تلتزم واشنطن التزاماً كاملاً بنهج جديد متماسك ومؤسسي، ومع ذلك لم يفت الأوان بعد للبدء في تقييم ما حدث من أخطاء ومناقشة كيفية إصلاحها، وإذا ضاعت الفرصة المقبلة لإعادة ضبط العلاقة التي تزداد هشاشة بين الولايات المتحدة وإسرائيل فسيكون ذلك على حساب الأميركيين والإسرائيليين والفلسطينيين على السواء.

 

مترجم عن "فورين أفيرز" يناير (كانون الثاني) / فبراير (شباط) 2026 – نُشر في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2025

 أندرو ب. ميلر زميل أول في شؤون الأمن القومي والسياسة الدولية في "مركز التقدم الأميركي"، وقد شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإسرائيلية الفلسطينية خلال إدارة بايدن، وكان مديراً للقضايا العسكرية الخاصة بمصر وإسرائيل في مجلس الأمن القومي أثناء إدارة أوباما.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء