خدعة "النسب النبوي" تُعقّد تنصيب "خليفة" البغدادي... وهذه السيناريوهات البديلة

أنباء عن تنافس جنسيات عراقية وتونسية وسعودية على المنصب

تنظيم داعش عانى الضغط العسكري على الأرض وهو مضطر إلى إعلان خلف البغدادي (رويترز)

أوقع سقوط زعيم تنظيم داعش إبراهيم عواد السامرائي الملقب بابي بكر البغدادي في هذا الوقت التنظيمات الجهادية والمتابعين تحركات التنظيم الدموي في حيرة، فمن سيكون الخليفة المزعوم الذي ينتظر خراج سحب التنظيم الدموي في الأقطار ويوزع شارات الشهادة على الانتحاريين بعد السامرائي؟

لكن على الرغم من ترقب الإعلان عن حامل الحقيبة الجديد، إلا أن أحداً لم يجزم بمن هو حتى الآن، سواء من عناصر التنظيم على الشبكات الاجتماعية، أو أجهزة الاستخبارات الدولية المعنية بتتبع دقائق حركات التنظيم، خصوصاً في العراق الحاضنة المركزية الأولى لـ"داعش".

 

أسماء وجنسيات وتكهنات

ومع أن الأوساط الغربية وبعض المحللين تداولوا أسماء مثل عبدالله قرداش وحجي حميد وأبو عثمان التونسي وأبو صالح الجزراوي (نسبة إلى الجزيرة العربية أي سعودي)، إلا أن ترجيح العراقيين أن أحدها (قرداش) قد مات منذ فترة وفق مصادرهم التي وصفوها بالموثوقة، يؤكد أن التكهنات لا تستند إلى أدلة حاسمة.

ويلاحظ المراقبون لسلوك التنظيمات الجهادية في العامين الأخيرين، أنها تغيرت عدداً من أنماط تعاملها السابق بسبب الضغوط الميدانية عليها، بفعل التعقب الأمني، فلم يؤكد تنظيم القاعدة على سبيل المثال أو ينفِ حتى الآن مقتل قائدها البارز ونجل مؤسسها حمزة بن لادن، الذي أعلن البيت الأبيض 14 سبتمبر (أيلول) الماضي نبأ مقتله رسمياً، كما أن زعيم التنظيم الحالي أيمن الظواهري لا يزال مصيره مجهولاً، بسبب حالته الصحية الحرجة، فلم يظهر بعد ذلك للملأ، أوينفي التنظيم المزاعم على غير عادته. كما أن أهم بيان أصدره التنظيم تعليقاً على "صفقة القرن" الأشهر الماضية، كان موقعاً باسم "القيادة العامة" وليس زعيم التنظيم الظواهري، وهذا أيضاً يخالف أبجديات عمل التنظيم السابقة.

ويلمح عضو في القيادة العامة، أجاب عن تساؤلات "اندبندنت عربية" على موقع "تلغرام" الاجتماعي، إلى أن التنظيم لم يعد مهتماً بترميز عناصره، بعد التعلم من الأخطاء السابقة.

وقال "الأمة الإسلامية أمة ولود وفيها من النخب ما لا يعد ولا يحصى وهناك المئات من الإخوة على اختلاف تخصصاتهم ومهاراتهم، وعدم ظهورهم والكشف عنهم هو سياسة ارتأينا العمل بها نتيجة التجارب التي مررنا بها". هذا مع أن المراسلات بين بن لادن وقيادة التنظيم العامة، كشفت عن شكوى الأخيرة إليه شح القادة المتمرسين بعد كثرة القتل فيهم، واصطياد "المسيرات" الأميركية لهم واحداً إثر الآخر إلا أن القاعدة في إجابتها على أسئلة "اندبندنت عربية"، نفت أي معاناة لها في جانب الموارد البشرية.

 

إعلان الخلفية يستدعي تفاهمات ولكن مع من؟
أما بالنسبة إلى تنظيم داعش، فإنه حتى وإن عانى الضغط العسكري على الأرض، هو مضطر إلى إعلان خلف البغدادي لجمهور التنظيم، نظير رمزية "الخلافة" التي أعطت التنظيم هالة، استطاع بها انتزاع الصدارة من المؤسسة الأم تنظيم القاعدة، وكذا التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
ويطرح المهتمون بالتنظيمات الجهادية أمثال الكاتب السعودي مشاري الذايدي تساؤلات عدة حول الدور التركي في ازدهار "داعش" في مناطق الأكراد أعداء أنقرة، واختفاء البغدادي على بعد كيلوات من الحدود التركية، بين مناطق نفوذ التنظيمات القريبة منها في ريف ادلب (قرية باريشا)، مما يعني أنه لا يستبعد أن يكون وكلاء أسطمبول حاضرون أيضاً في اختيار "الخليفة" الجديدة، خصوصاً وأن العثمانيين وضيوفهم الإخوان، يعتبرون "الخلافة" حقاً لهم، خرج من أيديهم بمؤامرة الأتاتوركيين، وينبغي أن تعود بشكل أو آخر، كما تغنوا كثيراً بأن "أردوغان" سيعيد لها أمجادها وإن لم يسمها باسمها.

خيار الاندماج بين القاعدة وداعش

 وفي اتصال مع احد المراقبين لشؤون التنظيمات المسلحة في جهة الشمال السوري، لا يستبعد المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه أن "يجدد مقتل البغدادي محاولات الأطراف الإقليمية توحيد تنظيم القاعدة ممثلة في النصرة وداعش في تنظيم واحد، لأن الفوارق بينهما لا تتجاوز التفاصيل، ومرد التصارع القائم بينهما ليس إلا على سبيل التنافس، خصوصا اذا ما جرت محاولة تصوير عناصر داعش بأنها خاضت مراجعات فكرية بعد انهيار دولتها، على نحو ما جرى مع تنظيم النصرة التي تحولت إلى أحرار الشام بحثا عن إعادة تأهيلها لتشريع سيطرتها في مناطقها  إقليميا ودوليا".

وتحتاج القاعدة إلى منصب" الخليفة" الذي سرق منها الأضواء، فيما قد يغري داعش التحالف مع القاعدة لأسباب تتعلق بنواحي لوجستية وأخرى منهجية، إذ يرى بعض من المنشقين عن داعش أن تطبيقاتها للرؤية الجهادي مستفزة، وتدفع لاستئصال عناصرها، ونبذ الفكرة الجهادية على المدى البعيد.

الحل على طريقة "جهيمان"

أما إذا لم تجد داعش من تنطبق عليه شروط "الخلافة"  مثل الانتساب للأشراف من آل النبي محمد (ص) والتوفر على بسطة في الخبرة الجهادية والعلم الشرعي، فإن ادعاء النسب هو الحل عبر التأويلات المختلفة، على غرار ما فعل مقتحم الحرم المكي الشريف جهيمان قبل 40 عاما، عندما اقنع صهره محمد القحطاني، بأنه من ال بيت النبي، ليتوافق مع شروط المهدي المنتظر، فدعاه إلى إشاعة انه من عائلة قرشية غير أنه انتسبت بحكم الجوار والأمهات إلى قحطان، التي تعود إلى غير النسب العدناني الذي ينتهي إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ابي الأنبياء بمن فيهم نبي المسلمين محمد.

لكن داعش لديها خيار آخر وان كان ليس من نهج عملها، وهو إخفاء هوية الخليفة ليكون رمزا على طريقة الإمام الغائب عند الشيعة، ويكون المتحدث باسم التنظيم أو مجلس شوراه هو الذي يتولى إبلاغ الأنصار بتعاليم الخليفة حيثما كان. إلا أن داعش على خلاف القاعدة بدأت منذ البداية بالسجلات والتدوين وخلع الألقاب وتجنب السرية ما أمكن، نظير توهمها انها قادرة على بناء دولة على الأرض وفرض أمر الواقع على العالم، مع ان ملهمها الأول زعيم القاعدة أسامة بن لادن في خلاصاته التي أفرج عنها الأميركيون حذر الجهاديين من وهم القدرة على إقامة الدولة في الظرف الدولي الراهن، داعيا إلى اخذ العبرة من إسقاط دولة الطالبان الأفغانية، حتى وإن سيطروا على الأراضي وأمكنهم إسقاط دول قائمة مثل اليمن في عهد الرئيس علي عبدالله صالح.

الدفع بسعودي لرأس التنظيم؟

وإذا صح أن تنظيم داعش يرتبط بتنسيق من نوع ما مع الأتراك والإيرانيين، فإن الأخيرين يرجح أن يسعيا جاهدين، للدفع بأي سعودي على رأس التنظيم، بحثاً عن وقود جديد للدعاية وشيطنة البلاد التي رحبت باقتناص الخليفة المزعوم، مستذكرة جرائم عناصره في السعودية، وهي التي نفذت جرائم لم تشهدها المملكة من قبل، تمثلت في قتل مجندٍ من التنظيم خاله وآخر ابن عمه، وتواطؤ توأمين على قتل والدتهما، في فعلةٍ هزت فعلتهما مجتمعاً محافظاً ينظر إلى كل النساء باحترام ناهيك بالأمهات.

ويُسند هذا المنحى أن السعودية التي يطلق عليها الجهاديون "جزيرة محمد"، هي أرض النبي ومنشأ الدولة الإسلامية الأولى والخلفاء الراشدين، قبل أن تتحول إلى العراق والشام، ودائماً تسعى التنظيمات الجهادية إلى ضمان نفوذ لهم فيها بحثاً عن الموارد المالية والرمزية الدينية بوصفها قبلة المسلمين، وموطن الحرمين الشريفين.