Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر اليمني حسين المحضار... ثنائية الكلمة واللحن

ألف كلمات الأغنية المحضارية التي سادت منذ زمن طويل ولا تزال تتردد حتى وقتنا الراهن

الشاعر اليمني حسين أبو بكر المحضار (اندبندنت عربية)

يبقى الشاعر اليمني حسين أبو بكر المحضار (1930–2000)، واحداً من كبار شعراء حضرموت وشبه الجزيرة العربية، بعدما أثرى الحياة الفنية لفترة تزيد على نصف قرن، واهتم النقاد بتجربته الغزيرة والاستثنائية في مجالي الشعر والألحان، فقد برز كشاعر غنائي موهوب ولحّن معظم أغانيه. وهي موهبة أخرى لا تقل في أهميتها عن تجربته الشعرية، كما يقول النقاد، الذين يرونه مطوراً للأغنية ورافداً جديداً للمدرسة الغنائية الحضرمية في تنافسها الإبداعي مع مدارس الغناء اليمني.

عشرون عاماً مضت منذ رحيل هذا الشاعر، ففي فبراير (شباط) من عام  2000، رحل المحضار بعد حياة عطاء إبداعي وفير. ورغم مرور عقدين من الزمان على رحيله، فإنه لا يزال يحظى باهتمام الجمهور الحضرمي واليمني والعربي العاشق للشعر والغناء والحب.

 وتحيي حضرموت، ذكرى رحيل الشاعر كل عام بإقامة عدد من الفعاليات الثقافية والفنية التي تحظى بمتابعة جماهيرية، منها هذا العام افتتاح المحافظ اللواء فرج سالمين البحسني، مركزاً ومتحفاً للشاعر بعد إعادة ترميمه وتأهيله بتمويل من السلطة المحلية. وعقب الافتتاح ألقى المحافظ كلمة أعلن فيها تدشين البرنامج الخاص بإحياء ذكرى رحيل العشرين من مسقط رأسه بمدينة الشحر، وسط وفود من مختلف أحياء المدنية ومدن حضرموت. وأشاد بأهمية الفعالية لشخصية عظيمة مثل المحضار، الذي تجاوزت شهرته حضرموت لتصل إلى كافة المحافظات اليمنية ودول الخليج والدول العربية، وتمكن بواسطة مَلكته الإبداعية من وضع بصمة ستبقى خالدة في الذاكرة والوجدان على مر العصور. جرى أيضاً خلال الافتتاح والتدشين تقديم عرض عن حياة الشاعر، بالإضافة إلى استعراضات فنية شعبية من قبل عدد من الفرق التراثية.

موهبة تجاوزت الحدود
بين عامي 1930 و2000 م، عاش المحضار في حضرموت في مدينة الشحر مسقط رأسه، وكان ربيب سلطة وحكم، إذ كان والده وزيراً في عهد الدولة القعيطية، كما كان جده حسين بن حامد المحضار وزيراً وشاعراً، وأحد أركان الدولة القعيطية لفترة طويلة.

وبحسب عبد العزيز الصيغ، رئيس الدائرة الثقافية بمؤتمر حضرموت الجامع، "عاش الشاعر في بيت تتوفر له كل أسباب الثقافة، محاطاً فيه بكل أنماط العناية والرعاية، وتجاوزت موهبته الشعرية أقرانه، وتعدت قدراته شعراء جيله، على الرغم من علو كعب الكثيرين منهم في الشعر".

صياغة الألحان
يضيف الصيغ لـ"اندبندنت عربية"، أن المحضار امتاز عمن سواه بميزة أخرى إلى جانب الشعر، وهي القدرة على صياغة اللحن، ولذلك كان حضوره بمجال الأغنية فريداً واستثنائياً، فقد انتهى كثير من الباحثين، بشبه إجماع، إلى أنه وحيد عصره في الأغنية الحضرمية، وصاحب منهج متفرد، بل إن أغنياته التي ألفها، صارت تعرف بالأغنية المحضارية، وسادت زمناً طويلاً في البلاد، ولا تزال، حتى أن الأذهان غالبا ما تنصرف إليها بمجرد ذكرها بعدما أوجد حالة غنائية خاصة. واتسم منتجه بقوة العبارة وجمالها، وفرادة اللحن الذي كان يأخذه من إيقاعات الألعاب الشعبية، ومن كل ما له علاقة بتراث البلاد، وهو ما أكسب ألحانه ثراءً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفقاً للصيغ، فإن المحضار يقف على تجربة فنية لها بُعدان، الشعري واللحني. تميز الأول باللغة الصافية الرقيقة والعذبة التي تختلف عن الآخرين، فهي لغة لها إيقاعها اعتمدت على الجناس الذي برع فيه، فهو صاحب مدرسة التجنيس في الشعر الشعبي اليمني. أما البعد الثاني المتمثل في الألحان فقد وظف فيه بذكاء الموروث الغنائي الحضرمي بما في ذلك إيقاع الألعاب الشعبية، وهو ما أورثها في الذاكرة الشعبية التي لولاه لكانت في مهب الريح، لأن الشروح والألعاب قلت كثيراً بفعل الزمن والتطور الاجتماعي في حياة الناس، وبالتالي فألحانه كانت سجلاً لهذه الإيقاعات.

الدواوين
يتابع الصيغ، ترك المحضار إرثاً شعرياً جُمع في أربعة دواوين هي: دموع العشاق (1966م) ، وابتسامات العشاق (1978م)، وأشجان العشاق (1999م)، وحنين العشاق (1999م). كما ترك عدداً كبيراً من الأوبريتات الشعرية الغنائية، طُبع منها جزء ضم عشرة أوبريتات وهي أكثرها شهرة، وكان لنا شرف جمع هذه الأوبريتات والتعليق عليها والإشراف على طباعتها، كما أن هناك جانباً كبيراً من شعر المحضار لم تسلط عليه الأضواء، ومنه شعره الفصيح الذي ظن لوقت طويل أنه ليس قويا، واتضح بعد ذلك أنه يحتل موضعاً جيداً في ديوان الشعر العربي".

الحب والوطن
يتطرق الصيغ، إلى احتفاء المحضار بالحب والوطن، موضحاً أن الشاعر عالج  موضوعات تتصل بالوطن والسياسة والواقع الاجتماعي في عدد من نصوصه الشعرية والغنائية، وكان أشبه بالمتحدث بألسنة الناس في كثير من الوقائع التي تمر بحياة الوطن والناس، وشارك في أحداث سياسية بقصائد ظلت زمناً تردد بوصفها صورة لهذه الأحداث.

يختتم الصيغ حديثه بقوله، "على الرغم من رحيل المحضار منذ عام 2000، فإن حضوره لا يزال طاغياً في مجال الغناء، ولا تزال أغانيه وألحانه الأكثر تداولاً بالبلاد، ويمكن القول أنه ظل حتى بعد مرور عشرين سنة قمة لم يستطع أحد الوصول إليها.

ثنائية الكلمة والمغنى
لا يذكر الفنان أبو بكر سالم بلفقيه إلا ويذكر معه الشاعر المحضار، فقد كانا في تلازمية فنية غاية في الإبداع والتألق، وارتبطا وجدانيا معا منذ مرحلة الستينيات بعدن، ومن ثمّ توقفت بعد هجرتهما إلى السعودية، حيث عمل الشاعر المحضار هناك في أحد المكاتب بجدة، وكانت هذه الفترة من أخصب نتاجاته. وكانت أخصب مراحل بلفقيه فنياً، تلك التي شدا بالأشعار والألحان المحضارية، التي حملت الشوق واللوعة للأحباب، وجسدت أجمل وأصدق معاني الفراق، خاصة التي حملها ديوانه الأول "دموع العشاق".

الكاتب والباحث أكرم باشكيل، يشير إلى أنه بعد عودة المحضار من غربته التي لم تدم طويلا إلى أرض الوطن، بدأت تلك العلاقة بينه وبين بلفقيه يشوبها شيء من الفتور، واتجه الشاعر إلى كثير من الفنانين ليشدوا بكلماته وألحانه طوال فترة السبعينيات، وحتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، حيث عادت تلك العلاقة بعد زيارة الفنان بلفقيه للمرة الأولى أرض الوطن، وبدأت المياه تعود إلى مجاريها بينهما، وظهر بعض الإنتاج المشترك بينهما، وتوطدت كثيراً بعد ارتباطهما بعواصم الخليج فنياً، وظلت العلاقة على قوتها حتى وفاة الشاعر المحضار في فبراير عام 2000.

تجربة المحضار مع بقية للفنانين
وفقا لباشكيل، لم تقتصر علاقة المحضار الفنية بـ"بلفقيه" فقط، بل مع عدة فنانين آخرين، فقد بدأت موهبته كشاعر غنائي منذ نهاية الخمسينيات، وكان للفنان سعيد عبد المعين السبق في التقاط أغنياته، وتلاه محمد جمعة خان، ثم محمد سعد عبد الله عندما كان بالشحر حينذاك. كما غنى له كرامة مرسال وعبد الرب إدريس أثناء مكوثه في المكلاء، ثم سافر إلى الكويت، وفي نهاية الثمانينيات ارتبط بالفنان محفوظ بن بريك ابن مدينته، حيث حظي بالنصيب الوافر من نتاجه الغنائي، كما غنى له الكثير من فناني حضرموت، أشهرهم الفنان المتألق بدوي الزبير حيث ارتبط به وجدانياً، وجعل من الشحر مسكناً له، كما شدا الفنان القدير عمر غيثان ببعض أغنياته .

وعن علاقة الشاعر المحضار بكبار فناني الغناء الخليجي، أشار باشكيل إلى سعة   دائرة معارفه الفنية، حيث غنى له الكثير من فناني الخليج، بينهم الكويتي عبد الله الرويشد، والسعودي محمد عبده بأغنيته الشهيرة  "طاب ليلك ياعريس" في  الستينيات من القرن الماضي ، وبعد التسعينيات ذاعت شهرته عربياً، وغنى له كثير من مطربي الوسط الغنائي العربي.

المزيد من فنون